الرئيسية » بيستون » الكرد الفيلية.. رواية حزينة

الكرد الفيلية.. رواية حزينة

لو ان الكرد الفيلية عشيرة عراقية لجرى حل مشكلتهم في اطار قانون العشائر الكيفي، او في ديوان من دواوين الوجهاء، او في اطار التنظيمات الملفقة الكثيرة التي تتخذ اسم العشائر لدواعي انتخابية او لتزييت ماكنة الصراع السياسي بين الزعامات والاحزاب، ولكان، في نهاية المطاف، قد حلّت قضية هذه الشريحة العراقية، في الاقل، على طريقة “النخوة” لما تبقى لدى العراقيين من بقايا انتخاء.

مشكلة الكرد الفيلية، تصلح ان تكون عالما روائيا: فقد كانوا في ورشة بناء الدولة العراقية المعاصرة، وكانوا جيشها ومجالسها وسياجها وطابوقها، فهم ابناؤها وورثة ماضيها. خدموا في قواتها واداروا عجلة تجارتها، ووضعوا جمرات حية في ثقافتها، واستقتلوا من اجل ان تبقى حصينة متباهية باسمها والوانها، ثم لم ينالهم منها غير التهجير الى ما وراء الحدود واسقاط الجنسية ومصادرة الاموال، ثم ضياع ملفهم في شعاب السياسة وتصفيات الحساب والجاذبات الطائفية والقومية، وبكلمة: صاروا، كما صار العراق، ارضا طاهرة لتصفية الحسابات.

اقول: مشكلة الكرد الفيلية، ليس في ذلك الاجحاف الذي لحقهم، فقد يقول قائل، ان العراقيين جميعهم تعرضوا الى الاجحاف، وقد يتفنن البعض في تعويم المظالم بحيث يصبح الكرد الفيلية اكثر سعادة من غيرهم من الشرائح المظلومة، بل ان مشكلتهم تتمثل في انهم، على الرغم من معاناتهم الطويلة بقوا متمسكين بحق المواطنة العراقية، وكانوا، اينما حلوا، قد حملوا معهم امانة الوفاء لبلادهم، وحتى هويتهم القومية، ككرد، فانها كانت مصنوعة من كيمياء انساني، يساعد (اذا ما اراد بناة العراق الجديد) في تشييد وحدة وطنية عراقية من طراز جديد لايقوم على الالحاق وتقسيم القوميات الى مراتب وخانات، ولا في اعتبار افراد البعض منها مواطنين من الدرجة الثانية.

مشكلة الكرد الفيلية باختصار انهم لايعانون مما ترك على جلودهم من سياط، وما تبقى في ذاكرتهم من كوابيس، وما جرى بحقهم من تعديات ومهانات واذلال، وكل ذلك من الماضي، بل من جحود الدولة الجديدة التي كانوا ينتظرونها ويقفوا على ابوابها سنوات عجاف بانتظار ان تنفتح عليهم وتعيد لهم منازلهم ومواطنتهم وجنسياتهم ومنهوباتهم، والمفارقة الدرامية (الروائية) هنا، هي ان البعض (اقول: البعض) من جلاديهم وناهبي منازلهم وسنيّ عمرهم لايزالون إما في منجى من المساءلة، او في مواقع الحل والربط يعرقلون عن عمد تسوية مشكلتهم، بل ان البعض (اقول البعض مرة اخرى) يحاول تفريغ قرار المحكمة الجنائية العليا الصادر في التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي باعتبار ما تعرض شباب وشيوخ وأطفال ونساء الكرد الفيلية جريمة حرب إبادة جماعية (جينوسايد) من محتواه ويجعلوا منه ملفا صالحا “للاطلاع” فقط من دون ترجمة الى اجراءات تعيد الحق الى اهله.

لقد حان الوقت ان يضع العراق الجديد وسام شرف على صدر الكرد الفيلية: ابناء اوفياء له في زمن عزّ الوفاء.

وكلام مفيد.. “ اظلم من الظالم من يساعد الظالم على ظلمه”.

حكمة