الرئيسية » دراسات » أهمية ما كتبه الرحالة الاوربيون في مذكراتهم في تدوين تاريخ الكرد وكردستان

أهمية ما كتبه الرحالة الاوربيون في مذكراتهم في تدوين تاريخ الكرد وكردستان

الحياة الاجتماعية للكرد

وقد تشكل النظام الاجتماعي الكردي على اسس قبلية واقطاعية او على ولاءات دينية واندمجت تلك الاسس في كثير من صيغ الاتحادات وحتى عندما كان النظام القبلي الاقطاعي مزدهرا قبل الحرب العالمية الاولى لم يكن جميع الكرد منتمين اليه، ولكن الذين لا ينتمون اليه يعتبرون من مرتبة اجتماعية وضعيفة، والى الان يتمتع الزعماء القبليون بمكانة بارزة وينبع تاثيرهم من قدراتهم الاقتصادية وعلاقاتهم بالسلطات الحاكمة. ليس لكل القبائل نظام متماثل؛ ان البنية الكلاسيكية (التقليدية) .

تبدأ بالظهور مع الاسر، الممتدة التي يكثر عدد افرادها او مع الوحدات الصغيرة او الفروع التي يرتبط افرادها فيما بينهم بالقرابة السلالية او بالتزاوج. ان اسرة واحدة فقط تسيطر عادة على الفئة تسمى بالكردية (تيره ــ Tira) وان فئة واحدة واحلافها تقوم عادة بمهام القيادة في القبيلة كلها، سواء اكان عددها بالمئات ام بالالاف(47) فالقبيلة الكردية مقسمة الى بطون والبطون الى افخاذ واحيانا تدعى قبيلة انحدارها من خط رجل واحد هو جدها الاعلى والاوحاد (48) وتغلب عليها صفة الوحدة السياسية او الجغرافية. وعن حياة الاجتماعية للكرد يقول ماليبارد (يعيش الكرد حياة ملؤها الحيوية والنشاط وهم شعراء بفطرتهم يتعشقون الحرية.. والسلام ويحيون تقاليد اجدادهم ويتغنون باحاديثهم وأعمالهم) وان بنية الكرد قوية بشكل عام وهم معتدلون ومتقشفون واحرار، وهم فرسان شجعان وأذكياء حاذقون يرتدون السروال الفضفاض الطويل الملون باجمل الالوان المختلفة المتناسقة (49) ويضيف قائلا: (وقد ذكر لي احد الشيوخ الكرد، ان الحصان كان يحافظ عليه صاحبه قبلا اكثر من محافظته على امرأة جميلة، وليس ذلك مما يتصف به الكرد وحدهم، فتأريخ الحياة البشرية في جميع ادوراها قد تمشي مع تفنن الانسان بسرقة الخيل)(50) اما مستر ريج فانه يسرد في مذكراته ليوم 15 مايس 1820 م بان السكان في منطقة السليمانية ينقسمون الى ثلاث فئات وهم:
1 ـ الكرد الرحالة هؤلاء يحرقون الارض ولا يقومون ببذر الحبوب وان رجال الكرد الرحالة يحملون السلاح وهم مخصصون للاشتراك في الحروب كفرسان..
2 ـ القرويون هؤلاء يسكنون القرى ويسمونهم بـ(الرعية ــ اي العبيد) (ان صح التعبير) وينظرون اليهم نظرة الخدم ومنزلتهم الاجتماعية لا تقل عن منزلة الزنوج في الهند الغربية. ولا ينظرون الى الفرح القروي نظرة الرجل بمعنى الكلمة ومن السهل التمييز بين القروي وابناء العشيرة (51). وان الكرد الرحل يهيئون انفسهم ويرحلون في نهاية شهر تشرين الاول الى مرابعهم الشتوية التي يقضون فيها خمسة الى ستة شهور استنادا لقدوم فصل الربيع مبكرا او متأخرا وان هذا الصنف من الكرد يعيشون على تربية المواشي والاغنام ويرحلون في مواسم الصيف الى اعالي الجبال (زوزان) في المناطق الجبلية في تركيا وايران كما هو الحال لقبيلة الجاف في منطقة السليمانية التي تعبر الى مناطق الجبال في ايران.. وقبيلة بلباس والهركية وسورجية في اربيل وهم يبحثون عن الماء والكلأ (52) وان لمسيرتهم هذه والحق يقال منظر مهيب رائع وهم يسوقون امامهم الافا وربوات من الاغنام والماعز وحميرهم مثقلة بخيمهم وقدورهم وموادهم المنزلية واكياس قمحهم واثاث بيوتهم مع مواشيهم ونسائهم (53) ويضيف ادموندز وهو يصف احد مشاهد الكرد الرحل قائلا: (هنالك نساء في مقتبل العمر ضاحكات السن مليئات بحيوية الشباب بينهن من تحمل بندقية وترى الاطفال الرضع يخرجون رؤوسهم من الجوالق فوق سروج البغال يشاطرهم مجلسهم المريح)(54)..
اما الرحال اوشاكوف الذي زار المنطقة الكردية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يقول يعمل قسم من الكرد بالزراعة (فان هؤلاء من المستقرين بصورة مؤقتة وتنحصر فترة استقرارهم في الفترة بين موسم البذر وموسم الحصاد اما في الاوقات الاخرى فيعملون في الرعي، ينزلون من الجبال بصحبة قطعانهم الكثيرة الى الادوية بحثا عن الغذاء الذي يعانون من شحته بسبب المناخ الجبلي القاسي وهم عادة ينامون ليلا في الخيام المحاطة بسياج من القصب ويحملون هذه البيوت معهم اينما ذهبوا)(55).
واذا ارغمتهم الظروف فانهم يستطيعون قضاء الشتاء كله في خيام دافئة كبيرة يسمونها هنا بـ(الجادر) وهي شبيهة بالخيام القره غيزية وهذه الخيام تكون واسعة وكبيرة الى حد تسع واحدة منها لجميع افراد العائلة مع ممتلكاتها غير ان الاغنياء يملكون اكثر من خيمة واحدة.
ويقول الرحالة دومينيكو سيستيني (1750 ــ 1832 م) (علينا ان نتخيل ساحة كبيرة مربعة، تتوسطها خيمة الرئيس، وهي اكبرها وفيها وسائل راحة اكثر مما في غيرها وتأتي بالتدرج خيام اصغر منها (56) اما منازلهم الشتوية فهي مبنية بشكل بسيط جدا وبسرعة وانهم يعيشون حياة نصف رحالة من موسم الربيع المبكر وحتى موسم الخريف المتأخر (57) ويقول الرحالة ديتيل ان هذه القبائل الكردية الرحالة تعيش موسم الشتاء في القرى الا انهم في الصيف عموما ينتشرون في اودية كردستان الواسعة وراء قطعانهم وينتقلون من مكان الى اخر ويحملون معهم كالبدو وجميع امتعتهم وممتلكاتهم (58).
ولكن الباحث المستشرق الروسي الكبير باسيل نيكيتين يقول هناك اربعة نماذج من الكرد وهم:
1 ـ رعاة المواشي في الهضبة التركية الارمينية العليا وعند المجرى الاعلى لنهر (كورا) اي في اراكس ومراد والفرات وحوض بحيرة (فان).
2 ـ رعاة المواشي في منحدر طوروس الجنوبي.
3 ـ الكرد المحاربون عند مناطق الحدود..
4 ـ الكرد انصاف البدو.
ويعتبر الدكتور هلموت كريستوف ان كرد طوروس الجنوبي الذين يرتادون بادية سوريا وما بين النهرين في الشتاء هم النموذج الاصيل للكرد وجميع الفروع الاخرى مشتقة عنه، ذلك ان طابع هذا النموذج قد تكون فقط بتاثير صراعه مع الطبيعة ومع الاعداء (59).

انطباعات الرحالة
عن الكرد

ينقسم الكرد الى حضر والى انصاف بدو (كوجر) والبدو منهم مستمر على حياة البداوة وهم يقطنون السهول في فصول الشتاء في بيوت من اللبن ويزرعون الارض في الربيع وعندما ياتي الصيف يعودون مع قطعانهم الى المراعي العالية في الجبال بعد ان يتركوا بعض رجالهم في الحقول ليحرسوها وتكون هذه المراعي احيانا قرب المناطق التي يقضون فيها فصل الشتاء (60)
اما الحضر فهم يسكنون القرى ولكن حياتهم شبيه بحياة البدو وانهم متشابهون في العادات والتقاليد.. يقول الرحالة اوغسطينو ماركي (1805 ــ 1875) في رسالة الى وكيل الرهبة العام، صادرة عن مار ياقو (دهوك) في 20 تشرين الثاني سنة 1852 تتضمن الرسالة اشارت طفيفة لا اهمية لها عن الكرد وكردستان يصف الكرد بانهم (مستقلون بغير زمام متطبعون على الاستبداد) (61) وهم يحبون الاماكن المعتدلة الباردة العالية وان السلاسل الجبلية والكهوف الحصينة التي يعيشون فيها تمنحهم بصورة اكثر امكانية البقاء والحفاظ على ذاتيتهم واستقلالهم (62) في حين يصف الرحالة الروسي اوشاكوف بان الوضع السياسي عند الكرد مشابه تماما (بأوربا في القرون الوسطى بجميع ابعاد وقيم المجتمعات الاقطاعية التي تدار بنظام ديمقراطي مقتبس من روح النظام الابوي القديم) (63).
اما الادارة فهي بيد كبير القبيلة او رئيس العشيرة ويكون هؤلاء مستقلون بعضهم عن البعض الاخر (64) وعلى رأس كل قبيلة في الغالب يقف خان او اغا وهو يتصرف بشكل مستقل تماما ويفعل ما يشاء يفرض الضرائب المعتادة على الرعية او الاسر الرحالة ولهم اماكن مخصصة لهم ويقدم رئيس العشيرة الى كل شخص قطعة صغيرة من الارض ويدفع عنها كل كردي بضعة قروش او يأخذ من المحصول في وقت الحصاد بالنسبة عشر وفي بعض الاحيان ثلث الكمية التي تنتجها ارضة او نصف (65).


كرم الكردي

الكرم صفة من الصفات الحسنة يتصف بها الكرد وخاصة القرويين وقد وصف هذا الكرم عدد من الرحالة الذين زاروا المنطقة الكردية ولمسوه بان الكرد اصحاب قلوب نقية وان الفلاح الكردي شجاع (وان الكرد الذين يعيشون بين النهرين فرات وجيحون “نهر في خوزستان” انهم يرحبون بالضيوف ويحبون الاصدقاء ويرحبون بالرحالة الاوربيين الغربيين وفي احدى قرى يعقوب باشا لمسنا ذلك الاستقبال والتكريم فريد من نوعه وقدموا لنا فطورا تشمل على عشرات الانواع من الطعام) (66).
اما ميجور سون المتنكر باسم ميرزا غلام حسين شيرازي يقول: (ان الكرد على سمعتهم كلها هم كمضيفين افضل من الارمن والاتراك والعرب ويروي حكاية في غاية من الاهمية) (67) عندما يقول (وما كان عندهم من حطام الدنيا الا القليل لكنهم ذبحوا افضل دجاجة لديهم في هذه المناسبة وجيء بعدد من البيض يكفي لعشرة من الرجال عدا وشغل كل واحدمنهم بشيء ما، في ما خلا (المختار) الذي جلس باعتداده مضيفا وقام احدهم بأيراء النار في وسط الغرفة فصيرت الظلمة يتعالي اليحموم (الدخان) وجاء الاخر بالماء للغسيل ذلك انهم لم يسمحوا لي “ميجرسون” بالذهاب الى الخارج فالينبوع هو الان في خضم ريح خلوج لاهبة شديدة. واغلي البيض الفائض حتى تصلب (اعدت) واعدوه لرحلتي في اليوم التالي. واعتراني خجل من تصديع هؤلاء القوم السذج الاصلاء) (68).
وفي صباح اليوم الثاني ايقظتني الزوجة مبكرا وكان زوجها لا يزال نائما لقد حملت بنفسها المتاع الخفيف الى العربة ثم جاء قرويان او ثلاثة فحملا الاشياء الثقيلة وظهر المختار اخيرا وما ان رحلت عربتنا الا تناهت الى مسمعي كلمات وداعة الساذجة القلبية واخذت ترن في اذني انهم اول الكرد (69) وعن كرم الكردي يروي جيمس برانت في رحلته الى المنطقة الكردية عام 1838 وعندما اصبح ضيفا على عشيرة حيدرانالي الكردية يقول: (وعند العشاء مساء ارسل الينا (سلطان اغا) من حريمه عدة اطباق من اصناف الطعام تضمنت طبقا كبيرا من الرز الممتاز الذي يسمونه باللغة الكردية (بلاو) وضع عليه فخذا كاملا من لحم الضأن المحمص كريات اللحم المقلي.. المدهن بطبقة من الصاص المصنوع من اللبن المخثر والثوم.. حلاوة التمر. اللبن الكردي كانت شهية ولذيذة المذاق الاوربي) ويضيف قائلا: (وقبل ان ننطلق في الصباح جاء سلطان اغاليدعونا لتناول القهوة في خيمته الخاصة ثم قدمت له هدية كانت عبارة عن بعض الاشياء الصغيرة البسيطة فرد علي هديتي باهدائي فرسا، وهي هدية حاولت عبثا ان اعتذر عن قبولها ولكن لم يكن بد من قبولها امام اصرار مضيفنا الكردي الكريم) 70 وعن وفائه لصديقه حيث يحكي قصة شاهدها بام عينه هاملتون ضابط الاستخبارات البريطاني قائلا: (كان قد استأجر هاملتون مرة حصانا ادهم اللون كبير السن من احد الكرد (يعرفه واراد في معرض الحساب ان يدفع له الاجر المقرر وهو ما سيطلب منه حتما ولكنه راى العجب، راى عيني الكردي يتطاير منها شررا وقد وضع يده على مقبض خنجره حينما قدم اليه مبلغ الاجر فما كان منه الا ان بصق على الارض وهي حركة تشير الى التحقير والاهانة ثم ترك المبلغ وولى وجهه حتى توارى عن الانظار)(71)..
وتقول رولاند ويلكنس (رحب بنا كبير القرية من على باب كوخه.. اجتزنا الممر المظلم المؤدي الى داخل الكوخ وعيوننا يعميها الدخان المتصاعد من الداخل جلسنا على قطع من اللباد شاكرين لنجاتنا من الرياح والامطار) (72).
وعن العائلة الكردية يقول جوستن بيرنكس (فالعائلة الكردية متماسكة فيما بينها ومترابطة في تكوينها يتصف الرجل بصلابته والمرأة بقوتها وكيف انها تتحمل مهد طفلها على ظهرها وهي تراقب بقية اطفالها الذين حواليها وهم يسيرون معها) (73).

الهوامش
47 ـ المصدر نفسه ص 21.
48 ـ سي جي ادمونوز، كرد وترك وعرب، سياسة ورحلات وبحوث عن الشمال الشرقي من العراق 1919 ــ 1925 بغداد 2004 ص 6.
49 ـ ماليبار، المصدر السابق؛ ب. م دانتسيغ المصدر السابق ص 175.
50 ـ المصدر نفسه.
51 ـ جمال بابان واخرون سليماني شاره كه شاوه كه م، به ركي سييه م، جاب وئوفسيتى ده زكاى سه ده م، سليماني، 2000 ل 275.
52 ـ جيمس برانت رحلة المستر جيمس برانت الى المنطقة الكردية عام 1838 معمل ومطبعة الجاحظ بغداد 1989 ص 158، 159..
53 ـ سي جي ادمونوز المصدر السابق ص 17.
54 ـ المصدر نفسه ص 17.
55 ـ ب م دانتسيغ المصدر السابق ص 175.
56 ـ مير يلاغاليتي التراث الكردي في مؤلفات الايطاليين تعريب وتعليق وايضاحات د. يوسف حبي، كوفاري كردي زانياري عيراق ده سته كرد به ركى هه شته جابخانه كوري زانياري عيراق بغداد 1981..
57 ـ ب. م دانتسيغ المصدر السابق.
58 ـ المصدر نفسه ص 240.
59 ـ باسيل نيكيتين المصدر السابق ص 55..
60 ـ المصدر نفسه ص 31.
61 ـ ميريلا غاليتي المصدر السابق ص 254..
62 ـ ب. م دانتسيغ المصدر السابق ص 277 ــ 278.
63 ـ المصدر نفسه.
64 ـ المصدر نفسه.
65 ـ المصدر نفسه ص 240.
66 ـ الميجور نوئيل مذكرات نوئيل في كردستان ترجمة حسين الجاف وحسين عثمان نيركسه جارى مطبعة الحوادث بغداد 1984 ـ ص 53، 54..
67 ـ ميجر سون، رحلة متنكر الى بلاد ما بين النهرين وكردستان ترجمة فؤاد جميل ج1، بغداد 1970 ص 59.
68 ـ المصدر نفسه ص60.
69 ـ المصدر نفسه، ص 62.
70 ـ جيمس برانت سكواير المصدر السابق ص 159 ــ 160 .
71 ـ ماليبارد المصدر السابق ص 235 ـ 236.
72 ت اولاند ويلكنس الطريق الى بغداد ترجمة مؤيد عبدالستار ط 1 لندن دار الحكمة 2003، ص91.
73 ـ جوستن بيركنس المصدر السابق ص 176 .

د. شعبان مزيري
كلية اللغات/ قسم اللغة الكردية