الرئيسية » مقالات » المفوضية والفساد الانتخابي والميليشيات الانتخابية!

المفوضية والفساد الانتخابي والميليشيات الانتخابية!

كون الفساد اليوم وباء مستشريا ينخر في جوانب المجتمع كافة وبشكل خاص في مؤسسات الدولة العراقية ودوائرها،والمكاتب والشركات الوهمية والنشاط التجاري الخاص وديناصوراته،لا يعني سوى خطل وفشل هيئات مكافحة الفساد في العراق والمفوضيات المستقلة(خاصة هيئة النزاهة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات)،ديوان الرقابة المالية،مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات،الادارات الامنية في وزارة الداخلية،لضمان استمرار الأمانة والشفافية في الاداء الحكومي ومساءلته من قبل الشعب العراقي.وقد اكدت هيئة النزاهة مرار ان عدد القضايا التي صدرت فيها الاحكام لا يتناسب مع عدد القضايا المحالة من قبل الهيئة الى القضاء العراقي.لقد وقفت المادة 136 من قانون اصول المحاكمات الجنائية والتي تشترط موافقة الوزير المعني على احالة المتهم الى المحكمة،وقفت عقبة امام سير الدعاوى بسبب عدم موافقة الكثير من الوزراء الامر الذي اغلق الدعاوى،والمبالغ التي اغلقت الدعاوى فيها بلغت مئات المليارات من العملة العراقية.نعم،العراق يخلو من قوانين صارمة لمحاسبة المقصرين،ولم يطبق حكم جيد واحد للقضاء على جرائم الفساد الكبرى في الاعوام المنصرمة.ووفق تقارير منظمة الشفافية الدولية وبقية المنظمات الدولية ان مسؤولي الحكومة العراقية وفي مختلف المستويات يمارسون النهب المنظم للدولة وثرواتها ليتكامل مع اقدام المحتلين على تبديد مليارات الدولارات من الاموال العراقية!
الحكومة العراقية تبيح لنفسها التدخل في شؤون مفوضية النزاهة،بداعي ان معيار عراقيتها وضرورة انتخابها على اساس المحاصصة يفوق معيار كونها مفوضية مستقلة تخضع لآليات انتخابية خاصة بها،ولتغير رئيسها وطاقمها اكثر من مرة!لا لشئ يذكر سوى ان الذين جرى اقصاءهم قد حملوا الحكومة العراقية ورئيسها مسؤولية حماية الفساد في اجهزة الدولة عير حماية الاقارب والحلفاء السياسيين ضمن تحقيقات كانت تطولهم مما ادى الى خسارة البلاد مليارات الدولارات،والسماح للوزراء بحماية موظفيهم،في الوقت الذي يؤكد فيه المالكي نفسه مرارا وتكرارا،ان المسلحين والفساد ينخران جسد الدولة العراقية.
في ظل اجواء كهذه جرت انتخابات آذار 2010 تحت اشراف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والتي يفترض انها مهنية ومحايدة!لا مغلوبة على امرها،وغالبا ما تعلن استكمال استعداداتها لادارة الانتخابات ليس بقوانين جائرة وحسب،بل في غياب قوانين اساسية اخرى.المفوضية المستقلة للانتخابات تم انتخابها على اساس المحاصصة،ولا يمكن ان تكون باي شكل من الاشكال مستقلة ومهنية ومحايدة،وكذلك الحال مع فروعها في المحافظات،ومع بعض مسؤولي المراكز الانتخابية.وحتى العقود التي وقعتها المفوضية مع المواطنين لمساعدتها في تنظيم التقنيات الانتخابية في اليوم المحدد،لم تخلو من ظاهرة الارتياحات الشخصية والولاءات دون الوطنية!
لم تتشكل مفوضية الانتخابات على اساس مبدأ المواطنة والمساواة لتكون ممثلة لكل مكونات الشعب العراقي،ولم يطلع ابناء الشعب العراقي على السيرة الذاتية لاعضائها،هل هم من ذوي الاختصاص،ومشهود لهم بالكفاءة والنزاهة وحسن السلوك؟!كما لم توضع شروط للمتقدمين تساهم في اختيارهم لجنة مكونة من اعضاء من محكمة التمييز وممثلي الامم المتحدة وهيئة النزاهة بالتعاون مع مجلس النواب.ولم يكن مستغربا ان تصمت هذه المفوضية صمت ابي الهول ازاء تشريع قانون انتخابي مجحف يتناقض مع مفهوم توسيع نطاق المشاركة والتمثيل،وفي مقدمتها قضية الاصوات الضائعة والمقاعد التعويضية وتمثيل المهجرين والمهاجرين،ولا ينسجم مع وضع ضوابط تضمن عدم وصول افراد غير مؤمنين بالديمقراطية الى البرلمان،ومنع الممارسة الدكتاتورية في ظل الديمقراطية البرلمانية!ولم يكن مستغربا ان تقبل لنفسها دور الدركي الذي يطبق وينفذ قانون انتخابات يعيد انتاج الطائفية السياسية وبما يتعارض مع مباديء الدستور الذي اقر بمساواة العراقيين بغض النظر عن آرائهم الفكرية والسياسية ومنحدراتهم الاجتماعية والطائفية والدينية والقومية ويكرس مبدأ الغنيمة السياسية.وماذا تأمل من مفوضية تدعي انها مستقلة وتبيح اللصوصية المشرعنة كما حصل في انتخابات مجالس المحافظات اوائل عام 2009 عندما سرقت القوائم الفائزة مليونين وربع المليون صوت،اي اصوات قوة معارضة هائلة لا يستهان بها؟!!وسط تضليل بائس مورس بحق الشعب العراقي،لايصال من هم غير مؤهلين للوصول الى الهيئات التشريعية،يتحكمون بمصيره ومستقبله ومستقبل البلاد الجريحة.هل من المعقول ان يصوت ناخب لكيان سياسي معين ويذهب صوته في النهاية الى كيان آخر لم يصوت له وتحت غطاء قانوني؟ان صمت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ازاء تشريع القانون الانتخابي المجحف هو بحد ذاته فساد انتخابي يستدعي المسائلة والحساب ويرتقي الى مصاف جرائم الفساد الكبرى!قبل ان يجري التطرق الى الميليشيات الانتخابية والانتهاكات الفاضحة وممارسة التهديد!
تعرف الميليشيات وفق المنظمات الدولية المعروفة انها تنظيمات شبه عسكرية تتكون عادة من مواطنين متطوعين كقوات تابعة للجيش النظامي او كمنظمات مسلحة تابعة لاحزاب او حركات سياسية او كقوات دفاعية يقع تشكيلها من طرف سلطات او مواطني منطقة سكنية او جغرافية محددة في اطار جهوي بحت.وقد اختبر العراق الميليشيات بجناحيها المنفلت التي ترفض سيادة الدولة والقانون والديمقراطية وتعتمدها في افضل الاحوال لغايات تكتيكية،والمنضبط المتمثل بالشركات الأمنية كميليشيات عصرية تحاول القوى السياسية العراقية المغفلة تقليدها في الهيكلة والاعداد والجاهزية!والميليشيات وبعيدا عن حجمها واسمائها وتصنيفها ومرجعيتها واجندتها السياسية،واساليب العنف التي تستخدمها،ومدى مشروعية وجودها القانوني في الساحة السياسية،او حجم التعاطف الشعبي معها في الشارع العراقي،كانت ظاهرة غير صحية بل كارثية لا يمكن ان تستقيم الامور وتسير العملية السياسية وتترسخ الممارسة الديمقراطية بوجودها،اذ ان هذا الوجود يؤشر ايضا الى ضعف الدولة ومؤسساتها العسكرية والامنية!وادى تعاظم دور الميليشيات الى التمترس ومفاقمة الأوضاع،فضلا على خروج مجاميع متطرفة منها عن السيطرة،امتهنت الاجرام والقتل والخطف”والعلس”..الخ.ان الميليشيات كذراع عسكري لمنظمات واحزاب سياسية او كادوات مسلحة لتنفيذ اهداف سياسية محددة،جرى ويجري توظيفها في الصراع التنافسي على السلطة،وفي التصفيات واعمال التطهير الطائفي مما سمم الاجواء السياسية العامة وعقد العلاقات بين القوى وكرس العنف طريقا لحل الخلافات.
الميليشيات هي المسؤولة الاولى عن العنف المتعمد بدوافع سياسية ومذهبية وانتخابية ضد الاهداف المدنية لأغراض التأثير على ابناء الشعب العراقي،المسؤولة الاولى عن الاعمال الاجرامية التي من شأنها اثارة الرعب في نفوس العامة مهما كانت طبيعة الاعتبارات السياسية او الفلسفية او الآيديولوجية او الراديكالية او العرقية او الدينية او اية اعتبارات اخرى تستغل لتبريرها!وقد ساهمت الميليشيات الانتخابية بفاعلية في اطلاق الوعود الكاذبة واشاعة اجواء الخوف عبر اعمال القتل والاغتيال وشراء الاصوات والولاءات بالمال السياسي والمال العام الذي يكون تأثيره عادة اقوى من آثام المذابح الطائفية واخفاء مصادر التمويل وتمزيق الملصقات والصور،وعدم حيادية وسائل اعلام الدولة واستخدام وسائل ومناصب الدولة ومؤسساتها(اقامة التجمعات الانتخابية في مبان حكومية واستخدام وسائل النقل التابعة للحكومة)،ومحاصرة”المنافسين”الآخرين بشتى الوسائل غير المشروعة،وغياب قانون الاحزاب،وغياب البرامج الوطنية الواضحة،وفضائح الشهادات المزورة،الاصرار على جعل المساجد والحسينيات منابر دعاية انتخابية.ومن المؤسف حقا ان تقع المحكمة الاتحادية العليا هي الاخرى في مستنقع الفساد الانتخابي عندما تتجاهل شكاوي القوائم الانتخابية والقوى السياسية التي رفضت التعديلات المجحفة على القانون الانتخابي.
كانت الميليشيات الانتخابية احدى اهم مظاهر الفساد الانتخابي في انتخابات 7/3/2010،وهي نتيجة منطقية و عاملا رئيسيا في ولادة ظاهرة مقاولي الاصوات والسمسرة الانتخابية،والتخصص في نقل الناخبين خلال فترة الدعاية والاقتراع بعد ان يتسلموا الهبات المالية والهدايا العينية الموعودة،وبعضهم اصحاب مضايف وملايات.وتسببت الميليشيا الانتخابية بتوسيع عملية شراء اصوات الناخبين واستغلال معاناة سكان الاحياء العشوائية عبر ايقاف تهديدهم بالترحيل ومساومتهم بوعود ضمان امتلاكهم اماكن سكن قانونية،وتشغيل الآلاف من ضحايا البطالة لتأدية مهمة وضع الملصقات على جدران البنايات والحواجز الاسمنتية وتمزيق ملصقات الخصوم السياسيين.وبحماية الميليشيات الانتخابية قام قادة بارزون في القوى السياسية المتنفذة بالدخول الى مراكز العد والفرز والتدخل في سير العملية(بينما لم يسمح لممثلي بعض القوائم بدخول مركز العد الوطني)،وقام عدد من الموظفين بالتلاعب في النتائج من خلال البيانات التي تدخل في عمليات العد والفرز بواسطة الحاسوب،والتزوير الواسع على مدى ساعات عمليات الاقتراع والتأخير في الاعلان عن النتائج،وتأشير اوراق اقتراع الناخبين الذين عزفوا عن المشاركة والاقتراع بدلا عنهم،ومهزلة انتخابات الخارج واستبعاد واسقاط الآلاف من اصوات العراقيين بحجج واهية،كل ذلك يضع علامة استفهام امام شرعية الانتخابات.
والميليشيا الانتخابية تفسر اندفاع القوى التي هددت وتهدد باستخدام السلاح في حال خسارتها!وتواجد بعض اوراق الاقتراع وعددا من ارقام اقفال الصناديق يوم 8/3/2010 مرمية في شوارع بعض المدن،ولغز المرشحين الذين لم يحصلوا الا على رقم 0،ومحاولة 4 قضاة من المحكمة الاتحادية فتح صناديق الاقتراع عنوة،وخطف نجل مساعد بارز لرئيس مفوضية الانتخابات تزامنا مع ازمة نتائج الانتخابات والطعون التي قدمتها اطراف عديدة،واخيرا وليس آخرا عودة الاصطفافات الطائفية(التخلي عن روح الاعتدال ابان الحملة الانتخابية)وتراجع مواقع الاسلام السياسي الليبرالي.لقد استطاعت القوى المتنفذة على مدى سنوات حكمها ان تؤسس لها مواقع لا تستطيع التخلي عنها بسهولة،لما قام به كل هؤلاء من خروقات قانونية ومالية واشتراك كامل في الاعمال الارهابية،تؤدي بهم في حال انكشاف امرهم الى المثول امام العدالة،وأسسوا لامبراطوريات من الفساد والرذيلة،يتستر بعضهم على بعض،بحجة ضرورة استمرار العملية السياسية وعدم التراجع الى الخلف.
الانتخابات في عرف الفكر القومي والطائفي نزهة ديمقراطية لا احدى الصيغ الديمقراطية التي تتبعها المجتمعات المتمدنة والمتحضرة في العالم،وكلما كانت الممارسة الديمقراطية نزيهة وحرة وشفافة تعكس مدى التطور والتقدم وارتفاع الوعي الوطني عند هذا الشعب الذي مارسها،وتعكس درجة الديمقراطية التي يتعاطاها ويتمسك بها ابناء هذا البلد.وليس هناك من طريق امام الفكرين،القومي والطائفي،كي ينهبا ويحتكرا المناصب الادارية سوى العنف والسلاح،كي يرهبا الشعب ويفرضا سطوتهما ويزور التاريخ وتزور الانتخابات،وهما يستمدان مرجعياتهما من العقلية الدينية والعشائرية،ولا يؤمنان بالديمقراطية كمفاهيم حضارية،ويتشابهان في الوحشية والتدمير لكل من يعارض افكارهما،ويضمران الحقد للمؤسساتية المدنية التي تؤمن بالمفاهيم الحضارية والديمقراطية كحقوق الأنسان ومبادئ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات.
تحسب القوائم المتنفذة حساباتها،لكن حساب سخط وتذمر الناس ومواقفهم الرافضة لمحاولات الاستخفاف بعقولهم،لا يجر حسابه.وامام ارادة الناس في تغيير الأوضاع تتلاشى المتاريس التي يختبئ خلفها من يعمل على اعادة انتاج المحاصصة والطائفية السياسية،سواء عبر تشريع قانون يسهل له ذلك،او عبر ائتلافات لا تختلف في شيء عن تلك التي عرفناها.وشعبنا العراقي ذاق الامرين من الحكم الدكتاتوري المقبور،والذي اكثر من تحدث عن الديمقراطية؟وكان لديه اسطبل وطني،لم يكن ليس اكثر من واجهة تجميلية؟فهل نحن مقبلون على برلمان يكون واجهة شكلية من اجل تلميع الحياة السياسية يقوم بتشريع قوانين تقود العراقيين الى الترحم على عهود سابقة؟
تطلع الشعب العراقي الى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لتكون الحكم العادل والمنظم الحيادي لتقرير مصيره بنفسه،لا ان تكون الوعاء الجامع للفساد المركب الذي يمنح التهور صفة الشجاعة واللؤم صفة الحصافة ويزور كل المفاهيم والقيم ويعطيها معان جديدة فارغة،وليلطم صاحب الحق على فمه كي لا ينطق بكلمة حق،ويتحول السارق الى سبع وشاطر!!وهي لا زالت تصر على ان الفرز اليدوي في مراكز انتخابية معدودة عملية صعبة ومعقدة للغاية!ياللعجب!فساد في وضح النهار يثير الاستهجان والاستنكار،وهو اعتداء صارخ على جوهر الديمقراطية واغتصاب للاصوات،وشرعنة سرقة للقوائم الفائزة!لقد عبرت جميع القوائم التي خاضت الانتخابات الاخيرة عن عدم ثقتها بهذا الشكل او ذاك من العملية الانتخابية،والرفض والشكوك الواسعة في النتائج والتلاعب فيها باتت احدى العلامات التي ميزت هذه الانتخابات ايضا وبشكل اوسع من سابقاتها،وبالتوافق مع النسب الأولية للنتائج التي درجت المفوضية على اعلانها بالتقسيط غير المريح!
على الشعب العراقي طرق كل الابواب الشرعية والقانونية دفاعا عن حقوق الناخبين وحرصا على اصواتهم،وتعزيز النضال من اجل قانون انتخابات عصري وحضاري وديمقراطي يقوم على تبني النظام النسبي والقائمة المفتوحة،وجعل العراق دائرة انتخابية واحدة تحقيقا لمصلحة الجميع وضمان لها،اي احترام صوت المواطن من اجل المشاركة وضد التهميش وشرعنة الاقصاء،ورفع الحيف عن الاصوات التي يتم الاستحواذ عليها بقوة القانون،وسن قانون عصري للاحزاب ينظم الحياة الحزبية على اسس صحيحة ويحد من تأثير المال السياسي في الانتخابات ومن استغلال فقر الجمهرة الواسعة من الناخبين وشراء اصواتهم والتأثير على خياراتهم بأساليب مشينة،واجراء التعداد السكاني،وتثبيت البطاقة الشخصية الالكترونية،وعدم اعتماد البطاقة التموينية في الانتخاب!
ولأجل عراق حر لا مناص من استمرار المطالبة باعادة فرز اصوات جميع الناخبين وادخال البيانات بأمانة ودقة تحت اشراف لجنة مستقلة تضم اطرافا اممية ومحلية محايدة وممثلي جميع الكيانات المشاركة في الانتخابات،وفي خلاف ذلك يمكن اعتبار الانتخابات غير شرعية وملغية!

بغداد
1/4/2010