الرئيسية » مقالات » ملعون ابو هالزمن…!!

ملعون ابو هالزمن…!!

تدور الشمس حول نفسها، ووجهها الحزين نحو غزة ، تسمع أنات أهلها على الرغم من ضجيج موتورات الكهرباء المهربة عبر أنفاق الموت والثراء . تصم آذان ساكنيها من الحيوانات والطيور،والزواحف . الغازات السامة ،تحتضن سقف غزة ، تعكر أمواج بحرها الذى يحرسها من الغرب . ترسل أشعتها البنفسجية ، والحمراء، وفوق الحمراء مخترقة القهر، وظلم ذوى القربى فى محاولة لتلقيح العقول الصماء والمغلقة. ومع انبلاج الصباح الجديد ، المتخم بالوجع والهم لأهالى غزة ، تسارع عقارب الساعة للتوقف الفجائ معلنة عن تجميد الزمن ، احتجاجا على نهب الغلابا ، واستغلال عوزهم ،وإهمال أوضاعهم ، فاللصوص ،وتجار الانفاق يتكاثرون كالاميبيا ، والهالوك البشرى يمتص دماء الفقراءوالكادحين .

حسن المواطن الغزى النائم الصاحي ، والحالم بغد مشرق ، المنتشى بنجاح اخراج الفيلم الوثائقى ” معين بسيسو”البطولة والتضحية الذى عرض على شاشة فضائية فلسطين الفلسطينية . يصحو على طرقات مزعجة على باب منزله ، كدوى مطرقة تهبط من السماء على شجرة سنديان معمرة ، حفر الزمن على لحائها المتشقق عمرها الزمنى والعقلى . يتتابع الطرق بعصبية على الباب المخلوع الا من رحمة الرب ، يحس بأيادى مرتعشة وهى تدق الباب بعنف وعصبية ، يسمع لهاث وأنفاس متوترة ومتقطعة ، صرخات مدوية فى حي الزيتون ، هذا الحى الباسل ،القابع فى الخطوط الأمامية الشرقية الجنوبية من مدينة غزة فى مواجهة العدوان الإسرائيلى المتواصل ، يدفع ثمن خلوده ،وينال نصيبه من الشهداء ، ودمار البيوت والمصانع وورش الحدادة . يفيق حسن مذعورا وزوجته وأبناؤه الأربعة يلتفون حوله، يلتصق الأطفال بأمهم، يودون أن تعيدهم إلى رحمها الأكثر أمنا وأمانا ،وهم الذين لم يتجاوزوا سنى الطفولة. يمسح حسن عرقه من شدة البرد القارص فى تلك الليلة المشؤومة ، ومع تسارع الطرق على الباب ، يفيق أهالى الحى ، يتابعون عبر نوافذهم ما يجرى ، بعيونهم وبآذانهم كل صورة وهمسة وحديث علهم يعرفون السبب والنتيجة ، دون أن يخرج أحدهم للشارع، والتدخل خوفا من العواقب.

تتدافع دقات قلب حسن ، يرتفع ضغطه ، وهو الجريح برصاصات القناصة الاسرائيليين ،سببت له عجزا جسديا طوال حياته ، هو الذى فقدت عائلته بيتها المكون من ثلاثة طوابق بفعل التدميروالقصف الهمجى إبان العدوان الإسرائيلى الأخير على قطاع غزة ،مما اضطره الى إستئجار بيت قديم له ، وكذلك فعل أخوه الكبير.

تتصارع الأفكار، وتتزاحم الذكريات والحكايات المؤلمة التى كان المواطنون يروونها فى مثل هذه المداهمات الليلية، يسترجع حسن الذاكرة بلمح البصر ،متوتر الأعصاب ، فاقدا الأمل، أخذ يتمتم ويقرأ آية الكرسى حسب وصية والده . حسن لا يعرف هوية الطارق ؟؟ هل هم الإسرائيليون ، أم قطاع الطرق ، أم…؟؟ استجمع قواه ، عادت إليه رجولته فهو لا يريد أن يظهر أمام زوجته وأبنائه بجبن اوخوف، ومع تزايد الطرق على الباب ،يحدث نفسه دون صوت ، من هذا الذى يتسكع فى هذا الظلام المرعب ؟ أين فعالية الحواجز الليلية المنتشرة بحجة الحفاظ على الأمن والنظام ، لا يرى أصبعه ،فكيف يمكن أن يعرف هوية الطارق ؟؟ فتيار الكهرباء الممسك بخناق أهالى حى الزيتون ، وباقى الأحياء يستقبلونه حسب أولى الأمر منهم ، من هذا الذى يفكر أن يسرقه ، أو يحاول أن يزعج زوجته وأبناءه ، ويوقظهم فى هذه الليلة التعيسة ؟؟

تذكر حسن همجية العدوان الأخير على غزة ، وما تعرض له حى الزيتون الملاصق لتوأمه حى الشجاعية ، ألم يعلم القادمون أن أطفاله قد باتوا ليلة الأمس بلا كوب حليب ، أو طعام ساخن يدفئ معداتهم ، ويمنحهم القوة لمواجهة الغد ، فأطفاله عليهم الاستيقاظ مبكرين ، يمارسون حقهم فى التعليم والحياة ، والذهاب الى المدرسة بأقدامهم وملابسهم المتواضعة ؟ أليس من حق الأبناء على الآباء توفير الحياة الكريمة لهم ؟؟إنهم يحلمون بيوم جميل يتمتعون به بالامن والامان ، وبرائحة زيتون غير ملوثة برائحة التهريب ، وليست مغمسة بعوادم المحروقات المختلفة .هم بحاجة ماسة لكراريس وأقلام يرسمون عليها خارطة الوطن الضائع.

بعد تردد وحذر، فتح طرف الباب لمعرفة هوية الطارق ، يا للعجب انه مالك البيت الذى استأجره بعد هدم بيته الحقيقى ، وهو يرتعش ويرتعد خوفا ، وتصطك أسنانه من الخوف ، وكأن ثعبانا لسعه ، او وخزته عقربة سامة ،وبصوت متلعثم ، مقطع، كصوت التلفاز جراء تحليق طائرات الاستكشاف فوق سماء غزة ليلا ونهارا قال : يوجد جماعة تحت يريدون أخيك . صمت أطبق على حنجرته ، وجواب مشروع ، قل لهم: أن يأتوا صباح الغد ،وأردف قائلا : هل يوجد أحد فى هذه الساعة من الليل يسأل عن أحد ؟ لم يكمل جوابه المشروع حتى انقض عليه جملة من المسلحين المدنيين وهو فى ملابسه الداخلية ، يسحبونه مثل كبش إسماعيل للذبح ، يدفعونه من أعلى الدرج فى الدور الثانى إلى اسفله ، ليشاهد عشرات المسلحين المدججين بالسلاح ، وبالسيارات المكتظة أسفل البيت دون أن يكشفوا عن أنفسهم ، من هم ؟ ترجاهم أن يسمحوا له بتغيير ملابسه الداخلية لكنهم رفضوا ، أننى أموت من البرد، ارجوكم اريد أن أغير ملابسى ،وبعدها اسحبونى إلى أى مكان تريدون !!! لكنهم جروه وقذفوه مثل شوال من الطحين إلى داخل إحدى سياراتهم التى لا تحمل أى رقم .

أطفاله يتركهم وهم يولولون ، يصرخون ويشتمون ، عيون الجيران تتابع بألم ما يجرى من اهانة واستفزاز ، وامتهان لكرامة الإنسان الفلسطينى ، خصوصا أن أهالى الحى يعرفون حسن، يهتم بالفن والإخراج، وطيب يحب أهالى الحى . الجميع يتحسر، لم تنجح صرخات الاحتجاج على هذه المهانة ، والواقع المأساوى والكارثى الذى يعيشه الأهالى فى غزة ، ولم تنجح محاولات البعض قذفهم بالسباب أو الحجارة.

صرخ حسن بأعلى صوته الى أين تأخذوننى ؟؟ هل الى أحد المسؤولين الكبار ، هل طلبنى شخصيا ، ربما اخطأتم فى العنوان ، ربما فى الاسم ؟ هل الموضوع خطير جدا يستدعى هذه الحملة العسكرية حتى لا تنتظروا بزوغ الصباح ؟ التخيلات تلاحقه والاسئلة تحتاج لجواب.. ماذا سيحل بزوجته وباطفاله الأربعة ، ماذا يقول ويتقول أهالى حى الزيتون ، عندما يسمعوا ما جرى لى ، هل أنا عميل ، هل أنا فتح ، هل اجرى اتصالات مع أهلنا فى الضفة الغربية باعتبارهم قوى معادية يحظر الاتصال بهم ؟ هل أنا خائن لوطنى ولشعبى ولقضيتى الوطنية ، هل أنا سارق ،أسئلة تتزاحم ولا يعرف اجاباتها ،بقيت مجهولة أصيب بالدوار للحظة ، وتصور أن تنطلق صلية رصاص من اسلحتهم الرشاشة، ولكنه توقع أن يطلقوا النار على ساقيه ليصبح مقعدا للابد ، فلا ينفع زوجته ولا أبنائه ، يا للهول ، يا للصدمة ، يا للحظ العاثر الذى أحاط بي ، دعونى أودع زوجتي وأبنائي وأهلي وجيراني إن كنتم قد أخذتم قرارا بتصفيتي دون محاكمة فلا يهم .

فجأة يشير اليه أحد المسلحين بعدم الكلام والحديث ، وعليه الاجابة عن كل سؤال بالاشارة فقط ، وسأله : أين بيت أخيك الكبير ؟ وجاء الرد باصبع السبابة للشهادة على روحه ، وبالاشارة دون كلام او حديث . سارت السيارات بسرعة محدثة صوت سحق عجلاتها بالأرض ، معلنة حملة جديدة فى اتجاه بيت أخيه ، وعند وصولهم لبيت أخيه طلبوا منه أن ينادى عليه بصوت عالى ، ثم سحبوه من كتفيه المتلاصقين الى السيارة ، وعندما فتح أخيه الباب اقتحم بعض المدججين بالسلاح البيت دون إذن أو إعتبار لحرمة البيت ،وباشروا التفتيش فى الغرف ، وقلب كل أثاث البيت ، ومجموعة أخرى أجبروا أفراد العائلة على الوقوف ملاصقين للحائط دون حركة أو همس ، وآخرون حاولوا الدخول الى احدى الغرف التى تبيت فيها بناته الصغار، انتفضت الأم ، وأمسكت بتلابيب أحدهم ، وصرخت بأعلى صوتها ، لن تدخلوا الغرفة إلا على جثتي ففوجئوا ، وتراجعوا أمام ثورتها وغضبها الشديدين .

سمع حسن أحد المدججين بالسلاح يهمس فى أذن أحدهم لا يوجد أحد ، فتصاعد الدم المجمد فى عروق الأخ الكبير وبأعلى صوته احتج على مداهمتهم لبيته ، وعلى هذا السلوك ، ودافع عن نفسه بقوله : نحن نبحث عن لقمة خبز بكرامة وليست مغمسة بالدم ، خصوصا بعد أصابتنا بجراح متعددة من العدوان الاسرائيلى الأخير على قطاع غزة ، وبيوتنا قد هدمت وأصابها الدمار ولم تعد تصلح للسكن ، وعيب عليكم أن تمارسوا مع أبناء وطنكم هذه الممارسات السيئة التى ستجلب الدمار عليكم ، وبمثل هذا التصرف لن يحبكم احد ،أجابه أحد المدججين بالسلاح : أنا آسف ، فرد عليه : وماذا ينفع الأسف بعد هذه الفضيحة ،فرد صوت آخر من المسلحين قائلا : خمسين آسف ، وانسحبوا من البيت ، واللعنات تلاحقهم ، بعد ان اجبروه وأخيه على توقيع ورقة لا يعرف محتواها ، وتركوا حسن ، بعيدا عن بيته، ليضطر أن يعود فى صباح اليوم التالى سيرا على الاقدام ،ليستقبله أطفاله وزوجته والجيران بالاحضان ،ويتجمع المهنئون من الاهالى والجيران، ويصرخ أحدهم من شدة الغيظ ، ملعون أبو هالزمن ، الموت ولا المذلة ، وما بيشيل الرأس سوى الا ركبه. 

غزة – فلسطين
الخميس 1/4/2010