الرئيسية » الآداب » قراءة نقدية لنص (حلبجة) للشاعر شينوار إبراهيم

قراءة نقدية لنص (حلبجة) للشاعر شينوار إبراهيم


قراءة نقدية لنص (حلبجة) للشاعر شينوار إبراهيم


 



حلبجة

سحابٌ
عواصفٌ
رعدٌ
مطرٌ أسودُ
تمسحُ لحْنَ أغنيةٍ
منسيةٍ . .
بيْنَ الصَّفحَاتِ
سقوفُ أكواخٍ
ضائعةٍ
لَمْ تكتبْ بعدُ..
ريحٌ صفراء
تسرِقُ
نظراتِ الشمسِ
تأخذُ
لونَ
الأرْضِ
تكْتُمُ
صرخاتِ
طفلٍ . .
وتحرِقُ
ضحكاتِ
وردةٍ حمراءَ
لم تفقْ . . بعدُ
***
صمتٌ أبديٌّ
في السابعَ عشرَ
مِنْ
آذارَ . . . !!


حين ندخل إلى نصوص الشاعر شينوار إبراهيم ندرك أن الشاعر يمتلك رؤيا تسعى إلى تثبيت المكان الذي يكون عنده العنصر الذي يمتد مع رؤاه إلى الزمن وفق ذائقة الحلم ، حيث يتحول لدية المكان العلامة الأولى لكل أحلامه المنقادة إلى رؤاه الفكرية التي عن طريقها يمتد لترسيم الاستعارة لكل الأشياء الموجودة في هذا المكان ، وتحدث هذه الاستعارة من خلال أحداث انزياح في ترتيب المكان حسب رؤاه بانسيابية شفافة مع الاحتفاظ بالعمق لكل الموجودات التي ترمز لهذا المكان بحيث ندرك أننا أمام شاعر يمتلك القدرة على تنقل برؤاه وفق ذاكرة الأشياء في فكره معبرا عنها بلغة بسيطة العميقة بالمعنى الذي يريد الشاعر الوصول بها إلى المتلقي ، حيث أن انسيابية اللغة تخاطب شفافية الفكر وتقترب كثيرا من الحلم هذا ما جعل أغلب نصوص الشاعر تأخذ بنية حلميه تمارس تجاذبها مع المتلقي بلغتها الاستدلالية الشفافة مع روح المتلقي بصدق الدلالة التي تكون محور النص ، ونلاحظ سيميائية لغته التي تقارب مابين المستوى اللغوي والصورة الشعرية فلا يحدث تقاطع و انزياح متباعد عن محور معنى البؤري للنص ،فالشاعر يلامس الجوانب المختلفة من الموضوع الذي يطرحه وفق تجليات الحلم المرسوم في ذاكرته ويثبت هذه التجليات وفق أحداث الاستعارة المكانية ….

سحابٌ
عواصفٌ
رعدٌ
مطرٌ أسودُ
تمسحُ لحْنَ أغنيةٍ
منسيةٍ . .
بيْنَ الصَّفحَاتِ
سقوفُ أكواخٍ
ضائعةٍ

هنا الشاعر يرصد حادث مؤلم كبير حدث في منطقة حلبجة حيث نشعر أننا أمام حلم مرعب وكابوس حلمي كبير فنشعر بالصدمة الكبيرة لما حدث في هذه المنطقة فيبدأ الشاعر من الغرق في الأرض أي أنه يسعى إلى بنيان نص بتركيب الفكرة الأساسية لنصه وفق أحداث الانزياح إلى الجو المحيط حول هذه المكان أي أن الشاعر لا يدخل إلى الموضوع مباشرة بل يهيئ المتلقي للحدث القادم ليبث في روحه الصدمة الكبيرة التي حدثت في هذا المكان كي يصعد من هول الحدث ،أي أن الشاعر يخترق روح المتلقي كي يحدث التداخل الكامل مما يريد أن يوصله إليه( سحابٌ/ عواصفٌ /رعدٌ /مطرٌ أسودُ /تمسحُ لحْنَ أغنيةٍ /منسيةٍ . ./بيْنَ الصَّفحَاتِ / سقوفُ أكواخٍ ) وكأن الشاعر يرتفع بالمكان ورموزه إلى مستوى الحلم كي يحفرها في ذاكرة المتلقي كي يوصله إلى حالة التأويل الدلالي كي ينضج المعنى ، بهذا يريد الشاعر يخاطب الروح قبل الفكر لسعة وبساطة المعنى الذي يطرحه من خلال هذه الرموز الدلالية ….
لَمْ تكتبْ بعدُ
ريحٌ صفراء
تسرِقُ
نظراتِ الشمسِ
تأخذُ
لونَ
الأرْضِ
تكْتُمُ
صرخاتِ
طفلٍ . .
وتحرِقُ
ضحكاتِ
وردةٍ حمراءَ
لم تفقْ . . بعدُ


يستمر الشاعر وفق هذه الذائقة كي يستفز الذاكرة يبث بها هذا العالم المرعب من الدمار ، فهو يستدرج فكر المتلقي دون أن يخرجه من حلم الكابوس ، فيضيف المعنى التأويلي لكل الدلالات الأستعارية وبنزعة صوفية إلى حيث المكان الذي يرتقي بالمكنون الرمزي إلى فوق الحدث المكاني ، حيث نشعر أننا أمام مكان حدث فيه ما هو مأساوي كبير بلغة إحيائية بالرغم من التعبير الجمالي عن أهوال هذا الحدث ، فالشاعر لا يخرج عن ذائقة الحلم برموزه البسيطة التي تشع كل ما هو خراب والذي حدث في ذلك المكان ( حلبجة) فالشاعر لا يجرح ذاكرة المتلقي بقدر ما يريد أن يعمق المعنى الكبير لهذه المأساة التي أنتجت معاناة كبيرة لشعب أمن ، مستخدما أدواته الدلالية التي تعبر عن المحيط الجغرافي بجمالية وبساطة روح هذا الشعب كي يبن أن ما حدث له من مأساة ليس له علاقة بها بقدر ظنون الطغاة هي التي أحدثت هذه المأساة ( لَمْ تكتبْ بعدُ.. /ريحٌ صفراء تسرِقُ / نظراتِ الشمسِ ) فالشاعر يسعى بالبسيط ليصل إلى العمق الدلالي الموحي إلى هذا الفاجعة الكبيرة بإبادة هذا الشعب الأمن البسيط والجميل بروحه (تأخذ /لونَا/لأرْضِ/تكْتُمُ /صرخاتِ /طفلٍ . . /وتحرِقُ/ ضحكاتِ /وردةٍ حمراءَ/لم تفقْ . . بعدُ) والذي لا علاقة له بما يحدث حوله فالشاعر هنا يدخلنا إلى المأساة من خلال الحلم ويخرجنا بالصدمة الكبيرة التي تهز نفوسنا حول هذه المأساة فنخرج من هذا الحلم بألم وكابوس كبير من المعاناة …..
صمتٌ أبديٌّ
في السابعَ عشرَ
مِنْ
آذارَ . . . !!
وهنا يأتي الاستيقاظ من هذا الحلم الكابوس المتداخل مع المأساة الكبيرة ، مثبتا زمن الفاجعة بعد أن أسترسل عميقا بروح الشعب البسيط والجميل والمأساة التي حدثت له ، واضعا تاريخ الفاجعة كي يحفرها بالذاكرة أبدا ،فسر أبداع هذه الشاعر هو قد أوجد له طريقة خاصة بذائقته الشعرية التي يصل بها إلى روح المتلقي يبدأ بالحلم من خلال جمال الطبيعة ومفرداتها المتميزة في جغرافية هذا الشعب ومن ثم يدخلنا الكابوس ويصل بنا إلى هول المأساة التي حدثت وبعدها يدون تاريخ هذه المأساة كي يعطي إلى المتلقي أنه يتحدث عن مأساة حقيقية حدثت وليس مجرد حلم مر بذاكرته أي ينقلنا من الحلم إلى الواقع مثبتا هذا الواقع في ذاكرة التاريخ ، كي يثبت ديمومة هذه المأساة وهولها في ذاكرة الإنسانية .

عباس باني المالكي