الرئيسية » مقالات » العراق بين تداول السلطة وهوس السلطة

العراق بين تداول السلطة وهوس السلطة

الدستور تعاقد بين افراد المجتمع قبل ان يصبح وعيا وممارسة ومؤسسات ومدونات لهم، لكن، ليس كل نص دستوري يمكن ان يتحول، آليا، الى ثقافة عامة، او الى نوع من التعاقد بين المكونات الاجتماعية، أخذا بالاعتبار الحقيقة التاريخية الاتية: بعض النصوص الدستورية(الخاصة بالعدالة مثلا) دخلت، في مجتمعات كثيرة الى فضاء التطبيق عبر انهار من الدم، والفجائع، والحروب، إذ اصطدمت بمصالح قوى اجتماعية مهيمنة واستبدادية، او قوى محافظة تخشى القيم الجديدة وتناهض اي تحديث لقواعد ادارة المجتمع.
هكذا كان منذ الازل. ومع تشكيل وتطور الدول مرت النصوص الدستورية في سلسلة مديدة من التغييرات والاضافات والتطورات والصراعات الشرسة، حتى غدت ما غدت اليه في عصرنا، كمنظومة من الحقوق والواجبات والالتزامات والتحديدات الضرورية لهيئات الدولة والمجتمع.
واحسب ان فكرة وثقافة وقيم ونصوص التداول السلمي للسلطة، كاحد اركان الدستور الاساسية، حديثة على المجتمع العراقي، وعلى طبقته السياسية، بل انها بدت في مراحل كثيرة (حكم الانقلابات والثورات) كفكرة او دعوة تآمرية، ولم تقترب، من قريب او بعيد، من الدساتير (او الدساتير المؤقتة) باستثناء الاشارة اليها، كمطالب او تعهدات، في برامج الجماعات المعارضة لحكم صدام حسين في العقود الاخيرة من القرن الماضي.
وفي دستور العراق الاتحادي جاء في المادة السادسة منه: “يتم تداول السلطة سلميا عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور” لكن هذا لم يكن سوى مدونة على الورق صوتت عليها الملايين وقبلت بها الزعامات والطبقة السياسية الجديدة، ولم تجد تعبيرها المبكر إلا في اشكال نظرية وسياسية، او لامفر منها (مجلس الحكم) فيما تعرضت، خلال التطبيق، الى تحديات من مصدرين، الاول، من الصراع (وقل: من الهوس) الشرس للاستفراد بالسلطة واقصاء وتهميش المنافسين، وثانيا، من ظاهرة احتكار الزعامة في داخل الفئات السياسية، وحالات التزاحم غير الديمقراطية على مشيئة وارادة هذه الفئات، واحيانا الاقتتال عند خط الهيمنة على الرقم الاول فيها.
وفي اكثر من منعطف من منعطفات السنوات السبع الماضية، برز الخلل في استيعاب مفهوم والتزامات التداول السلمي للسلطة، وغاب الاستعداد الفعلي لترجمة النص الدستوري ذي الصلة بشفافية انتقال السلطة بين الافراد او الجماعات، وعمت الفوضى في مطبخ الخيارات والتحالفات والزعامات والمحاصصات، وظهر جليا للعيان (كما هو في تجارب كثيرة) بان التداول السلمي للسلطة على الورق وفي الخطاب الاعلامي والسياسي غير ما هو في الممارسة.. ونحن الآن في فصل خطير من من تلك الممارسة.

البديل عن التداول السلمي للسلطة، سلطة ابدية، ونقيض السلطة المتداولة عبر الانتخابات الحرة سلطة محتكرة غير منتخبة، وفي كل الاحوال ليس ثمة ما يدمر بلادا تمر في حالة الانتقال من هوس السلطة.

في العراق ثقافة هشة حيال فكرة ان القابض، اليوم، على الحكم قد يصبح غدا خارجه، لكن ثمة ثقافة عميقة تكرست طوال عقود وعقود بان حاكم اليوم لن يترك منصبه لغيره (حتى وإن كان من ضرعه) بسهولة، هذا بصرف النظر عن طبيعة ذلك الحكم والاشخاص الذين يتصارعون للقبض عليه.

في حال الحكم الاستبدادي، لا مستقبل(ولا كرامة طبعا) للحاكم حين يكون خارج السلطة، فاما الى القتل على يد طامعين بمنصبه، او الى الهرب باسلاب متاحة الى “جحر” في مكان ما، او الى المزبلة. هل نحن بحاجة الى استعادة مصائر الديكتاتوريين؟ ام حاجتنا ماسة للتذكير بافضليات التداول السلمي للسلطة بالنسبة للبلاد التي تتطلع الى السلام الاهلي والحياة الآمنة، وحتى بالنسبة للحكام الذين تهمهم كراماتهم؟.

الانتخابات الاخيرة، بصرف النظر عن الطعون الكثيرة في نتائجها وفي آليات اجرائها، طرحت الى السطح(وللاختبار) خيار والتزامات التداول السلمي للسلطة اكثر من اية انتخابات سابقة، ليس فقط بسبب التقارب في حجوم الفائزين وعدم ظهور قوة حاسمة تقرر شكل سلطة السنوات الاربع المقبلة، بل، وبسبب آخر يتصل بانفلات هوس السلطة لدى الزعامات السياسية، من جهة، والتشوه في النظر الى السلطة كونها منصب رئيس الوزراء حصرا، فيما هي اوسع من ذلك، من جهة اخرى، وقد تبدو اخطر من ذلك اذا ما عدنا الى تجربة السنوات السبع الماضية حيث تعايشت وتصارعت سلطات وجيوش كثيرة على ارض الواقع، ولا يزال ظلال ذلك على الارض.

من الضروري، هنا، الاستدراك للتأكيد على ثلاثة حقائق (الاولى) ان العراق يعيش في بيئة اقليمية محكومة بسلطات ابدية استبدادية من المرجعية الواحدة والحزب الواحد والعائلة الواحدة والفرد الواحد، والحقيقة (الثانية) نرصدها في جملة التاثيرات التي تركتها وتتركها هذه البيئة، ونظم دول مجاورة، على الصراعات السياسية الجارية بين الخيارات والارادات العراقية، جمهورا ونخبا، و(الثالثة)ان دول المنطقة، الاستبدادية بخاصة، تنظر بعدم الارتياح الى تطبيقات التداول السلمي للسلطة في عراق ما بعد صدام حسين، وتمارس اشكالا عديدة من التدخل والتاثير للحيلولة دون نجاح التجربة الجديدة (الديمقراطية) للحكم الجديد، عدا عن محاولات تبشيع صورة هذه التجربة.

بكلمة: هوس السلطة غبار محلي، فضلا عن انه يهب عبر الحدود ايضا.. تلك هي المشكلة.

ــــــــــــــ
كلام مفيد:

“للنهر عقاب واحد لا يمارسه دائما، هو اغراق الذين يدخلونه قبل ان يتعلموا السباحة”.

حكمة برازيلية