الرئيسية » مقالات » من يفسّر الدستور ؟

من يفسّر الدستور ؟

يبدو أن معركة الانتخابات العراقية ما تزال في أوجها و ذلك على الرغم من إعلان نتائجها من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. و تحتدم حدة الجدل السياسي اليوم حول تفسير المادة (76 ) من الدستور العراقي و التي تنص على أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح (الكتلة النيابية) الاكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.

و على الرغم من أن الأطراف التي تختلف اليوم على تفسير هذه المادة من الدستور هي ذاتها تلك التي وافقت على وضع هذا الدستور فإن كلا ً منها يرى تفسيرا ً مختلفا ً لهذه الفقرة.

فالتفسير الذي تتبناه القائمة العراقية بزعامة الدكتور إياد علاوي و التي حازت على أكبر عدد من المقاعد في نتائج الانتخابات الأخيرة التي أعلنتها المفوضية يعتبر الكتلة النيابية المعنية بالدستور مقتصرة فقط على الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد المعلن عنها في نتائج الانتخابات البرلمانية. أما وجهة نظر إئتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي فتفسر عبارة الكتلة النيابية الأكثر عددا ً بأنها الكتلة التي تشكل أكبر تحالف مع الكتل الأخرى في المجلس النيابي الجديد . لذا فقد عمد البعض و في محاولة للخروج من هذه الأزمة إلى اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا لفضّ النزاع و حسم موضوع تفسير الدستور. و هو ما رفضته القائمة العراقية جملة ً و تفصيلا ً على اعتبار أن هذه المحكمة غير معنية بتفسير فقرات الدستور و أنها غير تخصصية.

و هذا يعني أن العراق من وجهة نظر سياسية أصبح في وضع لا يحسد عليه و هو ما يهدد بفراغ سياسي كبير في حال عدم الاتفاق على تحديد الآلية التي يجب اعتمادها لاختيار الحكومة العراقية الجديدة.

و يعزو بعض المراقبين السياسيين هذا النزاع إلى اختلاف الأجندات السياسية لهذه الكتل و في معظم الأحيان التأثير الإقليمي لدول المنطقة في قراراتها. مما يجعل الأمر أكثر تعقيدا ً و أشد خطورة.

فمنطقة الشرق الأوسط و الخليج تحديدا ً تشهد صراعا ً قويا ًعلى النفوذ بين الولايات المتحدة و حلفائها من جهة و بين إيران و من يناصرها من جهة أخرى ، فيما لم يتمكن سياسيوا العراق على ما يبدو من إيجاد حالة من التوازن بين الشد و الجذب الذي يعصف بدول المنطقة.

و في حال استمر هذا النزاع بين الكتل السياسية في العراق فإن مجمل العملية السياسية سوف يكون في خطر شديد لا سيما و أن الدستور العراقي لم يعد الفصل و الحكم في قضايا مصيرية كهذه. و هذا ينذر بأمور عدة في مقدمتها خروج بعض الأطراف السياسية عن إطار الدستور و إرجاع البلاد إلى نقطة البداية قبل سبع سنوات.

إن حالة التخبط السياسي هذه سوف تؤدي و بلا شك إلى زعزعة ثقة الكثيرين بقدرة الدستور العراقي على حل الكثير من المعضلات التي تبرز هنا و هناك مع كل يوم تتقدم فيه العملية السياسية نحو منعطف أو مرحلة جديدة . و لا يعلم أحد ما هو مصير العملية الانتخابية و المسيرة الديموقراطية في العراق؟ و هل يمكن الوثوق بقدرة هؤلاء السياسيين على حل هذه الأزمة بالتوافق أم أن الأمر سوف يشهد تدخلا ً أمميا ً عاجلا ً لتجنيب العراق مخاطر اللجوء إلى الشارع و بالتالي الخروج عن المسار الديموقراطي و الدخول في نفق مظلم من الاحتمالات الغير حميدة العواقب؟

إن إبقاء العراق في دوامة تفسير الدستور و صعوبة تحديد الحُكم المناسب و الجهة التي سوف تحدد رئيس الوزراء الجديد سوف يؤدي و بحسب عدد من المراقبين السياسيين إلى اللجوء إلى الشارع العراقي و هو الأمر الذي تبدو ملامحه في طور التشكيل لا سيما و أن جهات عدة خرجت في مسيرات شعبية غاضبة للتنديد بنتائج الانتخابات في حين ظهرت دعوات أخرى تنادي باستفتاء شعبي جديد لحسم موضوع رئيس الوزراء القادم.

و في الوقت الذي يطمئن فيه عدد من السياسيين العراقيين الجمهور الواسع بضمان سير العملية الديموقراطية في العراق وفق المسار القانوني و بعيدا ً عن أية أفعال خارج أروقة السياسة ،يتخوف المواطن العراقي من عاصفة جديدة من العنف تذكر بأيام العام 2005 المليئة بالاصطفافات الطائفية التي أجمع العراقييون كلهم على رفضها.

و يبقى الحل النهائي في أيدي من وضع الدستور في إنقاذ العراق و تجنيبه أية نتائج تسيء لحاضره و مستقبله. و يبدو هذا الأمر صعبا ً في الوقت الحاضر طالما كانت المصالح الشخصية و الحزبية في عراق اليوم تتفوق على مصلحة الوطن و المواطن.