الرئيسية » بيستون » إلى لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي

إلى لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي

إن تاريخ حقوق الإنسان هو قصة طويلة عن المحاولات التي جرت لتعريف الكرامة الأساسية وقيمة الكائن البشري وحقوقه الأساسية ذكرا” كان أم أنثى .
لقد كان العراق هو مهد الحضارات وأول التجمعات البشرية والحضرية فقد كان النظام السياسي الأول الذي عرفته البشرية وحتى الى عصور ما قبل التاريخ .
يوم كانت الدولة الأولى والقواعد الاولى للنظم القائمة على الديمقراطية والعدالة وازدهرت خلالها مختلف نواحي الحياة فكانت المدونات خلاصات فكرية وفلسفية في مختلف نواحي الحياة تنظم وتضع القوانين لحياة الإنسان مع أخيه الإنسان وتنظم العلاقة بالمجتمع وحياة المجتمع السياسية مع المجتمعات الأخرى فكانت هي القوانين الاولى . فما كانت قوانين حمو رابي وقانون أورنمو وغيرها إلا أحكام ذات علاقة بحقوق الإنسان بشكل أو آخر .
لقد اكتسبت حقوق الإنسان أهمية استثنائية عبر تاريخ البشرية وكان لها الحيز الكبير إن لم يكن الأكبر في الرسالات السماوية والكتب السماوية وغير السماوية فكان المسيح وكانت مقولته الشهيرة عبر درب الآلام الطويلة ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ) وبلغت ذروتها في الإسلام بالتوجيهات الإلهية وعبر النصوص القرآنية تارة أو عبر أحاديث قدسيه وسلوك للنبي المصطفى والصحابة الكرام تارة أخرى .
إن لحقوق الإنسان في ديننا الحنيف أصول امتدت لها في الأرض جذور وعلت لها في السماء فروع .
لقد كان لتاريخنا الإسلامي ورموزه الشأن المعلّى في هذا المضمار والسلوك الأسمى الذي ما انفك يدور على محور مفاهيم رفع الاستبداد والقضاء على التفاوت الطبقي بين الناس .
كانت تلك التعاليم وذلك السلوك السيف المسلط على رقاب المستبدين الطغاة والمسعى في تركيز العدالة ولم يكن للصحابة الكرام ما يشغلهم أكثر وأحب مما هو إحقاق الحق ووضوح القرار والفكرة وتوجيه الولاة والعمال نحو المستضعفين من الرعيّة .
فكان ذلك التقرير الواضح لحقوق الإنسان الطبيعية في العيش الكريم وفي الحياة الحرة ، كان أولئك هم التأسيس وقاعدة الارتكاز في تأريخنا لبناء أول التجارب وخوض أول المعارك والتي مازالت قائمة بين السماحة وروح العدل والديمقراطية من جانب وبين الغدر والاستئثار وعقلية التجّار من جانب آخر ، فكان الذليل عندهم عزيز حتى يؤخذ الحق له ، والقوي عندهم ضعيف حتى يؤخذ الحق منه . كانوا امتدادا” لتعاليم السماء وكان الإنسان عندهم الغاية وليس الأداة ، أليس هذا هو جوهر حقوق الإنسان ..
فمن كتاب الله : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا” وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) صدق الله العظيم . الحجرات ـ الآية 14، ومن قول رسول الله ( الإنسان بناء الله لعن اله من يهدمه) هنالك العشرات بل المئات من الشرائع والقوانين المباشرة في هذا الموضوع .
ولعل في رسالة الإمام علي (ع) الى الاشتر ألنخعي عاماه على مصر هي الصورة الأكثر تفصيلا”وشمولية والأوضح في المضامين ، لقد كانت رسالة وثيقة لا بل تضاهي وثيقة الحقوق الدولية رغم أنها سبقتها بأكثر من 1400 عام إلا ما أرتبط منها بالزمان وتطوراته علاوة على تفوقها بالصبغة الإنسانية العميقة وحب الإنسان لأخيه الإنسان والتي تفتقر إليها الوثيقة الصادرة من الأمم المتحدة .
لقد كانت شريعتنا نظاما” متكاملا”في المضمون والشفافية لحماية كل الحقوق لا يدانيها أي نظام مهما علا ، ولم تعي الإنسانية الحاجة الى هكذا وثيقة إلا في وقت متأخر بعد الحرب العالمية الثانية .
ففي عام 1941 كان ميثاق الأطلسي والذي تضمن وثيقة الأسس المشتركة والتي سميت فيما بعد بوثيقة المستقبل السعيد للجنس البشري .
أعقبها في عام 1942 تصريح الأمم المتحدة والذي وقع من قبل 26 دولة حتى تبلور الى ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو عام 1948 والذي وقعه ممثلو 59 دولة و عرف فيما بعد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد أقراره من الأمم المتحدة ثم أعقبته الاتفاقيات اللاحقة والتي تنصّ على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحرية الفكر والعقيدة والدين والإقامة والتنقل والعلام وتكوين التجمعات والأحزاب والمساواة أمام القانون وحق الاقتراع والترشيح وتقرير المصير وحماية الأمومة والطفولة وحقوق الطفل والقضاء على التميز العنصري وتلاه العديد من البروتوكولات والمعاهدات والمواثيق الملحقة فكانت بحق خطوات جليلة على انجاز حضاري عظيم .
وبعد هذا ……….
ما هي حقوق الإنسان… أنها ليست إلا تلك الحقوق المتأصلة في الطبيعة البشرية والتي لا يمكن بدونها العيش كبشر فهي تتيح لنا أن نطّور ونستخدم كامل صفاتنا البشرية لتلبية احتياجاتنا الروحية من أجل حياة تضمن الاحترام والكرامة والحماية والقيمة الذاتية لكل إنسان .
إن العلوم الحديثة بمجملها ومهما اتخذت من أشكال وصور ومن المسميات فأن علّتها واحدة وهي رفع الغبن عن كاهل الأفراد والجماعات أو بناء المجتمع على أسس أفضل تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه في العيش الكريم والقول والعمل .
وأن نظرة سريعة للتاريخ ما كانت لتخلف في الذهن ألا صورة لكفاح متقّد بين الاستبداد والحكم المطلق وهدر الحقوق وكبت الحريات من جهة وبين النزوع الى العدالة وحفظ الحقوق والحريات من جهة ثانية وما كانت ثورات المظلومين عبر التاريخ إلا انتفاضات للقضاء على الظلم الاجتماعي وبناء قواعد أخرى سليمة تتفق بمضمونها مع مستوى التطور الذي بلغه المجتمع .
إن احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية هي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم وكما جاء في العبارات الاولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
وهنا في أرض الرافدين كان الشعب العراقي بكل مكوناته الاجتماعية وتنوعاته الاثنية وقواه السياسية قد عانى من الحرمان والاضطهاد وفي مختلف المراحل التاريخية إبان حكم الأنظمة السابقة ومنذ تأسيس الحكومة بشكلها المعروف .
وحيث إن التغيير الذي حصل لم يكن بأيدي عراقية وإنما بمساعدة القوى الدولية وترتب على ذلك كلّه إن النخب والأحزاب السياسية العراقية لم تستلم السلطة الكاملة ولم تكن لها الحرية في تصريف الشؤون الداخلية والخارجية لعراق اليوم لذلك ضلّت مسألة الديمقراطية والحريات العامّة وتبعا” لذلك حقوق الإنسان مهددة سواء من قبل قوات الاحتلال أو بسبب غياب سلطة القانون أو بسبب التعددية في مراكز القوى الفاعلة . وتولدت بالتالي مخاطر جمّة ووقعت انتهاكات خطيرة على حقوق الإنسان أعطت مبررا”أضافيا” لسلطة الاحتلال بزيادة تمسكها بعدم نقل السلطة للعراقيين والى زمن ليس بالقصير وبذريعة عدم أهلية العراقيين وضعف السلطة . وما زال البعض من هذا هو الحاصل .
إن أكبر خطر يرتكب ضدّ حقوق الإنسان في العراق اليوم هو ( التأخر الحاصل ) في صناعة وتطبيق نظام ديمقراطي وطني مستقر متكامل .
أن ضمانة حقوق الإنسان في العراق تأتي من خلال استقراره وأخذه لمكانته التي تليق به وهذه بدورها تكون عبر مراحل ومنظومات وآليات قد يكون البعض منها في :
• إقرار الدستور الدائم في العراق وضمان الديمقراطية وإقرار التعددية الحزبية والسياسية .
• المصالحة الشاملة ووضع مصلحة الشعب العليا فوق كل اعتبار .
• دعم جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان الحكومية وغير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني بشكل استثنائي وإشراكها في صنع القرار .
• تعزيز الوحدة الوطنية عبر احترام المرجعية السياسية لكسب احترام الآخرين وأولهم المحتل .
• الاهتمام بوسائل الإعلام المستقلة والحفاظ على استقلاليتها .
إن العبرة ليست في مصطلحات وجمل تبقى مسطرة في المجلدات والمراجع القانونية قدر ما يجب أن تفعّل وتجسّد في الواقع وتعدّل كي تلبي طموحات الإنسان المعاصر ، لا بل ويجب اتخاذها المعيار لمقياس مستوى ومضمون ومقدار ونوع النظام الديمقراطي .
ومن الجدير بالذكر إن هنالك صلة قريبة من الناحية التاريخية بين مفهوم حقوق الإنسان بجميع أشكاله السياسية والاقتصادية والثقافية ومفهوم الديمقراطية في صيغته الحديثة ومن الصعب وجود أي نظام سياسي غير ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان .
إن الأنظمة الديمقراطية الليبرالية ( الحقيقية ) هي وحدها الأكثر قدرة على توفير أفضل الشروط لممارسة الأشكال المختلفة من حقوق الإنسان مثل تبني بعض أنواع الحكم الذاتي ( كالفيدرالية ) ضمن الدولة القائمة كصيغة للعلاقة بين المركز والإقليم …………ورغم أن ذلك ليس هو القاعدة دائما” ولا ينطبق بالضرورة على جميع الديمقراطيات .
إن الترابط القائم بين حقوق الإنسان والديمقراطية يتجلى في فكرة انه لا يمكن الحصول على تلك الحقوق أو أن تستمر في الوجود دون توفير حماية لها من قبل سياسة تستند الى مبادئ ديمقراطية وهو لا يعني بالضرورة إن الأنظمة الديمقراطية معصومة عن انتهاك الحقوق إلا أنها الأقرب للعصمة والأقل انتهاكا” من خلال الآليات والضوابط التي يتيحها هكذا نظام للمشاركة والمراقبة والردع .
إن حقوق الإنسان والحريات الأساسية المرتبطة بها والضمانات والمعاهدات والمواثيق التي تكفلها أصبحت اليوم وفي هذا العصر تشكل الاهتمام الرئيسي على المستوى العالمي والإقليمي والوطني وكان من الطبيعي أن يساهم الباحثون بدورهم وعلى اختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية في توجيه الاهتمام بحقوق الإنسان…………… ماهيتها….. ومصادرها التاريخية والفلسفية وتطور التنظيم العالمي بشأنها على مستوى التنظير والممارسة والعمل ومعالجة الإشكاليات فكانت الدعوة الى تدريس هذه المفاهيم حتى أنها أقرت في اليونسكو توجيهات بتدريسها كمادة في المناهج الجامعية (صدر هذا التوجيه في عام 1971) .
ولكي تتمتع هذه الحقوق بالقوة الكافية كان لابدّ لها أن تتمتع بقيمة وشكل قانوني دستوري لتكون الحاكم على كل القوانين ولتكون الملزمة على مستوى التطبيق العملي .
ومن ثم لابدّ أن نشير هنا الى انه لابدّ أن ينتقل هذا الوعي من المستوى العالمي الى الوطني ولكي يتحقق هذا لابدّ أن نعمل على انتقاله من دائرة الوعي النخبوي الى الدائرة الشعبية سيما لشعب كشعبنا العراقي وفي محيط من الخصوصية لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها وقد يكون مصدرها القيم الدينية أو النظام العام والآداب والتقاليد والأعراف ولابدّ أن يشعر كل فرد ( رغم كل هذه الخصوصيات ) ولو في حدود معينة باختلافه وتميزه عن الآخرين واحترام خصوصيته ، ولابدّ من العمل وبجد على عدم إتاحة الفرصة لهيمنة ثقافة معينة أو منظومة معينة على باقي الثقافات أو القيم الأخرى .
إن الممارسة العملية لحقوق الإنسان لا تحتاج الى إعلانات حسب ………..قدر ما تحتاج لحماية سياسية وتشريعية وقضائية على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي والأخذ بنظر الاعتبار منظومة الضمانات القانونية والدستورية والخصوصية الدينية وحتى مستوى الحريات المتاحة ومقدار العمق الشعبي لهذه المفاهيم وهذا بالطبع يعتمد بدرجة كبيرة على المشاركة السياسية الحقيقية بما تعنيه من تعددية ومشاركة في السلطة بين أطراف النخب الاجتماعية وتداولها وإعادة توزعها وتدويرها وما يؤدي ذلك الى ترسيخ في مفاهيم قيمة العدل والمساواة وحقوق الإنسان وعلى نحو مرض .
لقد كان دستور 2005 أول دستور يصدر في العراق باستفتاء شعبي يعبّر عن التطلعات الى نظام ديمقراطي يأخذ فيه كل ذي حق حقه كاملا” غير مبخوس ولا مجزأ ليطوي به صفحة من القهر والظلم دامت طويلا” فكان بحق شاملا” ومجسدا” ومطابقا” لكل المفاهيم الواردة في بنود الإعلان العالمي والوثائق الدولية الملحقة والتي لم تغفل عمّا يشير الى حرية الجماعات في اختيار نظام الحكم في بلدانها أو الحكم الذاتي للجماعات والأقليات في أقاليمها واحترمت حق تقرير المصير ومسؤولية الجماعة الكبيرة تجاه الصغيرة ومشاركتها في الإدارة والنظام مما يوحي عن الرغبة الكبيرة في تجذير الديمقراطية كنظام سياسي يكفل شرعة حقوق الإنسان وحقوق الجماعات والأقليات من خلال ضمان ودعم حق تقرير المصير . وتطابقت فقرات الدستور العراقي أيضا” مع الكثير مما جاء في ميثاق الأمم المتحدة من الفقرات التي تؤكد الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وبتساوي الرجل والمرأة في الحقوق ، فقد توافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في تأكيده على عدم جواز التمييّز وان الناس جميعا” يولدون أحرارا” في الكرامة والحقوق ولهم حق التمتع بالحريات دو تمييز بما في ذلك التمييز القائم على الجنس .
وقد روعي في الدستور أيضا” ما جاء في العهدين الدوليين حول ضمان مساواة الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية الأخرى والسياسية وأخذ بنظر الاعتبار كل ما جاء في الاتفاقيات الدولية الملحقة والإضافية بالإعلان حول موضوع حقوق المرأة حتى تبلورت في فقرات قلما كان الكثير منها في دساتير العالم .
لما كانت حقوق الإنسان هي حقوق متأصلة لكل كائن بشري وهي أساسا” حقوق معنوية وأخلاقية أي أننا نطالب بها سواء أكان هناك قانون ينصّ عليها أم لا يوجد …فالحياة حق للجميع سواء أصدر بذلك قانون أم لم يصدر ، ولكن الفارق يبقى في إن القوانين تجعل لهذه الحقوق المعنوية قوة قانونية ( وهي خطوة مهمة ) بالإضافة الى أن للقانون أثرا” تثقيفيا” هاما” في تحديد كل ما يعتقد المجتمع إن هذا من الملائم فعلة .
وفي العراق ولكي نعرف ونصحح ونفعل ونراقب هذه القوانين فيما إذا كانت تطبق بالكامل أم لا ، فكانت ( لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي ) …….. وقد أنجزت …………..

الرجاء إكمال الكلمة من لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي .

إعداد وبتصرف zakaryyamahdy@yahoo.com