الرئيسية » مقالات » الفنان فؤاد الطائي يستذكر

الفنان فؤاد الطائي يستذكر

وأنا في طريقي إلى “شرفة فؤاد الطائي” كنت أردد قصيدة سعدي يوسف هذه وأتساءل مع نفسي، أية شرفة تلك التي كتب عنها أبن يوسف هذه القصيدة، هل هي في العراق أم هنا في المنفى، الثلجي، فهو يقول ((…حتى وإن هطل الثلج…))، فها هو الثلج على طول الطريق إليه، وتلك هي البحيرة، وها هو “الشمال السويدي”، وها هي لوحات ومنحوتات فؤاد تتفتح “أنجمأ وأيائل”، كنت أخشى لقاء هذا الفنان المنزوي بعيداً عن الأضواء، له عالمه الخاص، بل عوالمه الخاصة، كنت أظن أنه سيكون صعب المراس، فهو المتمرد على السياسة والسياسيين، كلهم أصدقاؤه، لكنه يعشق فنه الذي أصبح زاده الروحي دون أي منافس.
شقة وفيها شرفة وقفت عندها، كل ما فيها فن في فن، بل أرشيف للفن، وأرشيف للسياسة والمجتمع، محطات كثيرة وأثيرة بكل ما فيها، من حلاوة ووجع السنين، لكن سنين الغربة كانت الأطول والأكثر إيلاما.
كان الحديث معه طويلا، لكنني سأستل منه ما يخص الذكرى وأنتظر استكمال بعد ذلك بمادة خاصة بفنه وبحياته، فحينما كلمته عن ذكرى تأسيس الحزب، تفتحت أساريره، وتوقدت ذاكرته، وإذا به يكشف عن أسرار جديدة لم يعرف بها الا القليلون.
يقول بدأ حسي السياسي مبكرا، منذ المرحلة الابتدائية في المدرسة، حيث حب الوطن واحترام العلم والأناشيد الوطنية، وحتى صورة الملك كونه يمثل رمزا للوطن، لكن في مرحلة الدراسة المتوسطة تطور الوعي السياسي، بفعل الأحداث السياسية العربية والعالمية، ففي العراق كانت الأحداث سريعة، وأتذكر سنة 1957م، حيث كان عمري 14 سنة، ساهمت للتمويه في تهريب سكرتير الحزب الشيوعي العراقي سلام عادل من بغداد إلى الديوانية، حيث كان أخي الضابط الطبيب الشيوعي مكلفا بالمهمة، كونه ضابط يمكنه بسهوله من اجتياز نقاط التفتيش، فأخذني معه بسيارته، كي لا يثار انتباه أحد، فوصلنا إلى منطقة في بغداد، فخرج شخص بلباس عربي “قروي”، يرتدي اليشماغ والعقال، وصعد معنا وتجاوزنا نقاط التفتيش من بغداد إلى الحلة، فسيارة يقودها عسكري ومعه صبي وقروي لم تثير انتباه أحد، ولم يطلبوا من عندنا إبراز هوية مثلا. وصلنا إلى أحد البيوت وتناولنا الطعام، ونقلوا سلام عادل إلى مكان آخر، هذه الحادثة ظلت في بالي، وغيرها من الأمور حيث بدأ اهتمامي المبكر بالصحف والمطالعة وقراءة الكراريس والكتب السياسية المبسطة، ورغم ان والدنا كان إقطاعيا فكانت مواضيع مثل الملكيين والرجعيين وعامة الناس تثير اهتمامي، كما بدأ اهتمامي بالشعر والقصة والرواية واطلعت على الأدب العراقي والعربي والعالمي قرأت أنيس منصور وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ونزار قباني ونهرو وفيكتور هيكو وهمنغواي والبير كامي وسيمون دي بوفوار وغيرهم، قرأت الصحف كالزمان والأخبار والبلاد، ومجلات كالمصور وآخر ساعة وروز اليوسف وصباح الخير.

وهنا يستذكر موقفا طريفا له مع أحد أصدقائه الذي كان أبوه صاحب مكتبة، فجرى الاتفاق أن يأخذوا كتبا منها و يقرؤونها بدون أن يفتحوا الورق المتلاصق كي تبقى وتبدو كأنها جديدة ولم تستعمل، مما يوفر لهم المال، كون الكتب كانت مكلفة آنذاك، ولكن كان عليه أن يقرأ بصعوبة الكتب ولكنه كان يتحمل ذلك الألم بسبب شغفه بالمعرفة.

من أرشيفة الصحفي

عمل مع اتحاد الطلبة والشبيبة، وعمل مع منظمة أنصار السلام، ومن ثم بعد ثورة 14 تموز بفترة أنضم إلى الحزب، بدأت اهتماماته الفنية بالبروز، ورسم صورة للزعيم عبد الكريم قاسم بعد تعرضه للاغتيال وسلامته، نشرت في جريدة البلاد وأرسلها إلى الزعيم، وكان جواب الزعيم له هو إهداءه صورته وعليها توقيعه الخاص، (الرسم وصورة الزعيم مرفقة مع التقرير)، نشط جماهيريا وفنيا وأخذ يرسم في الصحافة العراقية، وأخذت قراءاته تتسع فشملت أعلام الأدب الروسي دستوفسكي، تشيخوف، مكسيم غوركي، تولستوي، غوغول…، يتذكر مساهماته في النشاطات الجماهيرية منها المسيرة المليونية بعيد العمال العالمي وهي أول وآخر مرة خرجت فيها الجماهير بتلك الصورة والعنفوان.
بعد الانقلاب الفاشي 1963م، تعرض للاعتقال ثلاث مرات، وتعرض للأذى الشديد، وبدأ منذ ذلك الحين تشاؤمه من العمل السياسي. ويستذكر كيف أضطر لأخفاء كتبه ووثائقه، كان حس الفنان المرهف في دواخله الذي يحلم بعالم نزيه وعمل سلمي دون عنف، ويؤمن بلغة الحوار لا لغة القوة، فأبتعد عن السياسة متألما لكن ذلك لا يعني أنه تخلى عن مشروعه الإنساني الراقي، فبقيت أعماله تتحدث عن القيم العليا، وفي أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، كان له حضور من نوع آخر تميز بالنشاط الفني والاجتماعي المميز وكان ضمن الهيئة الإدارية في جمعية الفنانين العراقيين، وبسبب من إلحاح البعض، عاد إلى التنظيم لكنه ظل متمردا على التقييد فعنده الالتزام هو تقييد له، وعند إعلان الجبهة الوطنية وقف ضدها وعانى الكثير من ذلك. ويستذكر عندما يقول في الاجتماع أنهم بعثيون يقولون له قل “الحلفاء”، لذا بقي متمردا، لا ينفذ الا ما يقتنع به، وسبب ذلك حصلت مشاكل كثيرة بسبب عدم ادراك مكنونات الفنان كما هي والتزام الجانب الجامد من المعادلة الصعبة.
لوحة الذكرى ال 47 لميلاد الحزب لوحة الذكرى ال50 لميلاد الحزب

في سنة 1978، وعند بدء الحملة الشوفينية ضد الشيوعيين، التقى مع الرفيق مهدي عبد الكريم والذي طلب منه مغادرة العراق خلال أيام، كونه وجها مكشوفا وهنالك حملة نشطة لتصفية المعروفين والنشطين، فغادر إلى فرنسا ومن هناك إلى موسكو وبعد فترة التحق بمعهد السينما العالي في موسكو من سنة 1980حتى 1987، ليكمل دراسة الماجستير والدكتوراه في موضوعة “البناء التشكيلي”في الفلم الروائي” ويمارس خلال تلك السنوات نشاطه الفني والاجتماعي المتنوع بهمة وكفاءة وبحرفية أكبر، فبعد معارضه الشخصية والمشتركة في العراق، أقام في موسكو عدة معارض فنية وشهادات تقديرية لنشاطه في مجال الرسم والتصميم.
صمم بوسترات احتفالات الحزب بعيد تأسسيه بأحجام كبيرة (م7*5م)، “هنا نماذج منها” ، وحتى الجهات السوفيتية كانت تنتظر ماذا سيعمل الطائي من بوستر جديد هذا العام، بعدما شاهدوا أعماله.

لوحة الذكرى ال 48 لميلاد الحزب
بعد التخرج، غادر إلى السويد، وهنا أقام عدة معارض ولازال يعمل بجد ونشاط، لم يترك أسلوبا أو عملا لم يجربه، فهو يحمل قطعة الخشب المرمية في الشارع ليعمل منها عملا نحتيا، أو يجمع الأغلفة الداخلية لعلب السكائر أو أغلفة الحلويات اللماعة والملونة، ليعمل منها لوحاته، ومن الأكلات الشعبية يعمل لوحات فوتوغرافية خلابة، مستعينا بأرهاصات الطفولة ومجسدا لها.
و هكذا هو اليوم يقدم فنا جديدا وإبداعا جماليا مدفوعا برغبة حقيقية نابعة من دواخله لأحياء تلك الطاقة الكامنة في روحه وتعبيرا عن روح التحدي الذي في داخله.
يقول فؤاد الطائي، رغم أن لي موقفا الآن، من عالم السياسة وتداعياتها، فلا أنكر الدور الكبير الذي لعبه “الحزب الشيوعي العراقي” في حياتي وحياة جميع الفنانين والمثقفين العرقيين، بل كان المدرسة الكبيرة لهم جميعا.
يملك فؤاد الطائي أرشيفا كبيرا من الذكريات والنصوص والصحف والتصاميم و النتاجات التي لا تحصى، بل هنالك العديد من المشاريع الكبيرة التي ستكون عونا للأجيال القادمة من فنانين ومثقفين، عن كل تلك الأمور ستكون لنا معها وقفة خاصة بعيدا عن أجواء السياسة.