الرئيسية » بيستون » هكذا رأيت العراق-4

هكذا رأيت العراق-4

عن الطفولة والشباب والمرأة وأمور أخرى

من أولى أولويات دولة المواطنة الحقيقية أن يهتم المسؤول الذي يكلفه الشعب بمهمة المسؤولية في هذه الدولة أن يهتم بهموم الناس ويسعى سعيا حثيثا دون هوادة أو تقوقع على الذات لحل مشاكلهم الكبرى وخاصة الشرائح المهمة والواسعة من أبناء الوطن الذين يشكلون الدعامة المستقبلية لبناء دولة متوطدة الأركان ثابتة الأسس مزدهرة الأقتصاد متنوعة المصادر الأنتاجية من صناعة وزراعة وعمادها الفقري القانون الذي يجب أن يكون فوق الجميع ليشعر كل مواطن فيها بالأمن والأمان وليكشف كل المفسدين والفاسدين الذين يعيشون كالطفيليات على دماء الناس ويمتصونها بنهم لاحدود له دون أي وازع من ضميرهؤلاء الذين درجوا على أطلاق الشعارات الخاوية والوعود البراقة والأماني الخلابة التي سرعان ماتتلاشى كالدخان الذي تذروه الرياح على صعيد الواقع المر فيغدو هباء منثورا .

ومن خلال ألقاء نظرة فاحصة بعيدة عن الزيف والدجل والمبالغات الخاوية نجد أن المجتمع العراقي قد وقع فريسة لكثير من السياسيين وأصحاب القرار في طول البلاد وعرضها من الذين تهافتوا على السلطة والجاه والنفوذ واستأثروا بها وتجاهلوا كل المشاكل الكبيرة التي يعانيها شعبهم وتخندقوا خلف بروج مشيدة وجلبوا الحمايات الشخصية ليكونوا حاجزا بينهم وبين مجتمعهم ولكنهم حين يلتقون بأحدى الوسائل الأعلامية تتفتح شهيتهم بالكلام ويبرعون في تقديم أنفسهم على أنهم ساهرون على مصالح شعبهم ويصلون الليل بالنهار لتقديم كل مايسعد الشعب ويجعله في أعلى مراتب الرقي والتقدم !!! وأنهم الأمناء الحقيقيون على مصالح الأمه وأن أبوابهم مفتوحة لتلقي شكاواهم ومظلومياتهم وأنهم وأنهم . وتمر الأعوام الطويلة (ولا أبو علي ولا مسحاته) و (دخانهم عمانه وطبيخهم ماأجانه) كما تقول الأمثال العراقيه وحال الطفل والشاب والمرأة وكبير السن وذو الأحتياجات الخاصة يتدهور أكثر فأكثر مع ازدياد هذه الشرائح المحرومة من أي عيش كريم قي وطنها الزاخر بالخيرات والذي يملك ثالث أحتياط نفطي في العالم بعد السعودية وأيران ومحسود من قبل معظم دول العالم فأين يكمن الخلل؟.

أقول بكل ألم أن القابلية على الأزدواجية والزيف وبناء الأحلام الوردية على الركام قد بات سمة ملازمة لكثير من السياسيين العراقيين الذين ظفروا بالسلطة وعضوا عليها بالنواجذ. وهذه الظاهرة ليست جديدة بل درج عليها المسؤولون العراقيون منذ عقود وعقود يقول الدكتور علي الوردي الخبير في طبيعة الفرد العراقي في كتيبه (شخصية الفرد العراقي) (أنني في الحقيقة لاأرى من النافع لكثير من المسؤولين في بلدنا ان يغضوا الطرف عن العيوب ومحاولة التبجح بما فينا من محاسن والأجدر بنا في هذا الطور الحرج من أطوار تأريخنا أن نركز انتباهنا على عيوبنا وأدواءنا لكي نستطيع أصلاحها بدلا من الأنشغال بذكر حسناتناحيث لا نجني من ذلك غير الغرور المذموم. )

أن هذه الظاهرة تفاقمت بصورة مرعبة في ظرفنا الحالي فما أكثر المسؤولين الذين يتجلببون بلباس الفضيلة والتقوى والأخلاص للشعب والوطن والفساد ينخر عظامهم نخراوهذه من أكبر المصائب التي يعانيها الشعب العراقي من هؤلاء الذين تحولوا ألى نقمة ووبال على شعبهم ووطنهم فهم يقولون أمام الناس شيئا يتناقض مع ماتسول به أنفسهم من بلع المال الحرام وما يكمن في قرارة أنفسهم الأمارة بالسوء وهذا ماحدث فعلا على صعيد الواقع لكثير من المسؤولين وهم يخاطبون أنفسهم قائلين لنبقى أربع سنوات ننهب ونكذب ونراوغ ونعد الناس بمواعيد عرقوب وليكن مايكون بعد أن نملأ جيوبنا وكروشنا بالمال الحرام ونودعه في البنوك لأبنائنا وأحفادنا الذين يأتون من بعدنا .

لقد مضى على سقوط الصنم سبع سنوات عجاف وثروات العراق منهوبة على كثير من المشاريع الوهمية رغم وجود هيئة للنزاهة التي بدت عاجزة في مسك الكثير من الخيوط على صعيد المحافظات حيث تزداد يوما بعد يوم حالات الفساد والأفساد تزداد معها أعداد الشباب العاطلين على العمل وتتدهور الخدمات الصحية والبلدية أكثر فأكثر وتزداد أنقطاعات الكهرباء العشوائية وتحرم العوائل وأطفالها من حديقة أو متنزه يضمها ويخفف عن كاهلها أعباء الحياة القاسية التي يشهدها العراق و حيث ارتفاع الأسعار بشكل جنوني ولا يجد الشاب لقمة عيشه في وطنه فكيف يطلب منه أن يكون مبدعا ومنتجا في وطنه مادام الحرمان يحيط به من كل جانب؟ ولم يكن حال المرأة بأفضل من الطفل والشاب .حيث تقول أحدى المنظمات العالمية المسماة (وكالة أو كسفام للغوث ) في أستطلاع لها جرى على 1700 سيدة عراقية بمناسبة يوم المرأة العالمي (أن العديد من الأمهات يجبرن على القيام بخيارات صعبه وهي التكفل بالأنفاق على أولادهن ليذهبوا ألى مدارسهم ويتلقوا الرعاية الصحية أو الدفع للقطاع الخاص لخدمات الطاقة والمياه . )وأوضح الـتقرير (أن المرأة تعاني آلاما مكبوتة وحصارا في ظل دوامة من اليأس والفقر وانعدام الأمن الشخصي رغم الأنخفاض العام في مستويات العنف في البلاد. وأن نصفهن يفتقدن الخدمات الأساسية كأمدادات المياه وأن ثلاثة أرباع الأرامل لايتقاضين أية مساعدة وأن هذه المآسي لاتجد من يخفف منها. ) وهناك تقارير كثيرة تعكس الواقع المأساوي لكثير من الأوضاع الأجتماعية في العراق تخص الطفولة والشباب .

لقد رأيت بعيني المئات من الفتيان والأطفال الصغار في محافظة واسط والمحافظات المجاورة بملابس رثة بالية وتتجمع أكوام الذباب على وجوههم تلفهم شوارع ترابية بائسة لاتعلمهم سوى الكلمات البذيئة والجارحة التي يتبادلونها مع أقرانهم نتيجة الأنهاك المادي والمعنوي والصحي الذي تعاني منه العائلة العراقية وعدم قدرتها على رعاية أبنائهاوانشغال بعض المحافظين والمسؤولين الآخرين بعدم توفير العيش الكريم لأبناء محافظاتهم حيث لم يفكروا يوما بأنقاذ هذه الشرائح المهمة من أبناء الشعب الذين يعتبرون الثروة المستقبلية لكل أمة تسعى للنهوض. هذا أذا علمنا أن فيهم الكثير من أيتام الحرب والعمليات الأرهابية. فماذا سيتعلمون من هذه الشوارع حين يكبرون ويصبحوا يافعين؟وفي ظل تربية جافة في مدارسهم لا تلقنهم سوى بعض المعلومات النظرية الجامدة دون أن تولي أي اهتمام بميولهم ورغباتهم الحقيقية وسرعان ماتخبو تلك الرغبات وتنطفئ نتيجة ضغط الحياة وصعوبتها في العراق هذا أذا فرضنا أنهم يذهبون ألى مدارسهم ولم يتسربوا منها ويعملوا في أعمال لاتليق بطفولتهم حيث صبغ الأحذية وبيع السكائر والأكياس الورقية والعمل في بعض المهن الشاقة للحصول على لقمة العيش وعجز منظمات المجتمع المدني الفقيرة في مواردها والغير مدعومة من الجهاز الحكومي الذي أذا صرف فأن صرفه لايسمن ولا يغني من جوع ولا يغير من الواقع المأساوي شيئا يذكر.

ومن المتناقضات التي يشهدها العراق في ظل هذه الفوضى الأقتصاديةالعارمه من صرف للأموال في غير محلها رأيت أبراجا وأقواسا وبنايات عديدة على الشارع العام بين بغداد والكوت في حي الوحدة قرب مفرق الصويرة وعندما سألت عن عهذه الأقواس والأبنية العديدة قيل لي أنها (سيطرة أقليم الجنوب ) وكأننا نعيش في ظل دول ومقاطعات داخل وطننا .وتساءلت بيني وبين نفسي و تناقشت مع البعضالذين كانوا معي في السياره حين مررنا بها أما كان الأجدر بمن نفذ هذه الأبنية والأبراج العالية أن يحولها ألى ملجأ للأيتام أو متنزه للعوائل و التي تفتقر أليها محافظة واسط؟خاصة وأن هذه المحافظة محرومة من أبسط الخدمات الضرورية وتحولت ألى سجن كبير يعيش فيه حوالي مليون أنسان ولازم المتقاعدون فيها من معلمين وموظفين ومثقفين بيوتهم وأصبحت صومعاتهم لايخرجون منها ألا عند مراجعة الطبيب أو استلام رواتبهم التقاعديه أو زيارة بعضهم البعض؟

ومن الظواهر التي تستحق وقفة لاتخفى على أي زائر لوطنه هو لغز الكهرباء الذي مازال عصيا على الحل رغم الوعود الكثيرة فالأنقطاعات الطويلة والعشوائية مازالت على حالها وأصبحت المولدات الكبيرة التي يملها البعض من البارعين في الأحتكار في الأزمات هي السمة البارزة في حياتهم وكأنها أجسام ضخمة مشوهة ترقد في الساحات والشوارع بصورة غير نظامية تزيدها تشويها وتعاسة وقد تفرعت منها عشرات الأشرطة البالية المتراكمة على بعضها وكأن العراق أصبح من أكثر دول العالم تخلفا رغم كنوزه وذهبه الأسود وتتعرض العوائل وخاصة الفقيرة منها ألى ابتزاز أصحاب هذه المولدات كلما اشتد الحر خاصة وأن صيف العراق يبدأ في آذار وقد اختفت معالم الربيع فيه أضافة ألى أنها سبب كبير من أسباب تلوث البيئة وأحداث الضوضاء في هذه المدن المنكوبة المتقطعة الأوصال.

أن معظم دول العالم المتقدمة تسعى سعيا حثيثا في أيجاد وسائل جديدة تخدم الأنسان وتخلق له الأجواء الملائمة للأبداع والأنتاج والنبوغ في مختلف مجالات الحياة الفكرية والعلمية والأقتصادية لكن الكثير من المسؤولين اليوم في العراق الجديد مهتمون بالدرجة الأولى بالأكثار من حماياتهم وتحويل مقرات عملهم ألى ثكنات عسكرية محاطة بالعسكر والآليات العسكرية من جميع الجهات وأقامة الأبراج التي يقبع فيها مسلحون يشهرون أسلحتهم على الدوام نحو الشارع العام وهي ظواهر توحي بأن روح العسكرة وهاجس الأمن الشخصي مازالا يعشعشان في رؤوس هؤلاء المسؤولين الذين استولوا بدورهم على بيوت المسؤولين الكبار السابقين في العهد الدكتاتوري وأصبحوا بدلائهم وأقرانهم في السلوك والتصرف فأحاطوها بالحمايات والأسلاك الشائكة وسيارات الهمر والآليات العسكرية والسواتر الترابيةبصورة مبالغ فيها يستغرب منهاا كل مواطن يمر بها رغم الأمان التي تشهدها هذه المحافظات حيث تذكر المواطن الذي يعيش في هذه المدن الفقيرة البائسة بأنها تعيش أجواء حرب حقيقية !!!

وحين ينتقل المواطن بالسيارة بين المحافظات الوسطى والجنوبية يلمس بنفسه تلك الحفر العميقة والمطبات الكثيرة وتآكل هذه الطرق الخارجية ورغم كثرة السيارات والآليات يوما بعد يوم فأن هذه الطرق باقية على حالها لابل تزداد سوءا على سوء نتيجة انعدام الصيانة فيها. وهناك طرق خارجية مضت عليها عشرات السنين وهي تراوح في مكانها بتكملة الطريق الآخر الذي يحاذيها وفي أحسن الأحوال يمضي العمل فيها كما تتحرك السلحفاة وأذا استمر العمل فيها على هذا المنوال فأنها تحتاج لكثير من السنين الأخرى والآلاف المؤلفة من الضحايا لكي تكتمل رغم التهامها لآلاف الضحايا من الأبرياء في السنين السابقة ولم تحرك ضمائر المسؤولين في وزارة النقل والمواصلات والجهات المتعاقدة معها ولم يلتفت لآستكمالها للتقليل من الخسائر البشرية الكبيرة التي تحدث فيها وأهمها طريق الكوت – الناصرية وطريق النعمانية –الدغارة –الديوانة –النجف حيث رأيت بنفسي العديد من الحوادث المرورية المؤلمة في هذين الطريقين ذهب ضحيتها العديد من المواطنين في ذلك الظرف الزمني القصير الذي مضى.

هذا غيض من فيض يعانيها شعب العراق العزيز وهو يعيش حمى التهافت على كرسي السلطة من قبل هؤلاء السياسيين الذين ضربوا الرقم القياسي في المهاترات والأدعاءات الفارغة بخدمة الشعب وهم لايفعلون ألا القليل والقليل جدا ويتكلمون الكثير عن أنفسهم وبارعون في رمي التهم لبعضهم وما قدموا من منجزات لم تترك أي أثر في حياة الشعب العراقي والله يعلم كم من الأشهر ستمضي من خلال هذا المخاض العسير ليرى الشعب العراقي أن حكومة جديدة قوية تنقذ الشعب من حالة البؤس التي يعيشها و يحترمها العالم قد تكونت وقد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم : (ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون . ) 151-152- الشعراء هذا غيض من فيض عن الواقع المؤلم والمحزن في بلدي لمسته بعيني الأثنتين دون مبالغة أو تسويف أو طعن أو تشهيرلأحد من المسؤولين ولي وقفة أخرى عن بعض الظواهر الأجتماعية في عراق الفجائع والجراح.

جعفر المهاجر-السويد

2/4/2010