الرئيسية » بيستون » أزمة الكورد الفيليين في ظل غياب السلم الاجتماعي

أزمة الكورد الفيليين في ظل غياب السلم الاجتماعي




شفق كفاح هادي / لقد أكدت تجارب الشعوب ان سيادة منطق الصدام والاحتراب وان كان خفياً يشير الى شيوع القيم الاجتماعية السلبية…

وتتباين المجتمعات في تحملها او تقبلها ورفضها لتداعيات الاحداث القاسية فنرى دولا ومجتمعات  في مجمل مسيرة التاريخ قد اثر فيها ذلك بشكل سلبي واختفت امام هذا التحدي ولم تستطع الصمود امامه وهناك مجتمعات اخرى  تخطت هذا التحدي وصمدت امامه ونجحت في التخلص من كل اثار وتداعيات هذا التحدي البغيض ، لانها نجحت في تشخيص عوامل الضعف والقوة في جسد المجتمع وعالجت السلبي منها وعززت الايجابي منه لزيادة التضامن الاجتماعي ، ولكن الاحداث التي شهدها المجتمع العراقي منذ بدايات القرن المنصرم كشفت عن هشاشة البنية الاجتماعية وتأرجحها بين قيم تتعارض مع العقد الاجتماعي بمعناه المدني ، وكشفت كذلك عن غياب المسؤولية الاجتماعية نتيجة التعارض الآنف الذكر ، ومن ابرز الاحداث التي تؤكد غياب المسؤولية الاجتماعية هو الموقف الاجتماعي غير المسؤول تجاه ماتعرض له الكورد الفيليون من قبل الانظمة السابقة ومن قبل كائنات تطوعت للمشاركة في النهب وتمزيق كيان الضحية .


حول هذا الموضوع حاورنا الكاتب والروائي سلام عبود الشاهد الحي على ماتعرض له الكورد الفليون والذي قال في حديث لشفق : ( النهابون هم كل النهابين الذين ظهروا على امتداد تاريخنا ، هم الذين نهبوا المتحف العراقي بعد دخول امريكا الى العراق ، هم الذين نهبوا وثائق الدولة ، ونهبوا ممتلكات الشعب ، الذين خرجوا في احداث اليهود ونهبوا هم النهابون ، الذين انتهكوا حرمة الناس في عام 1963 في الانقلاب البعثي هم النهابون ، فالنهابون ربما يكونون بشراً من السابلة في الشارع وربما يكونون هم منظمة ولكن الغريزة العامة، الغريزة الجماعية هي التي تجعلنا نطلق على هؤلاء اسم النهابين ، هؤلاء النهابون هم جزء من ظاهرة اجتماعية يجب الاعتراف بها ويجب الاقرار بوجودها وما لم نعرف حجمها وطبيعتها ومضمونها لا نستطيع ان نعالجها . من هو النهاب مجدداً يمكن ان اكون انا ويمكن ان يكون انت ويمكن ان يكون اي شخص اخر مؤهل في لحظة معينة للنهب والنهب يشمل سرقة الملكية وسرقة التاريخ وسرقة الارواح وسرقة الدم وسرقة الحياة وسرقة الوظيفة وسرقة حتى الذاكرة، هذا هو النهاب وهؤلاء هم النهابون، وفي مشهد الكورد الفيليين انا كنت شاهد عيان على استباحة اهلنا والبيوت التي تحدثت عنها لم اتحدث عنها كوني كاتباً او صحفياً او متخيلاً انا كنت اقف هناك باكياً وحزين ووحيداً وكنت احاول ان اجمع قدراً معيناً من السياسيين لعمل فعل انتقامي ما، طبعاً بعقلية شبابية ساخنة وحارة ولكني وجدت نفسي عاجزاً فما كان من عندي سوى اختزان هذا المشهد واطلاقه بعد 30 عاماً ، وهذه الظاهرة لا تنحصر في المجتمع العراقي تركيبة اي مجتمع من المجتمعات تسمح في لحظة الخلل البنوي المركزي بحدوث مثل هذا، العاصم الوحيد الذي ينجي الناس من هذا هو النظام العام الاجتماعي والمثل الاخلاقية الداخلية في اللحظات التي يحدث فيها اضطراب اجتماعي عام تنشئ ضرورة لدى الجميع لاغتنام هذه الفرصة وهذا ظهر في الكثير من البلدان حتى في البلدان المتطورة ، ولكن في المجتمع العراقي وسبب تباينه القومي والعرقي والجغرافي وبسبب تكرار حدوث هذه الانقطاعات اصبح هذا الخزين المتوارث نوعاً او ضرباً من التقليد حالما تنفجر الاحداث يظهر النهابون وتكرار العملية ادى الى ان النهاب يهيء نفسه قبل وقوع الحدث وبالتالي يظهر هذا النهاب الذي تحدثت عنه الذي ينهب بدم بارد الذي ينهب الدم والعرض والملكية لانه نهاب) . وعن سؤالنا حول تميز القضية الفيلية قال سلام عبود : (هذا السؤال بالحقيقة اشكالي عميق يتعلق بشريحة عانت من مصير ربما نسميه استثنائياً ، يعني انا كعربي وجنوبي حينما اضطهدنا كعرب وجنوبيين وجدنا من يدافع عنا ، وجدنا لساناً ولو كان ضعيفاً يدافع عنا بإسم هذه الصيغة او تلك ، وحتى الكورد الذين يعيشون في الجزء الشمالي من العراق اصيبوا بالضرر وجدوا لساناً يدافع عنهم ، المسيحيون يدافعون عنهم في كل مكان واليهود فئة ضئيلة يدافع عنهم، الشريحة الوحيدة في العراق التي لم يكن لها لسان والتي لا يريد احد لا من الفرس ولا من العرب ولا من الكورد ان يدافع عنهم هم الكورد الفيليون ، هؤلاء عاشوا مصيراً مرعباً ، مصيراً قائماً على اجتثاث الجذور واجتثاث الانسان معاً ، وهذا هو الاستثنائي في قضية الفيليين ) . وحول غربة الانسان وضياع هويته في ظل الانظمة الشمولية قال سلام عبود : ( ربما احيلك الى كوردية فيلية هجرت مع زوجها وهي امرأة عزيزة عليّ تنتمي الى عائلة هم اهلي حقيقة ، هجرت مع زوجها ، وتكن هي المستهدفة بالتهجير ، انما كان زوجها هو المعني وقد ذهبت معه واصرت ان تكون معه ، تصور القدر كان الكورد الفيليون مقسمين على وجبات ، في الوجبة التي هجر فيها زوجها لم يكن اسمها قد ظهر كونها كانت عراقية ولكن بعد فترة وجيزة تحولت الى غير عراقية . هذا المصير مرعب فأنت لا تعرف متى تكون عراقياً او غير عراقي ، متى تكون جزءاً من وطن او خارج هذا الوطن ، ومتى تكون جزءاً من محيط اجتماعي عربي او كوردي او فارسي او لا تكون) .


الكاتب والمحلل السياسي ضياء الشكرجي اوضح في حديث لشفق : (اننا نعيش اليوم ازمة قيم عامة وعدم وجود موقف نزيه في الكثير من القضايا ، كان الشعب العراقي من اكثر الشعوب التي تحمل قيماً ولكن يبدو ان هناك انهياراً كبيراً في منظومة المسؤولية الاجتماعية ، قد تكون المسؤولية الاجتماعية موجودة ولكنها ليست بالمستوى الذي تجعل المجتمع متماسكاً كالجسد الواحد) . واضاف الشكرجي قائلاً : (ان ازمة فقدان القيم والمسؤولية الاجتماعية تكاد تمتد على عموم المنطقة وهذا نابع عن التأخر في اللحاق بركب الحداثة التي افرزت قيماً انسانية نحن بعيدون عنها ومجتمعنا اليوم يعيش حالة عدم الاكتراث بالاخر ، قد تكون هناك جوانب مشرقة ولكنها لا تكفي ، فالتفاعل الانساني انياً ويجب ان يكون مستديماً وسياسيونا مشغولون بالسلطة وكان عليهم ان يفكروا كيف يحكمون وكيف يعدون البرامج التي تساعد مجتمعاتنا للخروج من ازماتها) .