الرئيسية » مقالات » الاستقطاب الطائفي على ضوء الانتخابات الأخيرة

الاستقطاب الطائفي على ضوء الانتخابات الأخيرة

يبدو أن معظم الكتاب العراقيين العلمانيين، وأنا منهم، الذين استبشروا بهزيمة الطائفية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، كانوا متفائلين أكثر مما يجب، ومتسرعين في إصدار أحكامهم، بل ومازال هناك البعض منهم يصر على أن الطائفية قد انتهت عبر صناديق الاقتراع. التفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو أن هؤلاء السادة والسيدات صوَّروا الواقع العراقي كما يشتهون، ووفق التمنيات والرغبات wishful-thinking ، بينما واقع الحال يختلف تماماً عن التمنيات والتصورات الرغبوية.
كما وقد بنى هؤلاء مواقفهم من التحالفات المتنافسة على اعتبار حكومة السيد نوري المالكي هي حكومة دينية وطائفية، لا لشيء إلا لأن المالكي يتزعم حزباً دينياً مثل حزب الدعوة، لذا فقد تم اختزال الحكومة كلها بشخص رئيس الوزراء وحده دون أخذ دور المشاركين فيها من مختلف الكيانات والاتجهات في نظر الاعتبار. كذلك اعتبروا الدكتور أياد علاوي زعيماً علمانياً، ولا شك في ذلك، وذلك لأنه يقود كيانات علمانية غير طائفية (وهذه مسألة فيها نظر! سنناقشها لاحقاً) وعقدوا الآمال على هذه الكتلة العلمانية “اللاطائفية” في إخراج العراق من الصراع الطائفي!!. ودليل آخر يستند عليه هؤلاء في اعتقادهم بنبذ الشعب للطائفية السياسية هو: محاولة التحالفات الجديدة التخلص من صبغتها الدينية والطائفية، حيث لجأت إلى ضم كيانات وشخصيات علمانية في صفوفها، وتبنت أسماءً وطنية بدلاً من الأسماء الدينية الطائفية.
وقد لخص الأستاذ عدنان حسين هذا التفاؤل بهزيمة الطائفية بوضوح في مقاله الموسوم (رسالة الانتخابات العراقية) قال فيه: “قوية، واضحة، صريحة، مباشرة وموجزة.. هي الرسالة التي أودعها الشعب العراقي صناديق الاقتراع في السابع من الشهر الحالي: لا للأحزاب الدينية.. لا للطائفية السياسية.. لا للعنصرية.. لا للميليشيات.. لا للمحتالين أصحاب الشعارات والوعود الكاذبة.. لا لأساطين الفساد المالي والإداري.” (صحيفة أوان الكويتية، 21/3/2010).
فهل حقاً جاءت نتائج الانتخابات وفق هذه التصورات المتفائلة؟ وهل حقاً حكومة المالكي هي حكومة الدينية طائفية، والكتلة “العراقية” غير طائفية؟
بدءً، أود التأكيد على أن الطائفية السياسة يمارسها سياسيون علمانيون لتسخير أبناء الطائفة لأغراضهم السياسية. لذا فكون الكيان السياسي علماني لا ينفي عنه التمذهب والتمييز الطائفي. فحزب البعث الصدامي كان علمانياً حد النخاع، ولكنه في نفس الوقت كان من أشد غلاة الطائفيين. كذلك لا أريد هنا الدفاع عن أية جهة، ولكن يجب أن نكون منصفين ونعكس الواقع كما هو على قدر الإمكان بعيداً عن العواطف والأفكار الرغبوية. أولاً، الطائفية هي حقيقة موجودة على أرض الواقع منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، ولكنها مورست بأقسى وأوضح وأبشع أشكالها في عهد حكم البعث الصدامي، لذا لا يمكن التخلص منها بدورة انتخابية أو برلمانية واحدة. وما هذا الاستقطاب الطائفي السياسي وبهذا الوضوح الذي نعيشه منذ سقوط البعث إلا ردود أفعال للممارسات الطائفية البغيضة السابقة. ثانياً، كيف يمكن أن ننعت حكومة المالكي بأنها دينية وطائفية، ومعظم أعضائها علمانيون بل وفيهم وزير شيوعي؟ فهل يمكن اعتبار وزير الدفاع السيد عبدالقادر العبيدي وجواد البولاني طائفيين وفاسدين؟
أما قضية الفساد، فكان أفسد الوزراء الذين نهبوا ثروات البلاد والعباد هو الثنائي: حازم الشعلان، وزير الدفاع الذي سرق نحو مليار دولار، وأيهم السامرائي وزير الكهرباء الذي سرق نحو 300 مليون دولار، وكلاهما كانا وزيرين في حكومة السيد أياد علاوي العلمانية، وهربا بما نهبا من أموال الشعب المسكين.
والآن، دعونا نفحص نتائج التصويت بعد إعلان أكثر من 90% منها.
لقد أفادت التقارير أن شخصيات سياسية وقيادية بارزة معروفة بتاريخها الوطني وعلمانيتها ونزاهتها ونبذها للطائفية والعنصرية، لكنها مع رغم هذه الصفات الحميدة، فشلت فشلاً ذريعاً في الحصول على العدد الكافي من الأصوات لتنال عضوية البرلمان، ومن هذه الشخصيات: السيد حميد مجيد موسى، الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي، الذي لم يتغيب عن أية جلسة برلمانية، ومعروف بنزاهته وكفاءته ودوره البناء في خدمة الشعب. كذلك حالة السادة: نصير الجادرجي، ومهدي الحافظ، وعزت الشابندر وعدنان الباجه جي، والشريف علي بن الحسين ومثال الآلوسي وغيرهم كثيرون من الذين لم يتلوثوا، لا بالطائفية، ولا بالفساد المالي والإداري، ولكنهم مع ذلك خسروا خسارة منكرة في الانتخابات. فإذنْ، أين الخلل وأين الحقيقة من كل ذلك؟ وهل حقاً قال الشعب عبر صناديق الاقتراع: (لا للأحزاب الدينية.. لا للطائفية السياسية.. لا للعنصرية.. لا للفساد)؟؟؟.
ملاحظة عن علمانية السيد إياد علاوي وكتلته. نعم السيد علاوي سياسي علماني وغير طائفي، ولكن الكتلة “العراقية” التي يقودها معظم كياناتها سنية من بغداد والمحافظات الشمالية الغربية، لذا رأينا معظم الذين صوتوا لهذه الكتلة هم من هذه المحافظات، لا ثقة بعلمانية السيد علاوي أو لا طائفيته، بل العكس هو الصحيح، لأن الكيانات التي يقودها هي سنية وهي منافسة للتحالفات التي معظم مكوناتها شيعية، ولهذا السبب لم يستطع السيد علاوي تحقيق أي فوز في المحافظات الشيعية. ولنفس السبب، لم تستطع الكتلتان (دولة القانون، والإئتلاف الوطني) الشيعيتان، من تحقيق أي فوز يذكر في المحافظات العربية السنية.
ومن كل ما تقدم، نستنتج ما يلي: أولاً، أن التصويت جرى في جميع المحافظات وفق الانتماءات الطائفية والأثنية. ثانياً، إن المرحلة الراهنة مازالت للأحزاب الدينية الطائفية والعرقية، وأن مبدأ عدم زج الدين في السياسة، أمنية يسعى لتحقيقها المثقفون والسياسيون العلمانيون الديمقراطيون، ولكن الحقيقة المرة التي أفرزتها صناديق الاقتراع هي أن الطائفية مازالت “حية تسعى”!!!