الرئيسية » شؤون كوردستانية » في نقد المعارضة الكردية

في نقد المعارضة الكردية

لابد من صراحة القول بانني اعني بالمعارضة الكردية الشريحة التي خرجت عن الاتحاد الوطني الكردستاني باسم “التغيير”وسجلت نفسها في اللوحة السياسية الكردستانية، والعراقية بهذا الاسم، ولي مع بعض اصحابها لقاءات وصداقات، ومع بعضهم شراكة “وسجون” في طريق الكفاح من اجل الحرية والقضية الكردية، وازعم اني اعرف الكثير مما يقال عن ظروف واسباب ومقدمات “الانشقاق” ولا بد من الاعتراف ما يرقى الى حقائق الاشياء بان افكار التغيير التي تبنتها المجموعة الجديدة(اقول: افكار) لها سمعة طيبة، وتعاطف، لدى الجمهور الكردي، ولها-قبل ذلك-اسباب وجيهة وموضوعية في الواقع التاريخي والسياسي الكردي، وبخاصة ما تعلق بافرازات السنوات ما بعد الانتفاضة الوطنية الكردية العام 1991، سوى ان الامر يتوقف في نهاية المطاف على الوسائل التي تستخدم في ترجمة شعارات التغيير الى الواقع، وهو المفصل الذي يشكل اختبارا لاصحاب تلك الشعارات ولمستقبل مشروعهم الطموح.
قلت، اعني بالمعارضة الكردية جماعة التغيير، اما الجماعات الاخرى، الاسلامية بخاصة، فانها لا تزال تدور في جغرافية سياسية وشعارات وولاءات لا تبتعد عن الدعوة الى الفضيلة والنزاهة والاحسان الى الفقراء وترَصّد اخطاء السلطة، هنا وهناك، وهي على مسافة ليست قليلة من برنامج مجموعة التغيير، إذا ما حسبنا تلك المسافة بالشعارات والاقوال والديباجات.
على الارض، ثمة مستقبل مفتوح امام المعارضة الكردية موضع الحديث، ولا ابالغ القول بان في مقدرور مجموعة “التغيير” تطوير اثرها وتاثيرها في البيئة السياسية الكردية قدما، وان تحقق نجاحات مضطردة في مجرى بناء مكانتها السياسية، غير انه في قلب هذه المعادلة ثمة استدراكان مهمان لا يصحّ استغفالهما، الاول، ان للسلطة الحاكمة التي فسحت في المجال امام نمو المعارضة وتسهيل نشاطها حصة في تلك النجاحات، بل انها (على الرغم من المخاشنات التي تابعناها في خلال الحملة الانتخابية) قد تختطف الحصة الاكبر من النجاح حين تخرج انشطة المعارضة عن مسار اللعبة الديمقراطية واللجوء الى التشهير وعدم الانضباط والاحتباس في اللغة المعارضة السلبية، والثاني، انه لا مفر من خيار المشاركة الايجابية في تعميق تجربة اقليم كردستان وحماية مكتسباته، وتحصين الثوابت التي تمس حياة ومصالح الشعب الكردي في ظروف عراقية وكردستانية تتسم بالحساسية، وبمعنى آخر، ينبغي، تجنب ما سقطت فيه معارضات دول المنطقة، حين عزلت نفسها في محبس المواقف والشعارات السلبية التي انزلقت وتنزلق، شيئا فشيئا، الى خيار العنف والمواجهات.
ومن خلال المتابعة اليومية، الاعلامية والسياسية، لاداء المعارضة الكردية، تقفز امام المتابع جملة من الاخطاء والممارسات الانفعالية مارستها وتمارسها الآن، وحين نسمي ذلك اخطاء، فهو لا يعني شهادة تزكية للسلطة ولا يبرر اعمال التضييق على المعارضة، بل انه توصيف مخفف لخطايا المعارضة كنا قد تابعناها في الصحف والتلفزيون، وعايشناها في الشارع وفي خلال النشاطات الانتخابية، ويستطيع المتابع المحايد ان يسجل على جماعة “التغيير”في الانتخابات الاخيرة بعض المراهقات السياسية رصدناها وقائعها بالعين في خلال انتخابات لندن، كما رصدنا عينات منها على الشاشات الفضائية إذ اختصرت الخلافات السياسية مع التحالف الكردستاني الى عروض اثارة وتهريج، ستلحق ضررا كبيرا في مشروع التغيير واصحابه، إن استمرت على هذا المنوال.
المشكلة، ان علم السياسة يحذر دائما مما يسميه بـ”الفورات” او “الانعطافات المفاجئة” لدى الراي العام، فان تعاطف الجمهور المفاجئ مع الشعارات التي تدغدغ مشاعره وشكاواه عرضة للانحسار إذا لم يجر ترشيد وضبط السياسات وبنائها على اسس ايجابية، ومنتجة، ونستطيع ان نذكّر اصحاب “التغيير” بتيارات وجيوش وزعامات برزت في تجارب كثيرة، ظهرت، ايضا، غداة سقوط نظام صدام حسين في التاسع من ابريل 2003 وغطت الشوارع وامسكت بالاحداث، لكنها سرعان ما انحسرت الى اضيق الهوامش بفعل الانفعالية والزهو والمراهقة السياسية والافراط في السلبية السياسية.. انه تذكير ونصيحة محمولتان على الثقة بان بعض اصحاب المعارضة يعرفون تلك الحقائق.
الى ذلك فان المعارضة الكردية التي تتخذ من اسم “التغيير” عنوانا لها ترتكب خطأ كبيرا اذا ما بقيت تتصرف كتنظيم منشق، يخاصم الجهة التي انشق عنها، ويسعى الى ايذائها، او يتمدد على ساحتها، وهي نزعة كثيرا ما سقطت فيها فئات عراقية وكردية منشقة، بدل ان تختار الطلاق الديمقراطي سبيلا، والاستقلال نهجا يساعد في نهاية الامرعلى اقامة بيئة مناسبة للتعددية السياسية في الاقليم، وعلى ترسيخ شكل مقبول وضروري من اشكال العلاقة مع التنظيم الام ومع جميع الفئات السياسية على قاعدة التنوع والشراكة، وفي نطاق التنافس التاسيسي المتحضر.
وإذ لا يمكن تحميل المعارضة كل المسؤولية عن المخاشنات والصراعات التي تابعنا فصولها الاشهر الماضية في السليمانية واربيل، فان بين ايدينا جملة من التصريحات والمواقف المسجلة على “التغيير” تكشف عن استطراد سياسي غير مفهوم من شأنه تفتيت وحدة المعسكر الكردي حيال القضايا الرئيسية، الامر الذي يثير استغراب المراقبين، ويحملهم على الاعتقاد بان اصحاب هذا النهج لا يقدرون كفاية الاخطار الناجمة عن ظهور الكرد متشظين ومتنافرين في الموقف من العناوين الرئيسية لقضيتهم (الشراكة في ادارة الدولة العراقية. المناطق المتنازع عليها. الفيدرالية..الخ).
والامر هنا لا يتعلق بالاجتهادات حول السياسات والخيارات والزعامات وعلل التجربة ولزوم المراجعة واشكال الادارة وفروض الاصلاح والمسؤوليات عما حدث، بل يتركز على السؤال الوجيه الذي ينبغي على المعارضين الاجابة عنه: هل للكرد مصالح عليا بقيت موصوفة في ثوابت تلتزمها جميع الفعاليات السياسية والاجتماعية؟ وما هي عناوين تلك المصالح؟ بل وما الذي سقط منها، او لا يزال يحتفظ باهميته؟ ثم ما مسؤولية المعارضة الجديدة ورموزها عن خطايا المرحلة السابقة؟.
بالنسبة لي، اكاد اقرأ من بين ما اتابعه واقرأه واتملاه في الادبيات السياسية للمعارضة، وفي ما بين السطور قولهم الآتي: لسنا ملتزمون بعناوين “المصالح الكردية العليا” فهي لم تعد بالنسبة لنا تكتسب الاولوية “الاولوية لمزيد من الاصلاحات” اما مراجعة تجربة الاقليم وتصويبها فانها استحقاق على الاخرين وحدهم، ونحن ابرياء من الماضي الذي نفتح ملفاته “بمقدار ما يخدم المستقبل” وفي لقاء حميم سألتُ صديق اكاديمي تحول من اقصى السلطة الى اقصى المعارضة حول امر يشغلني كثيرا في إداء “تيار التغيير” هو الترحيب الذي يحظى به التيار من جماعات واصوات واقنية شوفينية و”الامل” الذي يعلقه سليلو عهد الابادة والتعريب والتجريف على التيار وتناميه، وعرضت عليه قصاصات ومشاوف عن ذلك، وهي ليست شائعات للتشهير، بل مؤشرات جديرة بالتأمل، واللافت، ان اصحاب التيار صاروا يتعاملون معها بوصفها اعترافات بوزنهم، وقد سمعت منه الكثير من الكلام والتفسيرات تركزت على ما كنت اطالعه في ادبيات المعارضة على ان احتفاء الشوفينيين بهم بمثابة رصيد اضافي لهم.
قلت لصديقي: شعارات التغيير لا تتمتع ببراءة اختراع، ولا تصلح هوية للسياسيين.. انها مثل الهواء، يمكن للجميع استنشاقه والسيطرة عليه. قلت له، ان غالبية شعارات الاصلاح التي رفعتها المعارضة وضعها برهم صالح على برنامج حكومته، إقرأوها جيدا، إنخرطوا فيها لكي تؤكدوا انتسابكم لدواعيها وضروراتها. قلت لصديقي: اصدقاء الشعب الكردي ومناصرو قضيته يحترمون اسماءكم، ويتعاطفون مع حملتكم لكن تحميلكم الاخرين وحدهم مسؤولية الخطايا التي عاناها الاقليم يُعد التفاف على الحقائق ذات الصلة بمسؤوليتكم ايضا عن تلك الخطايا.. تلك هي المشكلة.
ــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“ لا تسقط التفاحة بعيدا عن شجرتها”.
مثل روماني