الرئيسية » بيستون » هكذا رأيت العراق-3

هكذا رأيت العراق-3

حين يتحدث أي مواطن عن الحقائق الدامغة التي شاهدها بأم عينيه على الطبيعه ليس القصد من ذلك أغضاب المسؤول أبدا وأنما القصد الأساسي من وراء ذلك هو تشخيص مكمن الخلل نتيجة التقصير ومن واجب المسؤول أن يتلقى تلك الحقائق بصدر رحب ويطلع بنفسه على مايكتب ويتحرى الحقيقة وأن لايبقى متقوقعا في مكتبه لأنه جاء الى المنصب عن طريق الشعب وعليه أن يكون خادما لشعبه وليس متعاليا عليه ينظر أليه من عل ويبقى في برجه العاجي بعيدا عن هموم الناس وقضاياهم الملحة وألا سيذهب غير مأسوف عليه وسيحكم عليه التأريخ والناس بالفشل في مهمته الأخلاقية والوطنية ومن خلال زيارتي لوطني الجريح العراق شاهدت كثيرا من مواطن الضعف والخلل وهي أكبر من أن يخفيها المسؤولون ويتغاضوا عنها لأنها كبيرة وعلى كل واحد منهم تحمل مسؤوليته كل بقدرأمكاناته التي عاهد الشعب بها قبل تسلمه السلطه وأستطيع أن أتحدث بكل صدق وأمانة عن الظواهر السلبية التي شاهدتها في محافظة واسط وأجزاء أخرى من خارج المحافظةلاشك أنها تمثل جزءا من العراق وليس حظ المدن الأخرى التي لم أشاهدها بأفضل منها عدا منطقة كردستان العراق التي تشهد تقدما ملموسا والظواهر السلبية التي سأتناولها يحتاج كل منها ألى مقال واف لكي أعطي لتلك الظاهرة السلبية أبعادها ونتائجها لكنني رغبت بأن أمر عليها سريعا وأدونها على شكل نقاط سريعة لكثرتها والمثل يقول الحر تكفيه الأشارة لمن يريد أن يقرأ ويتابع من المسؤولين الكبار والصغار كل حسب موقعه وقد تناول العديد من هذه القضايا غيري من الكتاب ولكنها بقيت على حالها دون حل لابل تفاقمت أكثر بمرور الزمن رغم انحسار الأرهاب في هذه المناطق التي سأكتب عنها وقد وجدت نفسي ملزما بدافع حبي لوطني تلخيصها :

1-معظم الشوارع في مركز مدينة الكوت والمناطق الأدارية التابعة لها في حالة يرثى لها ومملوءة بالحفر الكبيرة والصغيرة وتنبعث منها الروائح الكريهة نتيجة سريان المياه الثقيلة فيها وتتخلل هذه الشوارع البائسة أطنان من القمامة التي تتجمع يوما بعد يوم في القطع السكنية المهجورة وعلى حافات الشوارع وقد تحولت ألى تلول ضخمه تتراكم علها أنواع الحشرات وترتادها الكلاب والقطط السائبة والأغنام والأبقارالتي يتركها أصحابها تسرح في هذه الفضلات التي أصبحت كثيرة في هذه الأيام وقد أصبحت مصدرا مهما لنقل الأمراض وتلوث البيئه وكأن الأمر أصبح عاديا بالنسبة للمسؤولين في بلدية محافظة واسط حيث يتفاقم الأمر بمرور الأيام وحين تجود السماء بماء الله العذب المبارك بسم الله الرحمن الرحيم : (ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد .)9-10 ق .تتقطع أوصال المدينة ويتعذر الوصول ألى بعض مناطقها وخاصة الطريق المؤدي ألى الجامعة حيث برك الأوحال في كل مكان.

2-دوائر الصحة والعيادات الطبية الحكومية عبارة عن بنايات وديكورات خارجية فقط وقد هجرها معظم المواطنين وخاصة الفقراء منهم والذين أنشئت لهم هذه المراكز الطبية بصورة رئيسية لأنعدام الخدمات فيها وافتقارها ألى أبسط الأدوية أما العيادات الخارجية فهي مزدحمة دوما بالمواطنين لكثرة أنتشار الأمراض بين طبقات الشعب وخاصة الفقيرة وأجرة الطبيب العادي فيها من 10آلاف دينار ألى 15 ألف دينار عدا التحاليل وما يرافقها وهي بأسعار باهضه تكلف المواطن عشرات الآلاف من الدنانير ولو راجع الموظف الذي راتبه نصف مليون دينار كمعدل فأنه سيفقده من خلال مراجعتين أو ثلاث مراجعات وقد عالجت أسناني عند أحد الأطباء بمبلغ نصف مليون دينار فكيف بالشخص المعدم الذي لايملك من حطام الدنيا شيئا ولا يوجد أي ضمان صحي للفرد العراقي ؟ سؤال أوجهه ألى المسؤولين في محافظة واسط عسى أن يجيبوا عليه والأنكى من ذلك أن هذه العيادات الخارجية تفتقر ألى أبسط متطلبات النظافة ومن دخل فيها يعرف ذلك تماما .

3-أن من يلقي نظرة على نهر دجلة نهر الخير والعطاء لابد أن تنتابه موجة كثيفة من الأسى والحزن أو ربما سيذرف الدموع عليه لما حل به ولم يعد أبدا (دجلة الخير )ولا (أم البساتين )كما وصفه الشاعر الكبير الجواهري فهو بالأضافة ألى انحسار مياهه لدرجة النصف تقريبا فأن أهله الذين شربوا ماءه ورووابساتينهم ومزارعهم منه جعلوه مكبا للنفايات من آثار البناء والأثاث التالف وأصبح مرتعا للكلاب السائبة تحفر في قاعه الحفر والكهوف وتتوالد فيه وتتكاثر يوما بعد يوم أضافة ألى أن نهرا من المياه الثقيلة يأتي من داخل المدينة ليصب فيه وقد رأيت (شفلا) يحاول غلق هذا النهر من المياه الثقيلة بأطنان من التراب المتواجد في النهر وهو حل غير جذري لايغني ولا يسمن من جوع. لقد أصبح هذا النهر العظيم يعيش خطرا حقيقا وهومعرض لأكبر عمليات التلوث أذا لم يتدارك المسؤولون لأنقاذه.

4-ظاهرة التريس الخصوصي بلغت أوجها في الدينة بعد أن أصبحت المنافسة محمومة بين التدريسيين لآقتناء المال على حساب العوائل الفقيرة التي لها العديد من الأولاد والبنات وأصبحت (الملازم )التي يعدها هؤلاء المدرسون التجار بالعشرات وهي تتكاثر كالأميبا يوما بعد يوم وقد قرأت ملاحظة مخجلة لأحد التدريسيين دونها على ملزمته يقول فيها (عزيزي الطالب لاتخدعك البراميل الفارغة التي تبعدك عن النجاح ) و يقصد بذلك زملاءه من الذين ينافسونه على هذه (الملازم) الكارثه التي تبعده تماما عن الكتاب المقرر وتطلب منه أن لايفتحه لأنه (مشوش للذهن) و (مربك للطالب )كما يصوره التدريسيون ومن غرائب الأمور أن التدريس الخصوصي قد شمل المرحلة الأبتدائية أيضا أعتبارا من الصف الأول الأبتدائي وما دامت لاتوجد ضوابط والأمر فوضى ومديرية التربية في سبات تام لايهمها مصير الطالب ولا المبالغ التي تدفعها عائلته من قوت يومها فلماذا لايتفاقم الأمر؟ وعندما سألت حفيدتي عن جدوى هذه الملازم الكثيرة التي استنزفت والديها أجابتني بكل برود (جدو الكتاب ميفهم المدرسين يكولون لاتفتحوه تره ميفيدكم . ) أن الطالب وعائلته هم الضحية الأولى والأخيرة في عملية الزيف هذه فألى أين تسير العملية التعليمية والتربوية في ظل هذه الفوضى العارمة ؟ فهل من جواب يامديرية تربية واسط؟

5-الدعاية الأنتخابية وما رافقها من أساليب الدعاية للمرشحين تجاوزت كل حدود المعقول ولم يسلم جدار أو بناية أو ساحة من تلك الجداريات والصور الضخمة بمختلف الألوان للمرشحين الذين كانوا بالمئات وقد لاحظت لأحد المعممين من الذين أقاموا الدنيا وأقعدوها في الفضائيات مئات الجداريات الضخمة في المحافظة وعلى طول الطريق بين بغداد والكوت تحمل صورته ترى كم كلفت تلك الجداريات من أموال ضخمه ذهبت كلها مع أدراج الرياح ؟ وهل صرفت تلك الأموال الطائلة في مكانها الصحيح أم من أجل مجد شخصي لهذا المرشح أو ذاك ممن لم يحصلوا ألا على بضعة أصوات !!!وهناك الكثيرين من الأيتام والجياع والأرامل يعيشون عيشة الفقر المدقع على أرض هذا الوطن المنكوب هم اليوم بأمس الحاجة ألى تلك الأموال لسد رمقهم . ألم يشعر أولئك السياسيون بالخجل وتأنيب الضمير بعد أن خرجوا من الأنتخابات بخفي حنين ؟ وهل سيتعظون ويستفيدون من تلك التجربة القاسية أم سيعيدون الكرة في الأعوام اللاحقة ذلك أمر متروك لهم عسى أن يراجعوا أنفسهم وتجاربهم.

6-تقاس حضارة الدول وتقدمها الحضاري بنظامها المروري وفي تلك الدول المتقدمة لاتمنح أجازة السوق ألا بشق الأنفس وأحيانا تصبح أصعب من منح الجنسيه وتسحب الأجازة من الشخص حال أرتكابه خطا مروريا أما في العراق فالحبل على الغارب ولا توجد أجازات سوق أصلا وأصبح النظام المروري فيه دون الصفر وبأمكان أي مراهق يبلغ الخامسة عشرة أو الرابعة عشره قيادة أحدث سياره بدون أية أجازه نظرا لتوقف أجازات السوق وعدم تشريع قانون للمرور من قبل مجلس النواب العتيد الذي لهط مليارات الدنانير وذهب غير مأسوف عليه .اليوم في مدينة الكوت حوالي نصف مليون سياره يمارس معظم أصحابها مخالفات مرورية ماأنزل الله بها من سلطان وتبلغ الأختناقات المرورية أوجها أثناء الدوام الرسمي ويتعذر على المواطن البسيط وخاصة من ذوي الأحتياجات الخاصة عبور الشارع نظرا لتهور السواق المراهقين وعدم ألتزامهم واحترامهم لأصول السير ترى ألى متى تستمر هذه المأساة بدون حساب ولا عقاب ومن أمن العقاب أساء الأدب ومن شب على الخطأ شاب عليه هل من جواب لدى مديرية مرور واسط؟

7-التجاوزات على الأرصفة وفي الأسواق أمر لايمكن احتماله فالشخص الذي أمن العقاب ولا يحركه ضميره يعتبر الشارع والرصيف ملكا شخصيا له لذا أصبح الأعتداء عليهما أمرأ طبيعيا في ظل غياب القانون والنظام وأصبح الرصيف ملكا لكل من يريد أن يستولي عليه ويعرض عليه بضاعته ويحتار المواطن أين يذهب وكيف يسير وخاصة داخل السوق وشارع التأميم الذي أغلقه أصحاب الدكاكين بوجوه الماره .

8-من يدخل أية دائرة رسمية في محافظة واسط يجد نفسه وكأنه في سوق هرج بحق وحقيق ف (القوي ياخذ الرجيج )والفساد المستشري بين بعض الموظفين حالة طبيعة ولاأريد أن أظلم الجميع ولكن يوجد فساد وتوجد رشاوى بنسب متفاوتة بين البعض وهم ليسوا قلة كما زعم رئيس مجلس المحافظه وادعى في أحدى الفضائيات بأن محافظة واسط هي الأقل بين المحافظات وأن الرشوة بلغت 1بالمائة نتيجة تقرير النزاهة العامة ويؤسفني أن أقول أنها كذبة سمجة لاتنطلي على أحد في المحافظة وفي بنك الرشيد فقط لايستلم المتقاعد (الدرة الثمينة )الذي كثر الحديث عنها وهي البطاقة الذكية ألا بعد دفع 10 آلاف دينار وتستقطع تلك البطاقه مبلغ 4500 دينار من راتب المتقاعد الذي يحصل على عشرات الدفعات للحصول ويعاني الكثير من الأرهاق والتعب قبل الحصول على راتبه ولا توجد أية عملية تنظيمية تسمح للمتقاعد باستلام راتبه بهدوء وهناك الكثير من الأمور المحزنة والمؤلمة لمستها بنفسي في دوائر الطابو حيث صعوبة المراجعات وكثرة الروتين يضطران المواطن الذي ليست له القدره على التعامل مع الموظفين المفسدين التي تعج بها هذه الدائره فيلجأ ألى المعقبين المتواجدين بكثره على أبواب هذه الدائرة وقد دفعت شخصيا 200 ألف دينار ألى أحد المعقبين لتمشية معاملة لي بعد أن تيقنت أنه من المتعذر أن أتعامل مع هكذا موظفين مفسدين .

9-حين يمر المواطن بين محافظة واسط والبصرة يتصور أنه في أكثر البلدان فقرا وتخلفا ودمارا فلا يجد غير البيوت الطينية والبنايات المتهالكة والمياه الآسنة والأرض القاحلة الخالية من أي أثر للخضرة ورأيت في بعض مناطق ذي قار وخاصة مدينة الشطره ومنطقة (الحمام) فيها بالضبط وهي منطقة شعبية مكتضة بالسكان لاتصلح حتى لسكن الحيوانات فكيف بالبشر حيث يعيش سكانها في بيوت محاطة بالمياه الثقيلة وتتخللها أكوام القمامة من جميع الجهات.

10-العراق بلد مفتوح على كل بلدان العالم فبالرغم من صولات مخابراتها وتغلغلها في العراق فأن بضائعها تدخل بمختلف أنواعها الأستهلاكية وغير الأستهلاكية فالطماطة الأيرانية والسورية والتركية والبرتقال بمختلف أنواعه وحتى البصل والحبوب الصالح منها والطالح تدخل دون حسيب أو رقيب وقد أصبح الشعب العراقي بحق من أولى الشعوب الأستهلاكية في كل أنحاء الأرض ترى ماذا سيحدث بعد عشرين عاما لو نضبت الثروة النفطية بعد عشرين عاما وبعد أن هجر الفلاح أرضه وذهب ألى المدينة ليفتح محلا تباع فيه البضاعة المستوردة؟

11- يقول المثل (مصائب قوم عند قوم فوائد) وما أكثر المصائب في عراق الفجائع والجراح ويستثمرها مصاصوا الدماء لأتخام بطونهم بنهب كل مايملكه الفقراء لأنقاذ فلذات أكبادهم من الحجز الذي دام سنتين أو ثلاث سنوات في سجون العراق ولم يقدموا ألى المحاكمة حتى أنهم لم يعرفوا التهم الموجهة أليهم وهم بالآلاف وهناك أشخاص يديرون هذه السجون ويعشعشون فيها ويأخذون أرقام هواتف العوائل المنكوبة بأبنائها ليتصلوا بها بين فترة وأخرى بهويات مزوره وبأسماء مستعاره يتم عن طريقها أبتزاز هذه العوائل و(صاحب الحاجة أعمى ) حيث تستغل لهفتهم للعثور على بصيص من الأمل فتسحب منهم أموال بين فترة وأخرى واعدين هذه العوائل بأطلاق سراح أبنائها زورا وكذباولدي معلومات عن أحدى تلك العوائل التي سجن أحد أبنائها منذ أكثر من سنتين وجرى معها هذا الأبتزاز وهذه العائلة بدورها تعرف عوائل أخرى مورس عليها هذا الأبتزاز اللاأخلاقي والذي يفتقر ألى أبسط القيم الأنسانية .

12-ان المجسرالذي يقام في مدينة الكوت لتخفيف الأختناقات المرورية مشروع ضخم وتشكر عليه محافظة واسط وكذلك جامعة واسط هذا الصرح الحضاري الكبير بحاجة ماسة ألى طريق معبد يصل أليه منتسبوا الجامعة وطلابها بيسر وسهولة وهو أمر غير مستحيل وبالمناسبة أهدي سلامي ألى تلك النخبة الطيبة من الأساتذة الأجلاء الأعزاء الذين جمعتني بهم لحظات جميلة تبادلنا فيها أطراف الحديث في مختلف شؤون الحياة وهم :

الدكتور باسم شليبه والدكتور علي كاظم والدكتور معمر عقيل والدكتور أديب كاظم شندي والدكتور جعفر طالب لهم مني مودتي واحترامي الكبيرين.

أنني لم أقصد في مقالي هذا جرح مشاعر أحد ولكنني رأيت جملة حقائق لمستها بنفسي ولم ينقلها لي أحد من الناس فدونتها على حقيقتها ولي وقفة أخرى لآستجلاء بعض الحقائق الناصعة عما يجري في الوطن الجريح دون رتوش ومجاملات والله من وراء القصد.

جعفر المهاجر –السويد

في 29/3/2010