الرئيسية » بيستون » الأكراد الفيليون … إلى أين ؟

الأكراد الفيليون … إلى أين ؟

حدث في جلسة البرلمان العراقي في 4 نيسان 2011 إنسحاب معظم النواب من قاعة الإجتماع إثر إعلان رئيس مجلس النواب عن الموضوع التالي المطروح للمناقشة وهو ( قضية الأكراد الفيليين ) ، مما إضطر رئيس المجلس إلى إعلان عدم إكتمال النصاب وطي ملف القضية إلى أجل غير مسمى . بهذه المناسبة ، رأيت الإقتباس من مقدمة الكتاب الموسوم ( المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيليين ) للأستاذ زهير كاظم عبود ، بقصد التذكير بمعاناة هذه الشريحة من أبناء الشعب بسبب سلب حقوقهم وإنكار وجودهم . وإن كانت معاناة الكورد الفيليين في العهد السابق نتيجة للمنهج القومي الشوفيني العربي ، فالمراقب في حيرة في تفسير ما يحدث الآن والقوى المسيطرة على السلطة قوى دينية وطائفية شيعية والكورد الفيليون يتبعون نفس الدين ونفس المذهب ( الجعفري ) . فهل نحن إزاء شوفينية من نوع جديد ؟ 

” تكمن مشكلة الأكراد الفيليين في إنكار الحق والتنكر للحقيقة بالرغم من وضوحها وسهولة إكتشافها . ولعل إنكار أو تخفيف ما لحق الفيلية من جرائم وظلم هو من هذه الوسائل التي يعتمدها فاقدو المروءة ومنكرو الحقائق .

ولطالما واجه الكورد الفيليون ما يقلل من تضحياتهم أو يُغمز في إنتسابهم وإرتباطهم التاريخي وفي تراثهم القومي وحقيقتهم . ولطالما تمّ التقليل من مأساتهم ومحاولة تبرير الأفعال الجرمية المرتكبة بحقهم بقصد تضييع صوتهم وإلغاء خصوصيتهم بهدف طمس معالم حقوقهم وشراكتهم في الحياة العراقية ، والتقليل من دورهم المهم في الحياة السياسية والإجتماعية . كما تمارس تلك الجهات أساليب أخرى من خلال خلق مزاعم وإدعاءات زائفة تطعن في عراقيتهم وعلاقتهم بالتراب العراقي ، القصد منها بالنتيجة إحداث شرخ في صميم المكونات الإنسانية في العراق ، من خلال تحجيمهم وعزلهم عن أبناء جلدتهم لكونهم أكراد ، أو محاولة إلصاقهم ضمن الأحزاب الدينية لكونهم من أتباع المذهب الجعفري ، أو إحتسابهم على حركة سياسية معينة ، لكونهم شكلوا على الدوام عنصراً مهماً من عناصر معارضة السلطات الدكتاتورية ، ولم يهادنوا ولم يستكينوا ، وثبتوا على جهادهم طيلة السنوات الحالكة التي مرّت على العراق .

والحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها أنّ عطاءهم كان لكل الحركة الوطنية دون تحديد ، ولكل العراق دون أن يقفوا مع قومية محددة فقط .

ما تعرض له الفيليون يجعلنا ندرك أن السلطات التي مرّت في تاريخ العراق الحديث تعكزت على قوانين ونصوص لم يتم إستعمالها وتطبيقها على غيرهم . فهذه النصوص كان يراد لها أن تكون السيف الحاد الذي يمكن أن يذبحهم أو على الأقل يفتت تواجدهم عقاباً لهم على مواقفهم الوطنية المشرفة ، وإضعافاً للموقف الوطني الشعبي العراقي .

ومن بين أهم الحقائق التي تتجسّد عملياً في العراق وجود قوميات متآخية ومتعايشة ومنسجمة ، ولكل قومية منها حقوق وواجبات . و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقرّ أو نقبل ونسلم بسيطرة قومية على أخرى . فلكل قومية كرامتها ، ولكل قومية خصوصيتها ، والمنطق يقضي أن كل قومية منها لها تاريخها وحقوقها ، وأن للقومية الأخرى مثل تلك الحقوق . ووفق هذا السياق فإن إهدار الحقوق ومنع المحاكم من النظر في القضايا التي تخص الجنسية والتعسّف في التطبيقات القانونية ، وقضايا التسفير الهمجي الظالم والجمعي ، وسلب الحقوق ومصادرتها التي طالت شرائح عديدة من العراقيين ، ولعلّ من أكبرها وأهمها شريحة الكورد الفيليين ، كان مخططاً لها بقصد إحداث ردّة فعل في مواقفهم الوطنية .

لم تأخذ محنة الكورد الفيليين حجمها الطبيعي في الإعلام العراقي أو الدولي ، فقد تعرضت الفيلية إلى حالة ليس فقط من الإستلاب والتعتيم وإنما إلى تمكّن السلطة حينها إلى رش الرماد في عيون العديد من الجهات لتصوير الكورد الفيليين وكأنهم أجانب إقتضت الظروف السياسية في العراق أن يعودوا إلى بلادهم التي جاء أجدادهم منها . ومع كل هذا التزوير والتزييف فقد سقطت سلطة صدام فاضحة نفسها حين تصدّت في عمليات تهجير كبيرة صاحبتها عمليات إحتجاز وتعذيب ونفي مواطنين عراقيين من الأكراد الفيليين يملكون السندات الرسمية التي تثبت عراقيتهم ، وصاحَبَ ذلك القيام بمصادرة للأموال والعقارات ، لا أساس لها من القانون و لا سند لها من الشرعية .

عملية الإقرار بحقوق الآخرين تحتاج ليس فقط إلى شجاعة وإيمان بحق الإنسان في الخيار والإختيار ، وليس فقط الجُرأة في تقبل قضية الحقوق . و لا يحتاج أصحاب الضمائر الحية والمؤمنون بحقوق الإنسان إلى كل هذا . فهم أصلاً يحترمون خيار الإنسان وكونه خُلق حرّاً لا يمكن إستعباده . فلكل إنسان شخصية قانونية ويتمتع بحماية النظام القانوني ، وأن جميع البشر أحرارٌ متساوون في الكرامة والحقوق . وقد جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ردّاً على التجاهل المتعمّد لهذه الحقوق وإحتقارها مما أدّى إلى أعمالٍ أثارت بربريتها الضمير الإنساني . وكان البشر قد تنادَوا ببزوغ عالم يتمتعون به بحرية القول والعقيدة ، وبالتحرر من الخوف والفاقة والإستعباد كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم .

ونعرف كلنا حقيقة أن الأكراد الفيليين جزءٌ من الأمة الكوردية ، مثلما هم جزءٌ مهم وفاعل من المجتمع العراقي ، وهم شريحة كوردية لهم لهجتهم وتاريخهم وخصوصيتهم وسكنوا هذا الجزء من أرض العراق منذ أن وُجِد الإنسان عليها ، وحين نشر الفتح الإسلامي جيوشه كان الكورد الفيليون يقيمون في تلك المناطق التي إلتزمت بالدين الجديد .

إن الأكراد الفيليين الذين عُرفوا بتجمعاتهم المتمركزة في مدن وقصبات عراقية وفي محلات معينة من بغداد إنتشروا في مساحة من الأرض توزّعت وفقاً لخرائط الجغرافية والتقسيمات السياسية لا يمكن أن يغفل أحدٌ وجودهم الإنساني . وقد ساهم الأكرادُ الفيليون سوية مع العرب في مناطق عديدة جنباً إلى جنب في تحملهم نصيبهم من إضطهاد الحكومات ، وحين قامت ثورة العشرين كان الكورد الفيليون ضمن الأكراد في مقدمة من إستجاب لنداء العلماء المسلمين والقادة السياسيين المتنورين وشيوخ العشائر في الفرات الأوسط حيث تلاحمت الأخوّة العراقية بحق في هذه المواقف التي سجلها التاريخ بفخر للعرب والأكراد والتركمان . وخلال الحكم الوطني العراقي ساهم الكورد الفيليون مساهمة فعالة في رفد الإقتصاد العراقي وحركة التجارة العراقية والحركة العمالية رفداً فعّالاً ومهماً . إذ تمتع الكورد الفيليون بعقليات تجارية وصناعية قادرة على المساهمة في ترسيخ قاعدة إقتصادية متينة للعراق ، ولما تمتعوا به من ذكاء فطري وتراكم عملي في فهم العلاقات التجارية والمالية ، ولما إشتهر عنهم من خصال الأمانة والثقة والصدق والإخلاص في تعاملهم ، مما سبب إستقرار ورسوخ قيم السوق التجارية الناجحة والرصينة ، بالإضافة إلى تطلعاتهم بإتجاه المستقبل العراقي ، حيث ساهموا في التخطيط لهذا المستقبل وإنصهروا ضمن النضال السياسي الوطني ليشكلوا قادة وقواعد تطالب بالحق والديمقراطية لكل العراق قبل أن يطالبوا بحقوقهم المشروعة .

التضحيات التي قدمها الأكراد الفيليون لم تكن نوعاً من الترف السياسي أو من أجل مواقف ذاتية أو لمصلحة قائد سياسي أو حزب من الأحزاب . فقد كانوا يشعرون حقاً بما يلحقهم من غبن في الحقوق ، وكما كانوا يشعرون بأن عطاءَهم لا يتجانس مع حقوقهم المتعلقة بخيوط النصوص الواهية التي وضعتها السلطات والتي غمزت من مواطنتهم وإرتباطهم بالعراق . ومع كل هذا القهر والعذاب الإنساني الذي عاشته جماهير الكورد الفيليين فقد كانوا ينتظرون أن تزول كل نزعات السلطات الشوفينية وتنتهي من صبّ حقدها الأعمى وشرورها المستطيرة ، حتى يمكن التأمّل برهة للزمن العراقي القادم بديلاً عن تلك التي تعمي البصر والبصيرة وتنشر مساحة الدم والرعب فوق كل حقول العراق . والعطاءُ الفيليّ في التضحية بالإشتراك مع بقية المكونات العراقية لم يتوقف ، من أجل أن ترتفع راية الحق خفاقة فوق الجباه التي إفتدت العراق ومستقبله بأرواحها النقية والطاهرة لتسجل أروع الملاحم بين شعب يستمد إيمانه من حقه في الحياة وبين طُغمة لم تفهم معاني الحياة و لا جماليتها .

يتطلع الأكراد الفيليون في كل تضحياتم للإنسان ولحياة وكرامة تليق به وتتفاعل ضمن الحياة البشرية ، وتتأمل التطلّع نحو مستقبل يلحق به الإنسان في العراق بركب المدنية والتطوّر ، وأن لا أحد فوق الآخرين ، والبشر سواسية ، وأن الجميع يخضعون للقانون . ويتطلّع الأكراد الفيليون في تضحياتهم للتعبير عن إصرارهم الإنساني والمشروع في إبقاء صوتهم عالياً ، وأن يكون لهم الحق في بقاء هذا الصوت ، حالهم حال أيَّ شعب في العالم .

وبقي الكورد الفيليون شوكة في حلق الطاغية البائد ، لم يستطع أن يذلّهم و لا إستطاع أن يقهرهم . وكانت مواقفهم وتضحياتهم وإصرارهم الشرارة والمنارة التي لم تهدأ ولم تنطفي في إنارة دروب إسقاط سلطة الطاغية بالتكاتف والتعاون مع الحركة الوطنية العراقية ومن خلالها . وبعد أن تحقق سقوط الطاغية ورحيله وإستعادت الجماهير حقها في الحياة يتحتم على أصحاب الوجدان والضمائر الحية أن يستذكروا أن الأكراد الفيليين لهم من الحقوق المهدورة والمسلوبة ما يستوجب العمل على إعادتها دون تأجيل . وأن نعمل على تمجيد شهدائهم لكثرتهم وقساوة طرق القضاء عليهم . وأن نسعى بضمير صافٍ لوضعهم في الإطار الوطني الصحيح . وأنّ الكورد الفيليين كانوا السند المجاهد والدائم وحطب الثورة المستمرة على الطاغية ، والصرخة الإنسانية التي شكّلت الأرضية الثابتة للحركة الوطنية العراقية التي يجب الإقرار بمواقفها ومساهماتها الوطنية . ”

” و لا تُلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ” صدق الله العظيم .