الرئيسية » بيستون » هكذا رأيت العراق-1

هكذا رأيت العراق-1

لايمكن لأي أنسان في الوجود يحب وطنه أن يعيش سعيدا هانئا متنعما مطمئن البال وهو يقضي السنين الطوال في متاهات الغربة يتجرع آلامها وغصصها حتى لو امتلك خزائن الأرض في تلك الغربه فأنها لاتسعفه ولا تداوي جراحاته ومهما كانت مدن الغربة جميلة وخلابة ومبهرة وتتوفر فيها كل مايسر الناظر من مناظر جذابه وطبيعة ساحرة وخدمات متقدمة ويعيش فيها المغترب موفور الكرامة وحقوقه الآدمية مصانة ومحترمة فأن تراب الوطن يبقى الأغلى رغم مافيه من سراق وفاسدين ممن تمرسوا على أهانة كرامة الأنسان وسرقوا لقمة عيشه وأتخموا بطونهم بالمال الحرام وبنوا القصور الفارهة من خلال مآسي الفقراء وأودعوا الأموال التي سرقوها من دماء المحرومين في البنوك الأجنبية ورغم كل هذا فأن الشخص المهاجر هربا من الظلم والظالمين يظل هاجسه الأول والأخير وطنه الذي تركه قسرا ولو عاش في جنة الخلد وكما قال الشاعر الكبير أحمد شوقي في بيته الخالد :

وطني لو شغلت عنه بالخلد عنه –نازعتني أليه في الخلد نفسي

وحين تعصف الغربة في أعماق الروح ويستبد الحنين والوجد ويتجذران في دم الأنسان لابد له أن يشد الرحال ألى وطنه ومنبع صباه مهما تكالب عليه المتكالبون ووزعوه كالغنيمة فيما بينهم يشد الرحال ليشكو ألى وطنه سنوات الغربة القاحلة ويقاسمه الهموم ويناجيه عن قرب ويلتقي بأهله الطيبين الشرفاء الذين تجمعهم معه ذكريات عزيزة لاتبلى على مر الزمن هؤلاء الأصدقاء الذين يزدادون لمعانا وتوهجا ونبلا مهما تقادم بهم الزمن لم تستهويهم مغريات السلطة ولم يلوثوا أنفسهم بالمال الحرام ولم تفت في عضودهم العواصف الهوجاء وسنوات الظلم الطويلة التي عانوها . لهذا كله شددت الرحال ألى وطني لأشم عبيرهم من خلال اللقاء بهم وبالوطن المنهوب المسلوب من قبل المافيات والعصابات التي تتحكم بمصير الناس الشرفاء والخيرين ومن دعاة الثقافة من الجهلة والأميين والطفيليين الذين جيروا الثقافة لأنفسهم واعتبروها حكرا لهم ولأتباعهم ممن يجيدون من أين تؤكل الكتف وكيف يغيرون جلودهم في كل عهد بعد أن طبلوا وزمروا كثيرا للنظام الدكتاتوري السابق واليوم انضموا ألى أحزاب دينية ولبسوا العمائم وأصبحوا بقدرة قادر وعاظا للناس يقولون مالا يفعلون مع احترامي الكبير للعمائم الطاهرة النزيهة . أنها الكارثة الحقيقية التي يعيشها العراق ولقد قررت أن أكتب عن كل ظاهرة شاهدتها بعيني الأثنتين بكل صدق وأمانة وتجرد دون أية مبالغة أو ألقاء التهم جزافا على أحد لكوني من المعلمين القدماء الذين يمتهنون مهنة الكلمة الصادقة الأصيلة .

لقد استمرت رحلتي حوالي خمسين يوما تجولت فيها في معظم مدن الجنوب وجبت الشوارع والحارات ودخلت في دوائر الصحة والطابو والجنسية والمحاكم بصفة مراجع ومراقب لأعرف ما يجري في هذه الدوائر ولقد شاهدت العجب العجاب الذي سأذكره في حلقات عن كل مكان دخلت فيه وكانت ضريبة زيارة الوطن في بدايتها صعبة قاسية فبعد خروجي وزوجتي من مطار بغداد في الثانية عشرة من منتصف ليلة 28/1/طلبت فيها من سائق التاكسي أن يسرع باتجاه مدينتي الحبيبة الكوت لأنني على أحر من الجمر لرؤيتها ولكن ماكل مايتمنى المرء يدركه- تجري الرياح بما لاتشتهي السفن وحين وصولنا ألى منطقة (جرف النداف ) قرب جسر ديالى تم أيقاف السيارة لغرض التفتيش عند نقطة السيطره ومنعنا الجندي الذي يحرس المنطقه من عبور النقطه وقال بالحرف الواحد (ممنوع هذا مكانكم للصبح بأمر القائد ) ولم نعرف من هو القائد وألى أية جهة سياسية ينتمي ولماذا أوقفت سيارتنا ؟ ولم تفد معه توسلاتنا بأننا من كبار السن ونعاني من أمراض مزمنه وربما تتعرض زوجتي لنوبة قلبية في هذا المكان النائي و قدجئنا من مكان بعيد لكننا تركنا في العراء وحولنا الكلاب السائبة في ذلك الجو القارص والموحش وبعد بزوغ الفجر تحركت بنا السيارة واضطررت لدفع أجرة مضاعفة للسائق وكان ذلك أول الغيث . وهذا هو (اليوم اللي ننتظره ) ونسوي ( هوسه من هوسه ) و(شوارع غيره نمليها ) و (نسد عين الشمس بيها ) كما يقول المطبلون والراقصون في فضائية العراقيه وغير العراقية وهي تذكرني بالأغاني الصدامية الكاذبة التي ملأت الأرض زعيقا عن الكرامة والغيرة والمهرة والخيل المسومة وفي الختام قدمت العراق على طبق من ذهب للمحتلين !!!وأقنعت نفسي بأن التصرف الذي قام به الجندي ربما كان من أوامر عليا ولكن الهمرات الأمريكية كانت تمر من تلك النقطة بكل حرية وكأنها تجول في أرضها ونحن الغرباء .!!!

وأخيرا دخلت مدينتي فوجدتها وكأنها أصيبت بزلزال قلب عاليها سافلها حيث أكوام القمامة تتجمع كالجبال في الحارات والشوارع وتتراكم عليها جيوش من الذباب ورأيت الشوارع المحفورة والأشجار المغطاة بالغبار وكأنها تراكمات من الحزن القثيل وهي تشكو لبارئها . ورأيت مراهقين يقودون أحدث السيارات دون أجازة سوق ورأيت مئات اللافتات والصور والجداريات الضخمة التي صرف عليها أصحابها من تجار السياسة ملايين الدولارات ورأيت المتطفلين على الثقافة والأدب والأعلام مكدسين في قسم الأعلام في المحافظة وهم من أقرباء وأتباع ذوي النفوذ في المحافظه ورأيت السراق والمفسدين والمرتشين في دوائر الدوله وهم يتصرفون بمعزل عن القانون والنظام ولا يهمهم كل ماكتب عن الفساد المالي والأداري الذي يتفاقم ويزداد يوما بعد يوم والموظف الصغير يحذو حذو الموظف الكبير في الأرتشاء . ورأيت الشوارع طافحة بمياه المجاري الثقيلة الآسنة ومناطق آسنة تحتويها أكوام القمامة لاتسكنها حتى الحيوانات فكيف يعيش فيها البشر بعد سبع سنوات من سقوط الصنم ؟؟؟ وفي هذا الوطن الغني الذي يقبع على بحر من البترول ؟؟؟وأقولها بكل ألم وأسى أن المتنفذين في المحافظة يتسابقون على نهش جسد العراق ويسعون للثراء الفاحش ويقتاتون كالطفيليات على مآسي المعدمين و(كل أليها بالمطامع أشعب) .

أنني لم أقل هذا الكلام بدافع الحسد أو الحقد والعياذ بالله لأنني لم أطمع يوما في منصب حكومي وقد بلغت من العمر السادسة والستين عاما ولكن أرى من حقي كمواطن عراقي أن أشخص مواطن الخلل في وطني الجريح الذي هو همي الأول والأخير بعين الأديب الصادق والمعلم النزيه الذي لاتحركه الأغراض الحزبية والنوازع الشخصية . لقد كتب الكثيرون ممن ذهبوا ألى العراق ضمن الوفود من خلال الدعوات الرسمية التي وجهت لهم من قبل المسؤولين وقد تغافل أو أغفل معظمهم ذكر الحقائق المرة التي حجبت عنهم لذا قررت أن أدون الحقائق عن مديرية الجنسية العامة وما يجري فيها من أمتهان لكرامة الأنسان من قبل عصابات ومافيات شوفينية مرتشية حاقدة و سأكتب بكل صراحة عن دوائر حكومية أصبحت أوكارا للسرقات والمحاصصات تمارس فيها أبشع حالات الأبتزاز المادي والمعنوي بحق المواطن العراقي المقهور سأكتب عن الأديب الحقيقي المهمش وعن المعلم المسحوق الموجوع وعن الفقراء وعن البعثيين الذين كانوا يكتبون التقارير عن الشرفاء وأوصلوهم ألى ساحات الأعدام واليوم أصبحوا فرسانا بارزين في التيار الفلاني والفلاني . سأكتب عن العشائر التي تحولت ألى دول داخل دوله لاوجود لها وأخذت تشرع القوانين بدلا عنها سأتحدث عن كل الحقائق المرة التي تنخر في جسد العراق وتؤذي شعبه وتجعله عرضة لتدخل دول الجوار في تلك الرحلة التي بدأت يوم 28/1/ وانتهت يوم 18/3 بالمبيت في مطار بغداد ليلتين متتاليتن نظرا لتأخر الطائره لم يحضر فيهما أي مسؤول من مطار بغداد ليرى مأساة 250 شخصا بضمنهم الكثير من الأطفال والنساء لكن سلطات المطار كانت بارعة في تفتيشنا وفتح حقائبنا وأطلاق الكلاب البوليسية عليها لمرات عديدة وأقول وأنا في منفاي من جديد :

لهفي على وجع العراق – حتام تنهشه الذئاب ؟

(قومي رؤوس كلهم ) – وبنهجهم ضاع الصواب

وزعيقهم ملأ التخوم – وساد في الوطن اضطراب

شابت رؤوس أحبتي –يستصرخون فلا يجابوا

دمهم مباح كل حين – ودليلهم صار الغراب

أن شعب العراق شعب ذكي لاتنطلي عليه أكاذيب دعاة الدجل والزيف ولا خير في سياسي يقول ولا يعمل . لقد نهب وطننا اللصوص والباغون وأكلت أجيالنا الحروب العجاف ولا يمكن أن يرضى الشعب بحيتان جديدة تمتص دماءهم ألى مالا نهايه في (العهد الديمقرطي الجديد ) والمسؤولية شرف وواجب وأمانه ولينظر حكام اليوم ألى من سبقوهم من حكام الظلم والجور السابقين وكيف كانوا يسحقون كرامة الأنسان وأن حساب الله عسير قبل حساب الشعب بسم الله الرحمن الرحيم : (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا أن في ذلك لآية لقوم يعلمون . )52-النمل

جعفر المهاجر – السويد

22/3/2010