الرئيسية » مقالات » قومية السلطة

قومية السلطة

تشكلت في العهد الملكي 59 وزارة ، الشيعة الملكيون شكلوا 4 وزارات والسنة الملكيون شكلوا 54 وزارة. استمر العهد الملكي 38 عاما وكانت حصة الشيعة سنتين وثلاثة اشهر والباقي للسنة.

انا لم اكن اعرف معنى شيعي ومعنى سني في الوزارات او في الحكم. مرة كنا نحضر للبكالوريا انا وصديقي فهد السعدون. كان بيتهم قريبا من ساحة الفردوس في شارع السعدون الآن، ودخلت السيدة فخرية السعدون خالة فهد السعدون وهي زوجة توفيق السويدي وام لؤي، واذا بها تلتفت إلي وتقول “ﮔرة عينكم اخذتوها” ، قلت لها خالة “شنو اللي اخذناهه”؟ كنت اتصورها تتحدث عن البكالوريا والامتحانات الوزارية.

قالت: اخذتوهه للوزارة . قلت اني والوزارة شنو ؟ ومنو اللي أخذ الوزارة ؟ قالت: الوزارة مو شكلها فاضل الجمالي ؟ قلت مستغربا واني شدخلني بالموضوع اني شنو راح اصير وزير وشعلي بفاضل الجمالي ، قالت لا مو فاضل الجمالي شيعي وانت شيعي!

كنا نقسم الناس الى ناس وطنيين وناس غير وطنيين وليس عندنا هذا التقسيم. هذا سني وهذا شيعي عرفناها لاحقا. ان المشروع القومي الذي قام على قومية السلطة في العهد الملكي وتواصل في العهد الجمهوري كان سبب هذا التقسيم الاخير.

قومية السلطة العامل الاول والرئيس في الحيلولة دون بناء وطنية عراقية وعندما تنعدم هذه تتحول الفئات الى كتل تدافع عن نفسها.. كتلة شيعية كتلة كردية كتلة سنية. فنظام الكتل جاء بسبب قومية السلطة وبسبب عدم وجود وطنية عراقية مثل الوطنية المصرية ، حتى اننا كنا نهاجم كامل الجادرجي هجوما عنيفا في جريدة حزب البعث لانه كان يأخذ بالوطنية العراقية ، وقاسم قتل لانه كان يأخذ بالوطنية العراقية ، الوطنية حرام، والقومية هي ان تعبر كل شيء ، المشروع القومي العربي كان يفكر بالوحدة وليس بالحرية.. فتسبب بعملية كبت للحرية سواء في العهد الملكي او الجمهوري.

فلما تهيأت بعد 2003 فرصة لأن يفكر العراقي بطريقة حرة ويؤسس حزبا او جريدة بطريقة حرة، انفجرت الحرية. كان انفجار 80 سنة من الكبت الذي قام به المشروع القومي في جناحيه الملكي والجمهوري، وكلاهما كان قائما على نفس المبدأ وهو قومية السلطة دون النظر لحقوق الآخرين، ولهذا لا نجد سطرا في جميع ما كتبه المفكر القومي الاول الاستاذ ساطع الحصري عن الحرية ، كان يتحدث عن الوحدة فقط وهذه هي الطريقة الالمانية ،الوحدة فقط وليست الحرية ، بقي المشروع القومي مشروع وحدة وليس حرية رغم ان الحرية الصقت لاحقا في شعاراتنا . الآن انفجرت الحرية بسبب هذا الكبت الطويل.

افترض المشروع القومي العربي ان الانسان العربي واحد ومن هذا الواحد طبعت 300 مليون نسخة لا فرق بين العراقي والمغربي والجزائري ولا السعودي ولا اللبناني.

طبيعي هذا قفزعلى الواقع ،على الجغرافية وعلى التاريخ ،انا اعتقد ان هناك اكثر من عروبة، هناك عروبة مغربية عقلانية… عروبة ابن رشد ،ابن خلدون ليست مثل عروبة المشرق، وهناك عروبة سعودية هي عروبة البداوة وهناك عروبة عصرية هي عروبة الثقافة والحضارة والعمق الحضاري، كل بلد هو بيت من بيوت العروبة ،المفروض بالمشروع القومي العربي اذا اراد حل مشاكل الناس او يدخل طرفا، وهو الآن غير موجود كطرف ان يعيد النظر في رؤيته وفي سلوكه قومية السلطة، وهذه لا تعني فقط احادية السلطة بل ايضا احادية دين وجنس .

في وقت ليس بعيدا كنا نسكن في محلة العباسية على نهر دجلة بين جسر الجمهورية والقصر الجمهوري بمحاذاة بناية المجلس الوطني، حيث يسكن اليهود ، وفي الوسط نحن المسلمين وفي الداخل المسيحيون، وهناك صابئة، وهناك اسماء مثل سنحاريب ، ونبوخذ نصر، وسرجون، وباقي الاسماء غير العربية تعيش في محلة واحدة. عرب اكراد اشوريون تركمان مسيحيون مسلمون جمعتهم لحمة عيش مشترك كان هانئا ووادعا حقا.

ثم بدأ هذا المشهد المتنوع الرائع يتقلص الى لون واحد، والى بعد واحد،اصفر يغلب عليه لون التراب، وكان ذلك من نتائج “ الايام الطويلة” لقومية السلطة.

حسن العلوي
http://www.babnews.com/inp/view.asp?ID=19732