الرئيسية » التراث » عادات وتقاليد الكورد الفيليين في النصف الأول من القرن العشرين

عادات وتقاليد الكورد الفيليين في النصف الأول من القرن العشرين


لكل أمة عادات وتقاليد تتميز بها عن سائر الأمم الأخرى ، وهي سمات تنبثق وتتبلور من ثقافتها وتاريخها…

علاوة على كونها نتيجة طبيعية لاختلاطها بالشعوب الأخرى . وشريحه الكورد الفيليون هي جزء من الأمة الكوردية وعلى مذهب أهل البيت (ع) ويتميز أبناءها ببعض العادات والتقاليد الخاصة بهم دون غيرهم من الكورد أو العرب وأخرى مشتركة . وكما نعلم جميعاً ، فإن بغداد كانت في الجزء الاول من القرن الماضي تتميز بأجواء وطابع شعبي محلي يختلف عما هي عليها الآن . تلك الأجواء التي لا تزال تعبق لمن عاش تلك الحقبة من الزمن برائحة الدفء والطيبة والبساطة والروابط الانسانية البعيدة عن المجاملات والتلون والزيف ، حيث كان الناس يتعاملونمع بعضهم الآخر ببساطة وعفوية تبهر السامع حين يتم وصفها له من قبل رجال ونساء عاصروا تلك الفترة الزمنية ويأسفون على زوالها على الرغم من أن العصر الحاضر للاتصالات الالكترونية وفر للجميع الراحة في الكثير من الاعمال اليومية . تتنهد والدتي البالغة من العمر 75 عاماً تقريبا ، وهي تروي لي ذكريات طفولتها وأوائل شبابها في بيت والدها الذي كان حفيد أحد العوائل الكوردية التي كانت تعتبر آنذاك ميسورة الحال ، فقد سكنت في منطقة باب الشيخ في بغداد منذ أكثر من ثلاثمائة عام وما تتذكره من أحاديث أمها أو جدتها وزوجات أعمام والدها عن تلك العادات والتقاليد التي تم نسيان الكثير منها ولم يعد أكثر الكورد الفيليون يعيرونها الأهمية التي تستحقها فتقول : مع أطلالة الربيع ، كانت النساء الكورد الفيليون يبدأن بإشعال نار الحطب في التنور المشترك لكافة العوائل التي تعيش في كل البيت من تلك البيوت القديمة ويتناوبن في خبز ما يسمى باللغة الكوردية (به بك) وهي أقراص صغيرة من الخبز أشبه بالعيش اللبناني ، ويضعن في إحدها حجر كريم ازرق لرد الحسد والاصابة بالعين (كوزك) . وتقوم الأم بتوزيع هذه الاقراص بعد خبزها على كافة افراد العائلة بما فيهم الوالدين . والشخص الذي يكون الـ(به بك) من نصيبه يعتبر مصدر الرزق والخير والبركة للعائلة في ذلك العام . ويقوم رب العائلة بتقبيله على جبينه ويهديه هدية ، وكانت على الاغلب قطعة قماش جديدة أو محبس ذهبي إذا كان الشخص إحدى بنات أو نساء العائلة . ويتم التحضير لعيد نوروز الذي كان يدعونه (سال نو ، أو دورة السنة) قبل نحوعشرة أيام من حلوله ، حيث كانت الأم تقوم بتحضير الجرات الصغيرة على عدد أفراد عائلتها وتضع قليلاً من القمح في قطعة قماش من الململ الابيض وتربطها حول فتحة فم الجرة الصغيرة لكي يخضر وينمو حينما يطل العيد . وقبل ساعات من تحويل العام كانت النساء الكورد يقمن بتهيئة صينية ويضعن عليها الحب والسمسم (الذي كان قد تم نقعه ثم تنشيفه ثم قليه في قليل من الدهن ) والكشمش والملبس والجبن والجوزواللوز والخس بالاضافة الى الحنة والشمع والياس ويطلقون عليها (جوه السله) ويحنين أيديهن وشعورهن ويرتدين ملابس العيد الجديدة . وفي اليوم الثالث عشر من الشهر الاول من السنة الكوردية أي اليوم الثاني من شهر نيسان كانت النسوة يبدأن بخبز خبز العروق . وتتوجه العوائل رجالاً ونساءً الى شواطىء نهر دجلة ليرموا الجرات التي أصفر خضارها آنذاك لكي تجرفها مياه النهر وتذهب بعيداً ، حاملة معها كافة سلبيات العام الماضي . والى جانب ذلك ، يتم وضع ألواح خشبية صغيرة على سطح الماء تزينها شموع مضيئة تعبر عن الامل بالخير في العام الجديد . في فصل الربيع ، كان يتوافد على أهالي بغداد الضيوف من الاقرباء والاصدقاء القاطنين في المناطق الجبلية لكوردستان ، وبالطبع يقيمون في بيوت أقاربهم في بغداد والمدن الأخرى في وسط وجنوب العراق . وعندما يهل ضيف ما ، وفي حالة كون العائلة غنية ، كانت (أم الزوج وتسمى باللهجة الكوردية الفيلية خه زيوره) تهرول الى غرف كناتها النائمات لايقاظهن بسرعة ، ومن تبطىء بالاستيقاظ ولا تنهض على الفور ، وبالطبع ليس من كسل إنما من الارهاق الذي تشعر به نتيجة لأعمال اليوم السابق ، تجرها العمة من شعرها بالقوة وحتى يمكن أن تضربها لكي تنهض . وليس أمام مثل هذه الكنات من مفر إلا الاستيقاظ والهرولة للقيام بالأعمال اليومية الشاقة . فهذه تشعل موقد النار لتحضير الفطور والأخرى تحضر عجين الخبز والثالثة تساعد العمة في تحضير الرز للطبخ ، والذي كان عملاً ليس بالسهل بتاتاً ، فقد كن يبدأن برحي الرز في الرحى اليدوية لكي تنفصل حبوب الرز عن قشورها ، ثم يضعن الحاصل على الطبك (تيه يجه) ويبدأن بتحريكه بسرعة الى الاعلى والأسفل لكي تنفصل القشور عن حبوب الرز تماماً . يغسلن الرز ليطبخ على نار المواقد المتأججة من الحطب المشتعل فيها . وتقدم للضيوف عند الظهيرة مع تشريب اللحم أو القاورمة . كان الرجال يجلسون في المكان الخاص بهم وهو (لاي مردان) والنساء في (لاي زنان) . أما طراز البيوت البغدادية القديمة فقد كانت عبارة عن ساحة كبيرة تدعى (ناو هوش) تحيط بها غرف مؤلفة من قسمين الأمامي عبارة عن طارمة (به ريوان) والقسم الداخلي غرفة تدعى (هجرة) ليس لها نوافذ إنما فتحة في السقف تدعى (رواج) للتهوية ودخول أشعة الشمس فيها ، وكان أثاثها عبارة عن دولاب ملابس (كنتور) ذو بابين يزين أحدهما مرآة كبيرة تحفظ فيها ملابس العائلة . وسرير لرب العائلة (إذا كانت العائلة ميسرة الحال طبعاً) كما توضع في إحدى زوايا الغرفة الأسرة والوسائد والبطانيات الخاصة بالعائلة وترتب بشكل عمودي وتغطى بشرشف نظيف او ما يدعى باللهجة الكوردية الفيلية (جاجم) وتفرش أرضية الغرفة بسجادة عجمية يدوية والتي كانت في بعض الاحيان من صنع إحدى نساء العائلة . بالنسبة للطارمة (به ريوان) فقد كانت مخصصة على الأغلب كغرفة للمعيشة وتوضع فيها أدوات الطبخ وطباخ نفطي وتغطى أرضيتها في الشتاء سجادة او بساط وفي فصل الصيف حصران . والطارمة مفتوحة على ساحة الدار وليس لها باب إنما تغطى بقطعتان كبيرتان من الشادور العسكري (جادر) المربوط الى الحافة العليا من فتحة الطارمة ويتم جمعه أثناء الليل أو عند الظهيرة بحبل يمتد من السقف . بالنسبة لساحة الدار أو ما يسمى (ناو هوش) فقد كانت عبارة عن مساحة كبيرة من الارض التي كانت إما ترابية أو مغطاة بالقرميد الأصفر ( الطابوق) وذلك حسب الأمكانية المالية للعائلة . تتوسطها حديقة صغيرة تحيط بها شبكة من الأسلاك تقيها من تطفل أطفال العائلة ، وتزين وسط الحديقة شجرة كبيرة تكون عادة إما شجرة توت أو نبك (دار نبق) ، وحولها أزهار وورد مختلفة . ويوجد عند إحدى الزوايا الخارجية للحديقة حوض مرتفع تتوسطه حنفية الماء الوحيدة في الدار حيث تتناوب نساء العوائل المقيمة في هذا الدار (الذي كان عادة ملكا لرجل يسكن معه أبنائه وعوائلهم أو لأولاد عمومة يسكنون معاً في بيت موروث من جدهم يعز عليهم بيعه، لذلك يقيمون في غرفه الكثيرة بشكل جماعي) على غسل ملابس عوائلهن أو أطباق الطعام والقدور وغيرها بعد كل وجبة طعام . وبالطبع لم يكن لهذه العوائل مطابخ خاصة إنما تطبخ كل امراة من نساء الدار الأكل على طباخات نفطية يضعها أمام طارماتهن الخاصة ، كما لم تكن جميع العوائل ميسورة الحال لكي يشترون ثلاجات خشبية إنما كانت النسوة يتسوقن يومياً وبقدر احتياجات العائلة ليوم واحد فقط، وكان هذا الامر سهل لأن الأسواق قريبة من البيوت وتعج بكافة أنواع الخضروات والفواكه واللحوم وحتى الأغذية الجاهزة مثل الهبيط والكبة وغيرها . وعند الظهيرة ، كان بعض الرجال يعودون الى بيوتهم لتناول طعام الغداء وأخذ قسط من الراحة قبل العودة الى العمل مجدداً ، وتعودت نساء الأمس على تحضير صينية الغداء لأزواجهن حال وصوله ، وكان الرجال يأكلون لوحدهم وعندما يكبر أحد الأولاد الذكور يتناول مع والده أو كبار أفراد العائلة من الرجال الأمر الذي كان يعتبر فخراً له لأنه دليل على تجاوزه سن الطفولة . وبعد تناول وجبة الغذاء ينام الأب لمدة ساعة تقريباً ثم يغادر الى عمله مرة أخرى ولايرجع الا عند المساء . وخلال هذه الساعات التي يكون الرجال غائبون فيها عن المنزل تتجمع نساء الدار عند طارمة إحدى عوائله ليقضين أوقات الفراغ بالحديث أو القيام ببعض الأعمال اليدوية مثل الليفة ، التطريز ونادراً حياكة السجاد . وجرت العادة أن تتناول العائلة عشاءها في الشتاء والخريف داخل الطارمة وبعد إسدال التشادور وربطه من الداخل . أما في الصيف ، فقد كان الامر يختلف ، حيث تبدأ نساء العائلة أعمالهن الليلية قبل موعد اذان المغرب وذلك بتقطيع الرقي أو البطيخ الى قطعتين وووضعها على صينية توضع على الموضع المخصص لها من حائط السطح (التيغة) أو ما يدعى (توفه) باللهجة الكوردية بالاضافة الىملىء جرة الماء وتغطية فتحتها بقطعة من القماش الململ الابيض ليبرد . ثم يقمن بفرش أسرة النوم لرجال العائلة في جهة وللنساء في جهة قريبة منها وذلك في المكان المخصص لها من السطح القريب من جرة الماء بالعائلة . وبعدها ينصبن الكلل (جمع كلة) وهي بردة كبيرة من قماش الململ الأبيض ، يتم خياطتها على شكل المكعب الهندسي المفتوح من جهة واحدة على الحبال الخاصة بها وتوضع نهاياتها المفتوحة تحت الأسرة وكانت هذه الكلل تقيهم من لدغ الحشرات أو العيون المتطفلة للجيران . وكان أفراد العائلة الواحدة يتناولون عشاءهم على حصيرة كبيرة تفرش في ساحة الدار أمام الطارمة ، ويشربون الشاي المعد على نار الفحم في الموقد الخاص ، وبعدها يتفرقون كل حسب العمل الليلي الذي يريد تأديته وفي أغلب الأحيان يصعدون الى السطح لتناول الرقي أو البطيخ البارد . ومع مجيء فصل الخريف كان الجو يبدأ بالتغيير رويداً رويدا وتبدأ العوائل بالنزول من السطوح ويتحضرون لفصل الشتاء وذلك بشراء الفحم والخشب وخزنها في سراديب الدار . أما فصل الشتاء فقد كانت أجوائه تختلف عن صخب ونشاط الصيف ، بسبب البرد القارص والتدفئة القليلة التي كانت تعتمد على النار التي تشعلها العائلة في المنقل، وتقضي أكثر وقتها في الغرفة الداخلية لكونها أدفأ من الطارمة . تقول والدتي ، كان لفصل الشتاء على الرغم برودته جو مذاقي آخر ، حيث يكمن جماله في الدفء الذي كان يأتي به للبيوت ، فالرجال نادراً ما كانوا يغادرون منازلهم ، إنما يجتمع رجال العوائل المقيمة في الدار حول بعضهم الآخر في الغرفة المخصصة للرجال (لامردان) والنساء في لازنان حيث تروي الحكايات القديمة (متل) من قبل الرجال والنساء الأكبر سناً أو بعض الحكايات أو الأخبار الساخنة آنذاك ، وأكثر ماكان يبهر الأطفال هي الحكايات التي ترويها العجائز عن الجن والديو والطنطل وغيرها مثل قصة شاه بريان . وكان لهيب نار موقد الفحم المتأجج يزيد من حلاوة ليالي الشتاء الكئيبة عادة، سيما عندما يتم شوي المعلاك الذي كانت قيمته تبلغ خمس فلوس فقط . وتعتبر أطعمة الشتاء على الرغم من البرد القارص وصعوبة التحرك خلاله متعددة فهناك أنواع الشوربة مثل الترخينة وشوربة الماش وشوربة العدس وشوربة الطماطة وغيرها ، كذلك الأرز بالماش (ماش برنج) ، الحبيط (هبيت) ، كلة باجة ، الفطر والجمة (خارجك) الذي كان اما يغلى أو يطبخ كقاورمة بدلاً من اللحوم وتشريب الطماطة وتشريب الدجاج وقاورمة الدجاج علاوة على أنواع السمك ، وتشريب الباقلاء مع البيض المقلي بالدهن (باقله وريون) أما الرز والمرق فقد كان يتم طبخهما أيام الجمعة على الاغلب ، حيث يفرح الأولاد الصغار ويصفقون ويغنون أغنية خاصة وهي (هي هي أمشو قزه نونو ديريمن ، أي ما معناه اننا الليلة لدينا تمن والمقصود بقزه نونو الصوت الذي يصدر نتيجة لسكب الدهن الحار على الرز المطبوخ على النار) وكان الرز يؤكل إما مع المرق أو اللبن المخثر (آش وماس) أو قاورمة الجمة وبالطبع كان يتم تناول كل هذه الأطعمة مع الطرشي وأنواع الخضروات سيما الرشاد . وبعد العشاء يأتون بموقد النار وفي داخله قوري الشاي الخزفي ( فرفوري) الى الداخل الطارمة . بالنسبة للصيام فقد كانت هناك أنواع متعددة من الصيام ومنها :

– صيام زكريا (أي زكريا المعمدان) ويدعى بالكوردي (روزك زه كريا) : وكان هذا الصيام يستمر نهاراً كاملاً أي منذ أذان الفجر الى بعد أذان صلاة المغرب ، حيث يتم إعداد صينية للفطور الذي يتألف على الأغلب من دجاجة مشوية ورز وتوضع على الصينية شموع وبخور وحنة ، وملبس وكليجة وماء يأتون به من بئر مسجد الخلاني .

– صيام شاه بريان : وكان يأتي عادة بعد صوم زكريا ، ويستمر نصف نهار حيث يفطر الصائم بعد صلاة الظهر ، وتزين صينية الفطور بنفس الطريقة التي يتم فيها تزيين صينية صوم زكريا .

– صيام صوم الخرسان : وهو مثل صيام شاه بريان لكن الصائم يلتزم بالصمت المطبق ولا يتكلم أبداً الا بعد الفطور ، وعادة ما كان الصائم واكثرهم من النساء يبغون من هذا الصيام تحقيق نذر خاص .

– صوم شهر رمضان المبارك : كان الرجال والنساء يصومون الشهر الكريم بأكمله والأطفال يصومون حتى الظهيرة . وكان شهر رمضان في الصيف صعب بالطبع لقلة التبريد وطول فترة النهار ، وعليه كانت الأمهات يملئن طشت كبير بالماء البارد لكي يضع من يريد من الصائمين سيما الأطفال والصبايا أرجلهم فيه. وبعد الأفطار، يجتمع رجال الطرف(الزقاق) الواحد في أحد البيوت ليلعبوا المحيبس (زرة مشته كي) وتحضر صواني البقلاوة والزلابية لكي يتناولها الجميع بعد أنتهاء اللعبة وتعيين الفائز . لكن الأطفال كانوا يتحركون على شكل مجاميع يحملون الفوانيس ويدقون الأبواب في الطرف ويغنون (الماجينة) لكي يجمعوا مالذ وطاب من مؤكولات الشهر الكريم أو النقود . والنساء يتجمعن في بيت ما ليتبادلن الحديث أو قراءة القرآن من قبل الفتيات اللواتي كن قد درسن القرآن الكريم عند الملا .

وقبل أسبوع تقريباً من بدء عيد الفطر ، كان رب العائلة يأخذ أولاده وبناته الى السوق لكي يشتري للبنات ملابس جاهزة او أقمشة تخيطها خياطة من خياطات المنطقة ، وكانت للخياطات منزلة خاصة ، حيث لابد من تعلم هذه المهنة منذ الصغر وهو أمر كان يكلف عوائلهن مبلغاً كبيرأً من المال . كما كان الأب يشتري لأبنائه من الذكور سراويل وقمصان . وفي يوم قبل أحتمال بدء العيد كانت الفتيات الصديقات يتوجهن الى حمام (سرجول) في منطقة باب الشيخ ، حاملات صرة ملابسهن (بقجة) ، وهي تحوي ثلاث قطع من المناشف (بشكير) ذات أحجام متفاوتة فواحدة للرأس وأخرى للكتف وثالثة كبيرة للجسم بأكمله . وعند دخول الشابات الى الحمام ، كن ينزعن ملابسهن ويغطين أجسامهن بقطعة قماش خاصة بالحمام تدعى (بشتمال) ، لكن الفتيات الأصغر سناً فيبقين بالملابس الداخلية (اتك) . ويقضين النهار الى العصر في الحمام ، حيث تليف الواحدة منهن الأخرى ، ويحنين شعورهن ، ويتناولن وجبة الغذاء في الحمام والتي كانت تتألف من الكباب المقلي بالدهن (كفتة) والرشاد والطرشي والبرتقال . وعندما ينهين حمامهن يعدن الى بيوتهن ، وقلما تتمكن إحداهن من النوم في ليلة العيد ، حيث كن ينتظرن بفارغ الصبر الساعة التي يلبسن فيها ملابس العيد الجديدة . كانت النساء والأطفال مقيدون فيما يتعلق بالأماكن التي يزورونها لقضاء نزهة العيد . فالفتيات وعلى الأغلب ترافقهن أمرأة أكبر سناً يتوجهن الى منطقة في باب الشيخ تدعى(سرجول)، التي كانت مليئة بالمراجيح (هرزان) ودولاب الهوا ، يتنزهن حتى المساء ويتناولن وجبة الغذاء هناك ، فقد كان الباعة يبيعون على العربات العمبة والصمون ، أو يشترون الكباب والطرشي الذي كان يبيعه شخص يدعى أبو علي يوقف عربته قرب حمام السيد (درب الكبي) المجاور لمستشفى الهانة. وبعد تناول الغذاء يركبن العربة التي يسحبها الخيول لكي يدوروا حول بغداد وهن يغنين أغاني عراقية مثل (حيران أنا حيران ، يعيسى تدري والكلب مالوم) . أو كوردية مثل :



جيومة أره سرجول بري أفندي

كاميان براكم ، يارو سبتي

سري بتيه ريحة أتي نية

ريحة ساقكة لبيري جيوه .

وهي تعني (ذهبت الى سرجول كانت مليئة بالافندية ، سألوني أي منهم أخي ، قلت المكشوف الرأس ، رأسه مكشوف خالي من العطر ، فقد عطره الغالي في البيت) .



هركه بكري مين ومنامان

بسوزي لزير دين وكنامان

(من يريد أن يلومنا ، فليحترق بآثامنا وأخطائنا) .

سماور تلا زغال بكه أتي

براكت شكته بياله جاي به بي

(أملأي السماور الذهبي بالفحم ، فأخوك تعبان أعطيه أستكان شاي)

وكما نلاحظ من الأبيات الفلكلورية الكوردية الفيلية القديمة أن الأخ كانت ولا تزال له منزلة كبيرة لدى البنت الكوردية لاتقل عن منزلة الأب لديها .

وعند الغروب تعود الفتيات الى البيت وينمن باكراً لكثرة البهجة والتعب الذي كان كن قد شعرن به . في اليوم الثاني للعيد ، كانت نساء العائلة والجيران من الكبيرات في السن والمتزوجات والفتيات يتوجهن الى منطقة الكاظمية لزيارة مرقد الامام موسى الكاظم عليه السلام . وفي بعض الأحيان بعد صلاة الفجر . وكان مسيرهن يبدأ من باب الشيخ ، ويقطعن سوق الشورجة الى ما بعد جسر الحديد أي العطيفية (المنطكة) مشياً على الأقدام ثم يركبن عربات خاصة تقودها الخيول الى الكاظمية وفي أحيان أخرى يركبن مثل هذه العربات من منطقة الجعيفر . وبعد أداء الزيارة وصلاة الظهر يشترين الكباب مع الطرشي والرشاد ويجلسن لتناول وجبة الغذاء في بساتين المنطقة ويبقين هناك الى العصر حيث يعدن الى المنزل حاملات معهن انواع الخضر التي تزرع هناك مثل (تولية) والاسفناج والسلق والخس والرشاد والكراد والكرفس والريحان . وكانت بعض العوائل الكوردية الفيلية تقضي فترة العيد في النجف الاشرف، خاصة عندما كان قد توفي أحد أفرادها في تلك السنة حيث يتوجهون الى النجف الأشرف قبل فترة لتقل عن عشرة أيام من العيد حيث يقضون أيام العيد في زيارة مرقد الامام علي بن أبي طالب (ع) السلام وزيارة أهل القبور . وتقول والدتي أن التوجه الى تلك المدينة آنذاك كان عملً شاقاً حيث كانت المسافة طويلة والسيارات قليلة وبطيئة الحركة فلذلك كانت العائلة تتواجد في النجف الأشرف لفترة لا تقل عن الشهر أحياناً .
الأربعاء, 13 أكتوبر 2010