الرئيسية » شخصيات كوردية » ابن عبدكه..! .. الثائــر الكــردي المفتــرى عليـــه

ابن عبدكه..! .. الثائــر الكــردي المفتــرى عليـــه

1ـ عفوية التواصل !

اذن، ونحن نحاول الاسترسال، للتواصل وبعفوية، مع كل ما يجري، ويصبّ، ضمن موضوعنا آنف الذكر، الدائر حـول ( ابن عبدكه) دون اللجوء الى “السبل” الضيقة، التي قـد تلجئ البعض، الى التهافت، في تناولها احيانا .وعليه فهي العـودة، التي لابد منها، الى ما نوهنا اليه، من مصادر حيّة وتاريخية . ستظل رافدنا الدائم، ونحن نحوّم حول هذه الشخصية (الكردية) المفترى عليها..آخذين بالحسبان، ما وقع فيه اؤلئك المؤرخون (البغداديون) من خطأ، كونهم من الذين يجهلون حياة الريف العراقي عموما، والمجتمع القروي، في منطقة شهربان خاصة والمترع بتقاليده وطقوسه السائدة.

2ـ في رحاب الايام

اما لدى قراءتنا للتاريخ الحديث فاننا نجد التألق الزمني، للحقيقة واضح المعالم، عند المؤرخ المعروف ( مزهرآل فرعـون )وهو يطرز الزمن الفراتي بما (لذّ وطاب) من قراءاتـه لاحداث ثورة العشرين عبر مؤلفه (الحقائق الناصعة في ثورة العشرين)ولعله اصـدق من كتب وانبـل من تعامل مع ذلك الحدث الكبير، وبمـا دون من حوادثها وهو يتأبط السلاح ضمن المجاميع الاولى، التي كان يقودها زعيم الفـرات الاوسط ، الشيخ (عبد الواحد سكر) آل فرعون على ان الرجل سرعان مافرد لثورة بعقوبة وشهربان فصلا خاصا بها، بل وثمة الكثيـر، من تلك النماذج المشرقة التي عرفناها عبر اطلاعنا، ومواكبتنا، لتلك السلسلة، المتواصلة، لمراحل هاتيك الحركة، ولمن حاولوا تجنيد انفسهم، لكتابة التاريخ المعاصر.
وهانحن نعاود الكرة، مجددا مع احد مصادرنا السابقة (المنفيون الى جزيرة هنجام) للسيد (سامي خونـده) المولود، ببغداد عام /1900م، وهو احد البغداديين المنفيين مع الثوار، الى (هنجام) وان كانت ذاكرته كثيرا ما تعرضت للوهن ذلك من خلال، مارسمته ذاكرته المتعبة، وخلطه الواضح للاحداث والاسماء التي ادعى انه التقاها.وعليه فقد كان من المفترض، بالمؤلـف وهو باحث وعلى درجة من العلم ان يمحص مثل تلك الاقاويل قبل ادراجها،وان يشير الى ذلك، ان يستعرض تلك المواقـف الضعيفـة بالتحقـق ولكن..!! يقـول السيد خونـده:
( وفي شهربان “المقدادية” اجتمع افراد عشـائرها.. وهم عشائر المهدية والجبور، وبني تميم .. على حمل السلاح، في وجه المحتلين، بعد ان اعلمهم بكل ماجرى ويجري، في ساحات المعارك بالفرات الاوسط، وبسقوط بعقوبة بيد الثوار، فثارت ثورتهم بتاريخ 12/آب1920وهجمت ثلة، من هذه العشائرعلى دار الحكومة التي احتمى بها، الحاكم العسكري الكابتن “ريكلي” والكابتـن “يروفلد” والسارجـن ميجر “نيوتـن” والمسز “بوكانان” وقام الطرفان باطلاق النار بشدة اسفـر عن مقتلهم جميعا، مع حضيرة من (الشبانة) اما مسز بوكانان فقد اخذت الى دار الشيخ مجيد في البلدة، وكان قـد اخبرني صديقي المرحوم عبد اللطيـف الفارسي الذي ساهم في هذه الثورة ان الهجوم على دارالحكومة كان بتشجيع من الشيخ (مجيد التميمي)الذي يسكن بلدة المقداديـة وجيها فيها، مسموع الكلمـة محترم المنزلة،وقد بقيت في داره حتى استعاد المدينة الجيش البريطاني)
(السياسيون المنفيون الى هنجام ص/210)
3ـ عودة (ابن عبدكه)

اما الفصل المتضمن لموضوعنا، والذي جعلـه المؤلف عنوانا، رئيسيا خاصا بالرجل، ضمن كتابه المذكور، والذي افرده، مختارا تحت اسم
( ابراهيم بن حسن بن عبدكـه) ولاهميتـه، ودوره الرئيس، في سير مجرى الاحداث المتميزة، التي كان (طرفا) في بلورتها،على الرغم مما كان يتمتع به اصلا، من مكانة اجتماعية “اسطورية” ربما جعلته عرضة للبحث المتواصل من قبـل السلطة المحتلـة السائدة انذاك، بغية القاء القبض عليه، مما قد يؤدي الى هلاكـه والتخلص من ظاهرتـه التي استشرى امرها بسبب وقوفه المعلن الى جانب الثوار من الاهالي وهو
ما سنعرض اليه، ولكن بعد حقبة زمنية، دعته الى اللجوء والاختفاء الى خارج منطقة ديالى . وبالتحديد، في منطقة المحاويل، وهو مما سنستذكره، في وقته المناسب الا ان شعوره، بالوقوف الى جانب الثوار من ابناء جلدته وبلدته، كان جياشا،مما دفعه الى التواصل معهم، ليكون رأس “النفيضة”، لتلك الثورة العارمة، بل وعلى مقدمة من ثاروا، مع ذلك المدّ الجسور، في بعقوبة وشهربان،ابان الفترة مابين(12اب 1920) و(9 ايلول1920) حيث تمّت السيطرة التامة، على المدينتين، من قبل الثوار. ولحين تقدم القوات البريطانية (برتلين احدهما من بغداد، والاخر من قزلرباط “السعدية” بقيادة العقيد كرير…!) وهو مما نوهنا اليه سلفا، ولكن بعد سقوط عدد من القتلى، لكلا الطرفين المتنازعين.. ولعـل من ابرزهم الحاكم (حسين البهرزي) قاضي شرع المحكمة، الذي (قتل) من قبل احد الضباط البريطانيين،متهمااياه بالوقوف المعلن الى جانب الثوار في حين شهدت (شهربان)مصرع مجموعة من الضباط البريطانيين،من بينهم الحاكم البريطاني، وثلة من مساعديه ..وهو مما نوهنا اليه مسبقا مما حدا بمؤلف الكتاب .. لان ينفرد بالكتابـة، عن الدور الذي لعبـه “ابراهيم بن حسن بن عبدكه”وتحت هذا العنوان بالذات.وهنا وفي عودة منا اليه، يحدثنا “سامي خونده” قائلا:
(ان بعض ثورات الشعوب الدامية التي تضم صحائف التاريخ اخبارها تلد رجالا اشداء، قاموا باعمال وبطولات مع الثوار،دون ان تكون لهم صلة بموقدي نارها، وبزعمائها ومعرفة اتجاهها، وما اريد منها بسفك الدماء،فهم متبرعون بدمائهم من تلقاء انفسهم، يقاتلون بما توحي اليهم ضمائرهم، كيفما شاءوا ويفاجئون ساحات الوغى باعمالهم البطولية، برغبة منهم فحسب ومن هؤلاء الشاب ابراهيم عبدكه) المصدر السابق ص/212

4ـ في غفلة الزمن
الى هنا، ولنا ان نحسن الظن، اما ان نبيح لانفسنا الاصغاء الى كلام البعض والحديث عن شقاواتهم، فهو مما يمجـه الذوق السليـم، وتاباه الحقيقة، “اهل مكة ادرى بشعابها” ولكن لا بأس في ذلك.مادامت الغايـة هي الحقيقة فليحدثنا هذا البغدادي عن ذلك (الشاب) ابن عبدكـه(الذي كان قد ترأس عصابـة (شقاوة) من اخيه، وابن اخته، لاخذ ثار ابيه القتيل، في قرية (ذيابة) في لواء ديالى في سنة 1919في العهد التركي وصار شابـا شقيا.ً. تسكن عائلته قرية (ذيابة)وهي من قرى الاوقاف القادرية التابعة الى ناحيـة(ابو صيدا) في شهربان (المقدادية)عرف بشجاعتة وبطولته وكان جريئاً مقدامـا لايهاب الموت… كنت معاونا لتسوية حقوق الاراضي في لواء ديالى(بعقوبة – المقدادية) واتصلت بمختار قرية ذيابة المرحوم (داود سلمان) من مواليد محافظة ديالى، ناحية ابي صيـدا، قرية ذيابـة في صيف سنة 1942 لاطلع على نبذة من حياة ابراهيم “عبدكه” )
(المصدرالسابق )
ويبدو لي ان المحدث، راح يخلط بين شخصيتين، (ابن عبدكه) وشخص اخر، هو المرحوم (موزر السلمان) وهو كردي الاصل ايضا، من قرية الزهيرات التابعة لشهربان ايضا، ومن عشيرة (السيمرليه ) الكردية المعروفة، التي تتكلم العربية، ويدعي البعض انهم من العرب ومن عشيرة ربيعة ، وهو من الاشقيـاء المشهورين، الذيـن عرفتهم منطقة شهربان، كما انه ممن شملهم العفو، الذي اصدره الزعيم (عبد الكريم قاسم) بعد الرابع عشر من تموز / 1958، وقد ادركته، وعرفته شخصيا، كما ادركت ابن شقيقته (محمد علي) ايضا..ولا علاقة لهم بالاول..على الاطـلاق، للفجـوة الزمنيـة، بين حيـاة الرجليـن
اما سامي خونده فيقول : (كان ابراهيم شابا يافعـا، هادئ الطبع يقـوم بمساعدة ابيه، بعمله وعيشه،في قريتنا..) فيبدو لي ان المرحوم (خونده) لم يتثبت من الحقائق، وراح يطلـق للسانه الاقاويـل، التي لاتمت الى الرجل بصلة، ناهيك عن انه نقل الحوادث،عن المرحوم (داود السلمان) دون ان يتوثق منها..ومع كل ذلك فان الرجل كان يتمتع باخلاق وصفات نادرة ومثالية، تميزت بالالفـة وعلو الهمـة والكـرم والوفاء وحسن المعاشرة، فقد روى لنا جدي لابي (احمد علي العبيد) مختار ذيابة، ابان العقد الثاني من القـرن العشرين، وهو من اترابـه بسمات عرف بها، لايمكن وصفها، وانه عبارة عن جبل لاتهزه الريح، مع انسانية وشفقة وحنوّ على الضعفاء، مع وفاء نادر وشرف،مع من يدخله بيته، ويمالحه الطعام، ويهجع في فراشه ولو لساعة واحدة..)

5ـ البغدادي والوردي..!

يروي لنا على طريقة (القاصّخـون) السيد يونس سعيد البغدادي مايلي:
(ذات يوم من ايام الاحتلال البريطانـي، للعـراق سنة 1918 قدم قطار كركوك النازل الى بغداد وهو يقل قوة بريطانية وكانت(المس بيل) في ذلك القطار وعند وصول القطار الى محطـة شهربان داهمـه بعض الرجال المسلحين وتغلبوا على القوة واسروا (المس بيل) وفي هذه الاثناء جاء (ابن عبدكه) فاستقبله الرجال بحفاوة بالغة فلما شاهدت مس بيل ذلك احتمت به فحماها، واوصلها بغـداد..وظل بن عبدكه طريد السلطة حتى القت القبض عليه في المحاويل، في 14حزيران 1924واجريت محكامته وصدر عليه الحكم الى الاشغال الشاقـة لمدة عشرين عاما وخـرج من السجن سنة 1936بعد ان قضى اثنى عشر عـام) (البغـدادي/ شقاوات بغداد/ ص/61 فما هي الحقيقـة ؟ واين هي في روايـة البغدادي ؟ اما حكاية المس بيل فهي من بنات افكاره . واما الحقيقة، فهي مسالة القاء القبض عليه في ضاحية المحاويل وفي التاريخ المذكور، لوجود علاقة حميمة بينه وبين احد زملائه ومثيله في الشجاعة والفروسية.. هو(عكال البطيخ) من وجهاء تلك المنطقة.. ولوعدنا الى د.علي الوردي لوجدناه يقول:
(صار ابن عبدكه عقب فراره من خرنابات يتنقل متنكرا من موضع الى اخر .وقد التجاء اخيرا الى شيخ من شيوخ المحاويل، في لواء الحلة كانت له معرفة سابقة فآواه الشيخ عنده وقد ظل في حمايته بضعة اشهر كان فيها متنكرا لايعرف سوى الشيخ نفسه وقد اطلق على نفسه في تلك الاونه اسم(عبد) وفي فترة تنكره هذه انه سمع في عصراحد الايام شبان القرية يتبارون في اصابة هدف لهم وضعوه على قمة بيدر من الحبوب فجاء ابن عبدكه، واخذ البندقية من احدهم ورمى الهدف فاصابه بشكل اثار دهشتهم واعجابهم .وصار الشبان بعد ذلك يتحدثـون عنه بأعجاب حيث وصفوه قائلين بانه اصاب الهدف ببراعة كأنه ابن عبدكه.. في شهر حزيران 1921 تمكنت الشرطة من معرفة مكان اختفاء ابن عبدكه وفي 14 منه، بينما كان ابن عبدكه طريح الفراش من حمى اصابته فوجئ بثمانية من رجال الشرطة، وهم يحيطون به شاهرين مسدساتهم فاضطر الى الاستسلام لهم فنقلـوه مخفرا الى بغداد …)
(علي الوردي لمحات اجتماعية ح5 / ق2 / ص 171) اما ما يتعلق بتلك الشخصية التي هي موضوع بحثنا الرئيس دون شك فقد امست مهيئة تماما، لتحمل الكثير من الروايات، بحكم تقادم الزمن وغياب الشهود، مما جعلها في عداد الاساطير وهو مما يدعونا لذكرها، ومن ثم، التعليق عليها على ان نضع بالحسبان، كل تلك التوقعات، المشار اليها، سلفا.ولكي نديم التواصل علينا ان نحسن التلقي، لكل ما يردنا، ونعرفه عنها كظاهرة اجتماعية، تركت آثارها، على المجتمع العراقي، شئنا ام ابينا ومن اجل ذلك فلنا عودة في فصل لاحق، لكي نحاول التواصل، معها على ضوء مااشار اليه مؤرخ آخر، لعله اكثر علمية، وموضوعية…!
الاتحاد