الرئيسية » مقالات » تزوير *قانوني* وبامتياز !

تزوير *قانوني* وبامتياز !

تعتبر الانتخابات وخاصة في البلدان النامية او حديثة الديمقراطية خطوة جيدة نحو دفع البلاد الى الامام ولغرض تثبيت دعائم الديمقراطية وتطوير العملية السياسية التي ستصب في النهاية لمصلحة الوطن والمواطنين. ومن هذا المنطلق ساهم العراقيون في الانتخابات وبأعداد كبيرة، متحدين الارهاب والتهديدات وقدموا الشهداء. وهذا ما جرى حتى في الانتخابات الماضية، بدافع الحرص على استتباب الامن وبناء العراق الديمقراطي الموحد وإقرار حقهم الدستوري في المشاركة والمساهمة في رسم السياسة وصنع القرار في البلد.
وكما هو معروف للقاريء فان كل بداية خاطئة تنتهي بنهاية غير موفقة. وهذا ما حصل في بلدنا عند صدور القانون الانتخابي الذي ولد، بعد مد و جزر، مشوهاً، ناقصاً، ومعبراً عن طموحات حفنة من الفئات المتنفذة، رغم اعتراض الكثير من القوى والاحزاب الديمقراطية. لكن بالنتيجة اصبح هذا القانون المجحف امراً مفروضاً لا مفر منه، و بدأ العراقيون يدفعون ثمن الاخطاء التي تضمنها، وكان ابرزها:
اولاً – توزيع المقاعد التعويضية، حيث تم خفضها الى 15 مقعدا، عزل منها المقاعد الخاصة بالاقليات، فيما خصصت البقية (7) للمقاعد التعويضية.
ثانياً – عدم اعتبار الخارج منطقة انتخابية واحدة والذي تسبب في كثير من التعقيدات، وهذا ما اود التركيز عليه من خلال هذه السطور.
منذ البداية كان هناك موقف مسبق ومعروف لبعض القوى والمفوضية المستقلة للانتخابات من عدم مشاركة العراقيين في الخارج بالانتخابات، وذلك استناداً الى تبريرات مختلفة وغير منطقية. وتتعلق تلك التبريرات بالاموال المخصصة لانتخابات الخارج، اضافة الى ان القوة التصويتية للناخبين غير معروفة بسبب عدم وجود سجل للعراقيين في الخارج، وغيرها من الحجج. وبعد تعرض المفوضية لضغوط من قبل العراقيين في الخارج الذين عبروا عن رغبتهم القوية في المشاركة بالانتخابات باعتبارها حقا دستوريا وفي أن يكون لهم دور فاعل في الحياة السياسية، وافقت المفوضية على مشاركة العراقيين في الخارج وفق النظام المشروط. وجاء تعيينها للمسؤولين المشرفين على انتخابات الخارج من طيف واحد، من قوى متنفذة، مع تطعيمه بعدد قليل جدا من الاخرين. وقام المسؤولون المعينون بدورهم بتعيين وتوظيف المقربين منهم، فيما جرى رفض توظيف العراقيين الذين عملوا في الانتخابات السابقة. واثبتت التجربة فشل هذه التشكيلات في تنفيذ مهماتها الانتخابية، فشلاً ذريعاً، على مستوى الادارة والتنظيم. وفاقمت المفوضية الوضع تعقيداً بطلب وثائق عراقية محددة يصعب لعراقيي الخارج، الذين غادروا البلاد مجبرين منذ سنين طويلة، تقديمها. وبعد احتجاجات من قبل اغلب القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ومن جميع البلدان التي وافقت المفوضية على فتح مراكز انتخابية فيها ( في 16 دولة)، وافقت المفوضية وفي اليوم الثالث من الانتخابات على اعتماد الوثائق الاجنبية لإثبات عراقية الشخص والمدينة التي ولد فيها. ولاقى هذا القرار استحسان الجميع (والشىء المؤسف في هذا هو اعتراف بلدان المهجر بعراقية الاشخاص بينما المفوضية رفضت الاعتراف بعراقية العراقيين! .. اليس هذا غريبا؟). وأدى ذلك الى زيادة عدد المشاركين في التصويت، حيث سجلت جميع المراكز اعداداً كبيرة، واضطرارهم للانتظار في طوابير طويلة لمدة تزيد على خمس ساعات
(بسبب قلة المحطات الانتخابية داخل مراكز الاقتراع، ولاسباب غير مقنعة طرحتها المفوضية – وهذا اخفاق آخر).
وبالرغم من المشاكل المتعمدة التي خلقها مسؤولو المراكز الانتخابية لغرض إبعاد العراقيين والحد من مشاركتهم في الانتخابات في أول يومين من التصويت، من خلال الوثائق المطلوبة لاثبات الهوية او من خلال خفض اعداد المراقبين ومنع الاعلاميين من نقل الحقيقة وما يجري داخل المراكز الانتخابية.. اقول بالرغم من ذلك، أصر العراقيون على المشاركة والتصويت. لكن المفاجأة الكبيرة الجديدة، والتي يمكن ان نطلق عليها ((براءة اختراع))، هي ابعاد اصوات كثيرة ومن جميع مراكز الانتخابات وفي جميع البلدان من السجلات بحجة عدم استيفاء الوثائق المطلوبة او بسبب خطأ الموظف ؟! (( بالرغم من ان عدد المشاركين في التصويت كان قليلا جدا بسبب اجراءات المفوضية، وبلغ حوالي 270 الف من اصل مليون و 800 الف لهم الحق في التصويت )). وهنا من حقنا توجيه الاسئلة التالية الى المفوضية المستقلة للانتخابات:
الم تصدر المفوضية قرارا بالسماح للعراقيين باستعمال الوثائق الاجنبية في الانتخابات ؟ الم يدربوا الموظفين على كيفية التسجيل، وقد صرفت لهم مبالغ عن هذا التدريب؟ الم يزودوا الموظفين بالتعليمات والتي تسمح بتسجيل فقط من يحق له التصويت؟ وكيف وافق الموظفون المعّينون من قبل المسؤلين على قبول الوثائق؟ ألا يعني هذا ان لأولئك الناخبين الحق في التصويت؟ .. اسئلة كثيرة قد لا تنتهي .. فلماذا هذا “الاختراع”؟ وما هي اهدافه؟
باعتقادي ان الهدف هو ارجاع الانتخابات الى النقطة الأولى، وهي إبعاد عراقيي المهجر والخارج ومنعهم من المشاركة في الانتخابات وسلب اصواتهم. ولذا اكتشفوا هذا “الاختراع”، والذي يستحق ان تنال المفوضية المستقلة للانتخابات عليه براءة اختراع لانها اكتشفت وسيلة جديدة لسرقة اصوات الناخبين (التزوير)، وبطريقة “قانونية” وبامتياز! فهنيئا للمفوضية على هذا الاختراع!
والسؤال، بعد هذا كله، هو من يتحمل المسؤولية عن كل ما جرى؟
لذا فان جميع القوى المخلصة ومنظمات المجتمع المدني مدعوة الى تنظيم نشاطات احتجاجية والاستمرار في ذلك حتى تحقيق المطاليب التالية:
1- الغاء القرارات الجائرة بحق الناخبين المشاركين بالاقتراع، واحتساب اصواتهم وإقرار عراقيتهم.
2- تشكيل لوبي ضاغط لتغيير القانون الانتخابي المجحف وتعديله كي يكون قانونا عادلا ويمثل مصالح العراقيين جميعا، وليكون جاهزا للانتخابات في المستقبل.
3- تغيير المفوضية او بعض شخوصها التي اثبتت عدم جدارتها في التعامل مع عراقيي الخارج.
4- الاستفادة من جميع الاخطاء التي حصلت في الانتخابات الاخيرة، في الداخل والخارج، والتي جرى تشخيصها من قبل منظمات المراقبة ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية والقوائم المشاركة في الانتخابات، من اجل تجنب تكرارها في المستقبل.
5- الضغط على البرلمان القديم/الجديد من اجل إقرار قانون الاحزاب، والذي سيمهد بدوره للكشف عن مئات ملايين الدولارات التي انفقت على الدعاية الانتخابية وشراء الاصوات.
6- الضغط من اجل انجاز التعداد السكاني في العراق، والذي سيساهم بدوره في حل الكثير من الاشكاليات والمعوقات ووضع الخطط الاستراتيجية للبلاد.

لندن /
18/3/2010