الرئيسية » مقالات » إلى الوراء دُرْ

إلى الوراء دُرْ

منذ زمن بعيد ونحن لا نرث غير الهزائم والخسائر والمآسي، ولم نلتفت لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا, وانشغلنا بتكرار عمليات الهدم والبناء, بل أفرطنا في الهدم والبناء, ثم صار التهديم شغلنا الشاغل ونسينا البناء, حتى تهدم بنيان مؤسساتنا الإدارية, وانهارت سقوفها فوق رؤوسنا, ولم يعد لدينا ما نهدمه, وهكذا مشينا من حيث ندري أو لا ندري نحو حتفنا في طريق التراجعات الصفرية, فكثرت عثراتنا وتراكمت أخطاؤنا, وتعودنا على السير إلى الوراء, والعودة إلى المربعات الأولى التي انطلقنا منها قبل أعوام, في المرة العاشرة بعد الألف.

نحن في العراق نلف وندور نحو الخلف في تنفيذ خططنا الإدارية, ثم نعود القهقرى إلى نقطة البداية, لننطلق من جديد نحو آفاق الفشل الذريع, وما يؤلم وما يُفرح هو أننا لا ننجرف تماماً مع الهزائم, فليس عندنا ما نخسره بعد اليوم, في ظل الهزات السياسية والإدارية العنيفة المتكررة, ومازلنا نمتلك بارقة أمل ببزوغ بصيص النور في نهاية هذا النفق المظلم.

بعد أيام معدودات ستتشكل الحكومة الجديدة, وستتوزع الحقائب والمناصب الوزارية على الوزراء في ضوء المقاييس والمعايير التوافقية التي آمنت بها الكتل السياسية الفائزة بالسيطرة على زمام أمورنا والتحكم بمصائرنا. ومن المتوقع أن يبادر الوزراء الجدد إلى استبعاد مديري التشكيلات الإدارية الموجودين في مقرات وزاراتهم, واستبدالهم بطواقم إدارية غير مؤهلة, ثم يسارع الوزراء الجدد إلى إقصاء مدراء التشكيلات الإدارية الأخرى المنتشرة في المحافظات, وربما يحيلونهم إلى التقاعد. ومن المرجح أن يتولى المدراء الجدد في تلك التشكيلات الوزارية القيام بحملة تكميلية لإزاحة مديري الأقسام والشعب وتنصيب مديرين بالباكيت بدلاء عنهم, وما أن يستبدل المديرون القدامى, ويغيبوا عن الأنظار, حتى تدفن معهم الخطط والبرامح, التي أعدوها وسهروا عليها وحرصوا على تنفيذها, فسرعان ما يبادر المديرون الجدد إلى نسفها وتسفيهها. وتوجيه دفة الإدارة إلى البدايات الصفرية. ويعزى هذا التصرف إلى رغبة المديرين الخدّج في التميز, وإثبات الذات. والظهور بمظهر المبدعين المجددين, أو لعدم قناعتهم بما أنجزه وحققه المديرون السابقون, وربما يعزى ذلك إلى صعوبة فهمهم للسياقات والأساليب, التي كانت نافذة قبل مجيئهم, كونها تفوق حدود مداركهم المتواضعة. وغالبا ما يكون مجيئ المدير الجديد محفوفا بجوقة الوصوليين والإنتهازيين, الذين لا يستحون من شتم المدير السابق, من أجل إرضاء المدير اللاحق.

وسيكشف المدير الجديد عن مواهبه الإرتجالية, ويفرض برامجه وخططه المستحدثة, والتي غالبا ما تكون مبنية على رؤيته السطحية للأمور. فيختل التوازن الإداري. وتميل عجلة الإنتاج نحو التخبط مـتأثرة بهذا النفس البيروقراطي المريض. فتتفاقم وتيرة المشاكل وتتعقد الأمور, وربما تنفلت الأوضاع وتخرج من حدود السيطرة. ثم ينهار الكيان الإداري برمته, وتتكرر دورة الانهيارات المتعاقبة, ونفشل في تحقيق الحد الأدنى من الأداء المطلوب. وتنتهي هذه التجربة بإعفاء المدير الذي تسبب بالفشل, فيصار إلى تنسيب مدير آخر أكثر تخلفا وضعفا منه, فتنحرف بوصلة الإدارة مرة أخرى نحو خط الصفر. وتنطلق أبواق الوصوليين والإنتهازيين في تمجيد الخليفة الجديد. فتغرق سفينة المؤسسة الإدارية المعطوبة في بحار الفشل. وتستمر دورات التعثر على هذه الإيقاع البليد. وتتواصل تقلبات النواعير الفارغة, وهو ما جرت عليه العادة منذ القرن الماضي. .

نحن في العراق أصبحنا بحكم تجاربنا الإدارية المتعثرة من ابرز فلاسفة العالم في محاربة التقدم والازدهار, حتى فقدنا القدرة على الوفاء بواجباتنا الروتينية البسيطة, وعجزنا عن تحقيق أتفه أهدافنا وخططنا التنموية, فتذبذب إنتاجنا بين مد وجزر, وصعود وهبوط, وتحسن وتردي, ونشاط وخمول, وتقدم وتقهقر, ويعزى ذلك كله إلى ظاهرة التراجعات الصفرية التي صارت لصيقة بنا منذ زمن بعيد وحتى هذه الساعة, ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.