الرئيسية » مقالات » أينَ الخطأ ؟

أينَ الخطأ ؟

عَلَت أصواتٌ بعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للنتائج الأولية للإنتخابات تدّعي أنّ تلاعباً وقع في فرز الأصوات ، وسُيّرت مظاهراتٌ من قبل بعض الكتل السياسية التي رأت النتائج المعلنة على غيرما توقعتها ، وتمّ توجيه الإتهام إلى المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات وأسلوبها في فرز الأصوات وإعتمادها الفرز الآلي ، ولذلك قامت القيامة الداعية لفرز الأصوات يدوياً .
عرضُ الموضوع بالصورة أعلاه من قبل الكتل والتيارات السياسية هو عرضٌ مسطحٌ لا يدخل في جوهر موضوع التزوير الذي طال العملية الإنتخابية وكانت نتيجتها تنفيذ لعبة سياسية ذكيّة ترقى إلى مستوى التآمر على الشعب وتزوير إرادته وحرفها عن مقاصدها ’ الإرادة التي تبلورت عن تجربة السنوات السبع العجاف الماضية . أنا لست بصدد تبرئة المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات ، الأداة العملية التي أشرفت على تطبيق بنود قانون الإنتخابات ، القانون الذي تم التصويت عليه وإقراره من قبل كافة الكتل السياسية في موقع القرار في مجلس النواب أو الرئاسة من ضمنها الكتل المتباكية الآن والمعترضة على النتائج التي أفرزتها إجراءات المفوضية .
لقد نفذت المؤامرة لتزوير إرادة الشعب بالتواطؤ الذي حصل لإصدار قانون الإنتخابات وإعتماد مبدأ الدوائر الإنتخابية حسب المحافظات وتفاصيل التعامل مع أصوات العراقيين في الخارج وكذا الأقليات وتقرير مصير الأصوات الفائضة وجعلها مقاعد تعويضية للقوائم الكبيرة . ثم أكَمِلت المؤامرة بتحديد المقاعد المخصصة لكل محافظة بأسلوب لا يرتبط بالمنطق السليم بشيء . إقرارُ القانون بهذه الصورة قد كرّس قانون الغابة ( القوي يأكل الضعيف ) أو ( السمك الكبير يأكل السمك الصغير ) . لقد إعتمد قانون الإنتخابات مبدأ التمييز بين المواطنين على عكس مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة .
دراسة إحصائية بسيطة تكشف مدى لا مسؤولية الكتل السياسية التي تواطأت وإتفقت على إصدار القانون بهذه الصورة وإستهانتها بحقوق الشعب من أجل مصالحها الضيقة الذاتية وصراعها المستميت لإعتلاء السلطة بأي ثمن .

1. كان عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم 11526412 فرداً وكان عليهم أن ينتخبوا 325 نائباً يمثلونهم في مجلس النواب ، فمن المنطق العقلاني أن النائب الواحد يمثل 35465 فرداً من أبناء الشعب ؛ وهو ما يسمى بالقاسم الإنتخابي إذا أحتسب على أساس عموم العراق ، بعكس ما جرى حيث تمّ إحتساب القاسم الإنتخابي لكل محافظة بصورة مستقلة بتقسيم عدد الناخبين الذين حضروا الإنتخابات وأدلوا بأصواتهم على عدد المقاعد ” المخصصة ” لكل محافظة فبهذا قد إختلّ تناسب قوة صوت الناخب في محافظة عن ناخب آخر في محافظة أخرى . ولتقريب الصورة إلى الذهن فإن عدد المقاعد المخصصة لمحافظة المثنى كان سبع مقاعد ولو كان قد حضر يوم الإنتخابات فقط سبعة ناخبين لكان القاسم الإنتخابي ( واحد ) ولتمكن أولئك السبعة من إنتخاب سبعة نواب بينما في محافظة صلاح الدين التي خصص لها 12 مقعدا ، فلوا كان قد حضر مليون ناخب لما تمكنوا أن ينتخبوا غير 12 نائباً .
2. نال نوري المالكي على عضوية مجلس النواب نتيجة حصوله على 622961 صوتاً وبذا يكون له صوت واحد في المجلس عند التصويت على أي قرار ، وكذا الحال بالنسبة إلى أياد علاوي الذي حصل على 407537 صوتاً وطارق الهاشمي 200963 ، بينما فازآخرون بنفس العضوية ولهم صوتٌ موازٍ لأولئك بالرغم من فشلهم وعدم تمكنهم من الحصول على عدد متناسب من أصوات التاخبين ومثال ذلك حصول ميسون سالم الدملوجي على عضوية المجلس رغم أنها حصلت على 650 صوتاً فقط ، بينما فقد آخرون حقهم في الفوز لمجرّد عدم حصولهم على أصوات تعادل القاسم الإنتخابي في محافظاتهم فمثلاً قد يكون أحد المرشحين في محافظة السليمانية قد حصل على 49036 صوتاً ( أي أقل من القاسم الإنتخابي للمحافظة بصوت واحد ) فإنه يحرم من العضوية . وبهذا يستطيع المواطن أن يعي مدى إبتعاد النصوص التشريعية للقانون عن تحقيق العدالة الإنتخابية وإرادة الناخب .
3. كان أعلى قاسم إنتخابي 49037 في محافظة السليمانية ، أي أنه يتطلب هذا العدد من الأصوات لفوز نائب واحد بينما القاسم الإنتخابي الأدنى كان في محافظة ميسان بمقدار 27282 صوتاً ، أي أن 27282 مواطناً في ميسان ( وهي محافظة من محافظات العراق كما هي السليمانية ) يستطيعون أن يجعلوا أحد المواطنين نائباً في مجلس النواب بينما يتطلب أصوات 49037 مواطناً في السليمانية لتحقيق ذلك . أليس واضحاً بأن المواطن في السليمانية يساوي 56% من مواطن آخر يعيش في ميسان ؟
4. لقد تم تخصيص عدد المقاعد لمحافظات كردستان وبعض المحافظات الأخرى عن قصد حتى يكون عدد الفائزين بعضوية مجلس النواب محدوداً . إن القاسم الإنتخابي لمحافظات السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك وصلاح الدين هي 49037 و48600 و 42472 و46365 و 40739 على التوالي ، بينما القواسم الإنتخابية للمحافظات الأخرى هي دون هذه الأرقام وحتى أن محافظة ميسان فإنّ القاسم الإنتخابي فيها هو 27282 كما ذكرت أعلاه .
5. حصلت القائمة العراقية على 20 مقعداً في محافظة نينوى مقابل 593936 صوتا وحصلت على 11 مقعداً في محافظة الأنبار مقابل 294420 صوتاً ، بينما لو أعتمِد القاسم الإنتخابي لعموم العراق ( كما في الفقرة 1 أعلاه ) لكان إستحقاق القائمة 17 مقعداً في نينوى و8 مقاعد في الأنبار.
6. حصلت قائمة دولة القانون في البصرة على 14 مقعداً بدل 12 مقابل 431217 صوتاً .
7. حصلت قائمة الإئتلاف الوطني على 9 مقاعد بدل 7 مقابل 244818 صوتاً في محافظة ذي قار.
8. بدراسة النتائج المعلنة يتبين بوضوح أن القوائم الثلاثة الكبيرة أعلاه قد حصلت كل واحدة بعدد متساوٍ من المقاعد ( 12 مقعد ) إضافة على إستحقاقها ، فبالرجوع إلى عدد الأصوات التي حصلت عليها كل قائمة نرى أن القائمة العراقية حصلت على 2786355 صوت وقائمة دولة القانون حصلت على 2727284 صوتاً وقائمة الإئتلاف الوطني حصلت على 2052713 صوتاً وبتقسيم هذه الأعداد على القاسم الإنتخابي لعموم العراق ( 35466 صوت ) لظهر أن إستحقاقات هذه القوائم يجب أن تكون 79 و77 و58 على التوالي بينما أعطت النتائج المعلنة 91 للعراقية و89 لدولة القانون و 70 للإئتلاف الوطني ، أي بزيادة 12 مقعداً لكل قائمة .
9. لم تحصل القوائم المذكورة أعلاه على أصوات في محافظات السليمانية وأربيل ودهوك ، وبذلك فالمفروض أن تكون المقاعد التي يحصل عليها التحالف الكردستاني والقوى السياسية الأخرى متناسبة مع الأصوات التي حصلوا عليها في هذه المحافظات الثلاث مضافاً إليها الأصوات التي حصلوا عليها في محافظات كركوك وديالى ونينوى . إن مجموع الأصوات هذه يبلغ 2432154 صوتاً كما في الجدول أدناه .

أربيل 680408
دهوك 424715
ديالى 47749
نينوى 239109
كركوك 206542
السليمانية 833631

المجموع 2432154

ولو كانت القوى السياسية الكردستانية إتفقت وتعاضدت ولم تتشتت لكانت مؤهلة للحصول على ما لا يقل عن 68 مقعداً في مجلس النواب.

وفي الحقيقة أن القوى السياسية التي إتفقت على إصدار القانون لم تكن تعي ما يؤول إليه تطبيقه ، فكل قوة سياسية نظرت إلى بنوده من زاويتها كأجمل صورة لتحقيق مصلحتها هي بالدرجة الأولى ولكن الذي حصل أن السحر قد إنقلب على بعض السحرة ولذلك نراهم يتخبطون في توزيع الإتهامات ولا يعترفون بأنهم قد إكتووا بنار هم أشعلوها .
وإن كان الشعب الضحية في هذه الإنتخابات كما في الماضي ، إلاّ أنّ المستقبل سيكون مشرقاً بزيادة وعي الشعب بحقوقه وحرصه على التمسك بها وصيانتها .

ييلماز جاويد
31/3/2010