الرئيسية » المرأة والأسرة » المراة العراقية تحت الاختبار السياسي

المراة العراقية تحت الاختبار السياسي

انتهت الانتخابات العراقية بحملاتها الدعائية الكبيرة وبقوائمها التي تجاوزت المئات وبمرشحيها الذين تجاوزوا الستة الاف مرشح ومرشحة واعلنت النتائج عن فوز 325 نائبا بينهم 82 امراة بالمقاعد النيابية للدورة الجديدة والتي شملت مكونات الشعب بكل تلاوينه .

واذ نبارك جميع النواب الجدد فوزهم المبارك هذا , وخاصة النساء منهم ونهنئهن فوزهن الساحق الذي اثار اهتمام المراقبين ووسائل الاعلام , والذي ان دل على شيء فانما يدل على ان المجتمع بات منفتحا اكثر نحو احترام المراة والاعتراف بحقوقها , وانه بات للمراة قيمة في المجتمع بعد ان عانت لعقود طويلة من تعسف المجتمع ورجالاته .

فقد اضحت مشاركة المراة في عملية صنع القرار في البلد قضية ملحة على الساحة السياسية لما له من اهمية على طريق المساواة وتحرير المراة من القيود الاجتماعية .

فالى وقت قريب كان عمل المراة في المجال السياسي في العراق يعد من الامور المستحيلة بل من المحرمات , رغم النص عليه دستوريا وقانونيا .الا ان هذا الحق بقي مقيدا من الناحية الاجتماعية , بسبب منظومة العادات والتقاليد الاجتماعية العشائرية , و سيطرة المفاهيم الدينية على جميع مناحي الحياة العامة وتقيدها بالشرائع الدينية التي تمنع المراة من التفاعل في الحياة العامة , والتي لاتجد مبررا لعملها خارج المنزل , حتى جعلت المراة تعيش ابدا دوامة التبعية وتعاني تخلف المجتمع وتراجعه الى الوراء وعدم الثقة بها , ورغم ان العراق كان قد

سبق دول الجوار العربية في تعيين اول وزيرة وهي نزيهة الدليمي للتعليم العالي في النصف الاول من ستينيات القرن الماضي , كما شهد العراق رائدات سبقن غيرهن من الدول في مختلف مناحي الشؤون الثقافية والوظائف العامة , واثبتت المراة قدرتها على ادارة المؤسات والوزارات والمنشآت العامة , وان الكثير من الاناث تفوقن على الذكور في الدراسات الجامعية العليا وحصلن على الشهادات .

مما دفع بالمراة الى النضال ضمن حركات المجتمع المدني والمنظمات النسوية للمطالبة بحقوقها الطبيعية , بعضها تحقق , لكن لم يتحقق اهم حقوقها , وهو الحق في احترامها , واحترام استقلاليتها وشخصيتها , وحقها في المساواة وتكافؤ الفرص , وحقها في ضمان حريتها , وحقوقها المدنية الاخرى وبالاخص الاسرية منها , لما لهذه الحقوق من اثار على وضعها الاسري والمجتمعي , لان الاسرة هي النواة الاولى للمجتمع وكلما كان للمراة دور واهمية في اسرتها وبحماية قانونية فان ذلك سينعكس بدوره على وضعها العائلي والمجتمعي .

الا ان العمل السياسي للمراة لم يتبلور الا في ثمانينات القرن المنصرم الذي شهد دخول نائبات عراقيات في اول دورة للمجلس الوطني ( البرلمان ) , وان كان اغلبهن قد تم صعودهن الى البرلمان عن طريق التعيين او عن طريق ترشيح ودعم المنظمات الحزبية والسياسية , حيث يكون اختيار المراة فيها على اساس انتمائها وولائها الحزبي او السياسي للجهة التي تنتمي اليها والتي رشحتها على هذا الاساس , وهذا ادى بالتالي الى ادخال نساء باستحقاق وبدون استحقاق الى المعترك السياسي .

الا انه بعد سقوط النظام السابق وحرب التحرير الذي شهد صعود التيارت الدينية الى الحكم

فقد اتسعت مساحات الجدل السياسي حول مشاركة المراة في العملية السياسية فالبعض يرى ان الانتخابات ما هو الا حدثا دوريا ليس الا , وان دور المراة لايزيد عن كونه رقما مكملا لعدد الرجال بالنظر الى قلة الفرص الحقيقية المتاحة للمراة للمنافسة مع الرجل في الانتخابات العامة دون الاعتماد على الكوتا النسائية , هذا عدا عن حالات الترشيح من جانب الاحزاب والمنظمات للنساء ضمن قوائمها , وهي استجابة شكلية وقانونية لتحقيق نسبة التمثيل الدستورية بما لايقل عن الربع , الذي خصص للنساء من اجل تفعيل دور المراة البرلمانية في العمل السياسي وصنع القرار , وهي بحق نسبة جيدة مقارنة بالعديد من الدول , رغم ان مجتمعنا محافظا ولايزال يتاثر بالروابط العشائرية والقبلية ,

لكن ليس المهم العدد , المهم النوعية , فبلدان الدول الديمقراطية المتقدمة فان نسبة التمثيل فيها قد لايتجاوز الربع , الا ان دور المراة فعال ومؤثر , فمثلا نسبة التمثيل في مجلس العموم البريطاني لايتجاوز ال10% وفي الجمعية الوطنية الفرنسية لايتجاوز ال 5% وفي البرلمان الاوربي لايتجاوز ال20% , لكن دور المرة فيها مؤثر وواضح بشكل فعال في صنع القرارات .

فالكوتا تحقق النتائج وتحقق نسبة تواجد نسوي في الهيئة التشريعية لكنها تقفز فوق عوائق حقيقية تمنع من مشاركة المراة الفاعل , وتجعل منها مجرد رقم لا تعبر صراحة عن رايها , لان المرشحة ضمن القائمة الحزبية او السياسية عليها ان تتبنى اجندات الجهة التي رشحتها وساندتها في تمويل ودعم حملتها الانتخابية .

فالمراة المستقلة لا يمكنها لوحدها ان تخوض الانتخابات العامة , فلابد من وجود جهة او مؤسسة او حزب سياسي يدعم ترشيحها , لان الترشح يحتاج الى تمويل ضخم واموالا طائلة لتغطة كلفة الانتخابات التي تصل الى ملايين الدنانير ,لهذا فان المرشحة ضمن قائمة حزبية او سياسية لاتواجه أي صعوبات في تمويل ودعم حملتها الانتخابية على اعتبار ان الحزب هو من يتولى موضوع التمويل .

لذلك فالتمويل يعد العائق الاساسي الذي يقف امام المرشح المستقل وخاصة ان كانت امراة لخوض المعركة الانتخابية , لذلك فان دور المراة هو شاق في المشاركة السياسية بحسب مقتضيات الوضع الاجتماعي العام , ولهذا فرض الكوتا النسائية واقحمها داخل القوائم الحزبية القوية الانتخابية , وبالتالي مصادرة صوتها وتجييره لصالح قائمتها المرشحة لها .

فالحرية السياسية مرتبطة بدرجة تطور المجتمع ثقافيا وفكريا وحضاريا , فكلما انتشر الوعي بين نسائه وزادت فرص التعليم فيها , كلما زادت المطالبة بالحقوق العامة بما فيها الحقوق السياسية , اما اذا كانت الامية منتشرة في المجتمع فلا يمكن ان تمنح المراة حقوقا بنفس مستوى حقوق الدول المتقدمة والديمقراطية الاخرى ,

لذلك كانت الحقوق السياسية هي اخر ما كانت تفكر فيه المراة العراقية سابقا , اما الان فقد اصبحت هذه الحقوق من اهم ما تطالب به المراة , الا ان منحها هذه الحقوق لايعني انها حصلت على كافة حقوقها الاجتماعية والمدنية الاخرى , فالمجتمع لازال عشائريا , والدولة تحكمها التيارات ذات الاتجاه الديني , في حين ان تثبيت الحقوق الطبيعية للمراة تحتاج الى احزاب علمانية ليبرالية ديمقراطية حقيقية فاعلة لمساندة المراة ودعم حقوقها , والى حكومة علمانية برلمانية قوية تؤمن بحرية المراة , وهنا تكمن الاهمية القصوى للعمل البرلماني الذي هو جزء من العملية السياسية ضمن عمل مؤسسات الدولة الديمقراطية , ولايمكن تصور ديمقراطية دون مؤسسات نيابية يجري فيها انتخاب نواب من خلال التصويت السري المباشر للمواطنين , وان عمل البرلمان هو عمل تشريعي رقابي , ويجري تقييم الاداء البرلماني من خلال هاتين الفقرتين , ماذا جرى تشريعه من قوانين وكيف جرت مراقبة مؤسسات الدولة التنفيذية , ومن خلال النتائج يتم تقييم البرلمان , فيما اذا كان عاجزا عن اصدار تشريعات جذرية اجتماعية .
حيث تشير المعطيات في ضوء التجربة السابقة الى ان عدد البرلمانيات قارب ال 70 برلمانية , لكن قليلات هن الناشطات والفاعلات اللواتي لديهن حضور , وهذا باعتراف عدد من النائبات انفسهن , من ان وجودهن في البرلمان وتمثيلهن هو اسمي وغير فعال , واغلبهن لايملكن الشجاعة الادبية الكافية ولاحتى ثقافة قانونية او حتى سياسية , في حين ان البرلمانية يجب ان تتسم بالجرأة والشجاعة وقوة الشخصية والنضوج السياسي والقدرة على الايفاء بتنفيذ البرامج الانتخابية ومتابعة قضايا المراة واحتياجاتها والعمل على سن القوانين التي هي لصالح المراة , ومن بين عدة لجان التي شكلت في البرلمان لم تحصل سوى لجنة واحدة على رئاسة المراة وهي لجنة المراة والطفل , وهذا تحصيل حاصل كون هذه اللجنة مختصة بامور المراة وشؤونها , بينما فشلت في الحصول على رئاسة اللجان البرلمانية الاخرى , ما يعني عجزها عن فرض قيادتها للحصول على مواقع سياسية ضمن قوائمها الانتخابية , لكنها هذه المرة تختلف عن سابقاتها فقد تميزت الانتخابات النيابية العامة بالمشاركة الواسعة للمراة العراقية من حيث كونها ناخبة او مرشحة , ومن حيث كونها المرة الاولى التي تجري وفق نظام القائمة المفتوحة , والتي تمثل نقلة نوعية للعملية الديمقراطية وقفزة كبرى على مستوى الحقوق السياسية والمدنية للمراة , مما سوف تعيد معه رسم الخارطة السياسية , وستغير الكثير من الامور جذريا , خاصة وان الانتخابات افرزت مجموعة من النساء الكفوءات التكنوقراطيات والعلمانيات الى قبة البرلمان , والتي اوصلتهن الى البرلمان باصوات وبارادة الناخبين , وهذه مسؤولية سيجعل من البرلمانية امام امتحان لاثبات وطنيتها واخلاصها وايفائها بوعودها التي قطعتها في حملاتها والابتعاد عن المنافع الشخصية والفئوية الضيقة .

فقد ضم البرلمان هذه الدورة عددا من الكوادر النسائية القيادية الناشطة وكفاءات مؤهلة يحق لنا نحن النساء ان نفتخر بوجودها في المجلس التشريعي , واخص بالذكر الصديقة الدكتورة ازهار الشيخلي وزيرة المراة سابقا والتي تحمل شهادة الدكتوراه في القانون , والسيدة باسمة بطرس الوزيرة السابقة والتي تحمل شهادة الماجستير, والعزيزة الناشطة اليزيدية فيان دخيل التي تحمل ايضا شهادة الماجستير , والناشطة اليزيدية امينة سعيد , اضافة الى نائبات سابقات ناشطات مشهود لهن بقوة الشخصية والقدرة على حمل الهم النسائي , منهن السيدة ميسون الدملوجي والسيدة صفية السهيل , وغيرهن , ممن لهن نشاطات في مجال الدفاع عن حرية وحقوق المراة السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية .

فمن غير المراة يمكن ان يفهم معاناة المراة في مجال الاسرة وقضايا الاحوال الشخصية وحقها في المناصب العامة , حيث تتلخص مطالب المراة بالحماية القانونية التي هي اهم مطالب المراة واهم حقوقها , واصدار تشريعات مدنية علمانية بعيدا عن امور الدين التي يجب ان تنفصل عن امور الحياة العامة بما فيها الشؤون السياسية , فهناك فرق بين الدين كمنظومة ومبادىء روحية ومجموعة قوانين لاتقبل التغيير والتي تتحكم في شؤون الحياة , وبين القوانين الوضعية التي هي من صنع البشر والتي تتجدد وتتغير بحسب متطلبات الحياة المتغيرة باستمرار .

وبالرغم من الاهمية القصوى لاحداث تغيير في اوضاع المراة عبر بوابة التشريع وسن القوانين المدنية الا ان ذلك لن يكون كافيا مالم يقترن بتغيير جدي في منظومة الوعي والعلاقات الاجتماعية داخل مجتمعنا .

وكي لانستبق الاحداث ونتفائل ابعد ما مطلوب فاننا نتطلع الى اداء البرلمانيات في المرحلة القادمة والاهتمام بقضايا المراة الاهم الذي هو حريتها ومساواتها مدعوما بالتشريعات والقوانين ,

وان تشكل لجان للدفاع عن النساء ضحايا العنف والتمييز واعادة تاهيلهن في المجتمع , والدفاع عن حقوق النساء الكفوءات ضحايا الاقصاء والتهميش بسبب انتمائهن الجنسي او الديني وتوفير الحماية للمراة , والعمل على الغاء او تعديل المادة 41 من الدستور التي جاءت لتلغي قانون الاحوال الشخصية ووضع قانون ديني بديلا عنه الذي سيزيد من التفاوت والتمايز الديني , وجعل العراقيون احرارا بالالتزام بالاحوال الشخصية بحسب ديانتهم “على ان تلتزم الدولة تاكيد وضمان وحدة القانون والمحاكم العراقية “.

والعمل على الغاء الاعذار والظروف القانونية المخففة في جرائم ” القتل غسلا للعار” وتشديد العقوبات بشانها , والغاء ” فقرة تاديب الزوجة بالضرب ” من القوانين العقابية لانها مهينة لكرامة المراة

وكذلك اعادة النظرفي باب المبادىء الاساسية من الدستور التي جعلت من الدين الاسلامي دين الدولة الرسمي , وهو كذلك في معظم الدول العربية , وهذه لاباس به طالما ان غالبية السكان العراق هم من الاسلام وطالما ان المشاعر الدينية هي الطاغية على الشارع العراقي , الا ان المقطع التالي الذي يجعل من ” الاسلام مصدرا اساسيا للتشريع ” , فهذا هو الذي يثير المخاوف والقلق , لان العراق مكون من عدة اديان ومذاهب مختلفة , لايمكن حصرها جميعا تحت باب التشريعات الاسلامية فقط , اما الفقرة التي تقول ” بانه لايجوز سن قانون يتعارض وثوابت احكام الاسلام ” فهذه العبارة تنسف كل حقوق المراة والحريات العامة الواردة في الدستور .

فلانزال نتذكر في انتخابات مجالس المحافظات كيف اصدر مجلس محافظة واسط قرارا غريبا يقضي بتعيين محرم لجميع عضوات المجلس من النساء , كي يضمن شرعية حضورهن الاجتماعات ومشاركتهن اعمال المجلس , لذلك وحتى لايتكرر هذا المشهد ولتلافي الوقوع في اخطاء المرحلة السابقة والاستفادة من التجربة السابقة , على البرلمانيات الاهتمام الجدي بقضايا المراة وحقوقها خاصة من ناحية التشريعات القانونية والاخذ بيد المراة والسير بها نحو التحرر الاجتماعي بخطوات تدريجية لتنال كامل حقوقها وحريتها ومساواتها , بصرف النظر عن الضجات المفتعلة .

لان الاصوات التي تنادي بتحرير المراة تصطدم دوما بمقاومة ضارية مستميتة من جانب الفئات الاستغلالية الرجعية من المتمسكين بالعادات والمثل البالية , فلا زال هناك كما هائلا من التخلف في صفوف المراة , ولاتزال الارقام كبيرة في مجال الامية والبطالة , وبقيت الاعراف والتقاليد الاجتماعية من زواج الاكراه والطلاق التعسفي واجبار البنت على ترك الدراسة بعد المرحلة الابتدائية والزواج المبكر , كل هذه التراكمات تجعل من مهمة البرلمانية مهمة عسيرة وصعبة امام تلك التحديات

فالمهم هو اعطاء الفرصة للمراة البرلمانية لاثبات جدارتها وتقييم كفائتها وادائها , لان المراة احرص من الرجل في عملها واكثر نزاهة .

اذن فان تثبيت حقوق المراة في الدستور بحاجة الى قوة جراة من البرلمانيات في طرح ومناقشة هذه القضايا والدفاع عنها , كما هي تحتاج الى حكومة علمانية قوية تؤمن بالحريات العامة للانسان , لان المرحلة المقبلة لاتقبل الاخطاء , وبحاجة الى برلمان قوي رصين فاعل يتحمل مسؤولية وضع تشريعات ديمقراطية , وعلى الحكومة التي ستشكل ان تخطو خطوات ايجابية ملموسة للمرحلة الجديدة من ناحية توفير الخدمات والاهتمام بالصحة والتربية والتعليم العالي وتوفير فرص العمل والتعيين والحد من ظاهرة الهجرة والقضاء على البطالة , وهذا يتطلب مسؤولية مضاعفة من البرلمان والحكومة على السواء .