الرئيسية » مقالات » حين أتسعت غمازتا مراقبة صندوق الاقتراع !

حين أتسعت غمازتا مراقبة صندوق الاقتراع !

في تلك الايام ، التي صارت بذمة التأريخ ، نهاية سبعينات القرن الماضي ، أيام العسف والموت و..” انت بعثي وأن لم تنتم ” ، أيام كان حق المواطن في الحياة والتعبير عن نفسه ، مصادرا بفرمانات الطاغوت ، أيام كانت ضباع المجرم المقبور “صدام حسين” تطوف شوارع المدن تبحث عن المئات من ابناء العراق من ديمقراطيين ويساريين ، مِن مَن رفضوا الاذعان لسياسة القهر والاذلال ، وارتضوا التشرد والغربة في وطنهم ، حتى تمكن المئات منهم من الصعود الى جبال كردستان، او عبور الحدود بمختلف الطرق نحو منافي اجبارية طالت عقودا ، في تلك الايام البعيدة ، ونحن في بغداد نتخفى ونتستر تحت اسماء ومهن مستعارة ، وصلتنا نسخة من مجلة “الهدف” الفلسطينية ، وتناقلناها سرا لحد اهترأت اوراقها ، وفيها لقاء مع الشاعر العراقي المبدع “سعدي يوسف “، المتواجد ايامها في بيروت ، تحدث فيها وادان بجرأة الديكتاتورية الشوفينية في العراق ، وحين سأله المحرر عن أمنيته ، قال :” ان يضع يوما ورقة في صندوق اقتراع عراقي ، حتى ولو كانت بيضاء ” ، بعد ذلك بسنين ، حين سألت شخصيا ذات السؤال من صحيفة أجنبية ، في منفاي عند حافة القطب الشمالي ، استعرت ذات الاجابة !
وها أنا في بغداد ، وها هو العرس الانتخابي قد أنجز بمشاركة جماهيرية واسعة ، رغم الذين حاولوا أجهاضه بالتفجيرات الاجرامية ، وتلونت اصابعنا بالحبر البنفسجي ، في تظاهرة ديمقراطية ، توجهت اليها انظار كل العالم ، وبغض النظر عن الثغرات والتجاوزات التي رافقت العملية الانتخابية ، وبغض النظر عن النتائج النهائية ، والفائزين والخاسرين ، فأن الديمقراطية هي الرابحة ، وان شعبنا الذي اكتوى طويلا بنيران الحكومات الجائرة قد حقق خطوة كبيرة على صعيد تعزيز الممارسة الديمقراطية ، من أجل ان يكون للمواطن الحق في صناعة القرار لبناء مستقبل الوطن ، والاجيال القادمة .
حين وقفت عند صندوق الاقتراع ، وقبل ان اضع المغلف الذي حمل صوتي واختياري للقائمة التي تمثل طموحاتي ، لثوان خطر لي ان أنحني واقبل الصندوق ، ولكني خشيت ان يكون في ذلك خرقا قانونيا ، او يثير اشكالا ما ، فقد يفهمني المراقبون بشكل خاطيء ، فأكتفيت بأن ربت بيدي على طرف الصندوق ، وقلت له بصوت عال : ” مرحبا يا صاحبي ، ها نحن نلتقي بعد انتظار ، أأمل ان نراك دائما وانت بصحة طيبة ، نزيها ، نظيفا ومعافى ” . وحدجتني الفتاة الجالسة الى الصندوق بأستغراب أولا ، ثم اتسعت غمازيتيها ، لحد تورد وجهها فصار اكثر فتنة ، واشارت الى المحبرة لأغمس أصبعي .

بغداد 10 أذار 2010