الرئيسية » مقالات » العراق: إضاءة على إنتخابات 2010-..!

العراق: إضاءة على إنتخابات 2010-..!

مهما تكن النتائج التي سيتمخض عنها التصويت الذي جرى في السابع من آذار الحالي، فإنها وفي جميع الأحوال سوف لا تكون خارج الأطر التي رسمت لها مسبقاً، ولا تبتعد اللوحة السياسية القادمة من حيث الجوهر، عن تلك التي كانت عليها منذ إنتخابات/2005 للبرلمان السابق، إلا بهذا القدر أو ذاك من التغيرات الجزئية على مستوى المنظور الشكلي للخارطة السياسية، وهذا لا يعني ضرباً من التشاؤم، بقدر ما هو حقيقة ينبغي الإعتراف بها، وهذا ما تؤكده المؤشرات الأولى لمخاض العملية الإنتخابية الأخيرة، وما تقرره طبيعة الصراع السياسي القائم على جميع مستوياته، رغم الحماس والإقبال الكبيرين للناخبين الذي طبع مسار الإنتخابات إيجابيا، والذي عكس في الوقت نفسه، طموح العراقيين للتغيير القادم، وتحديهم لطغيان الأرهاب ..!

فأغلب المحتشدات التي تحرك منها الناخب العراقي للإدلاء بصوته في صناديق الإنتخابات، هي في واقع الحال، نفسها تلك التي جرى على ضوئها شطر المجتمع العراقي بعد العام/2003، والتي جرى الإتفاق عليها بين أهم أطراف العملية السياسية القائمة وقادتها منذ العام/2002 في مؤتمر لندن، والتي حددتها المكونات المبنية طبقاً للقاعدة الإثنية والطائفية-المذهبية..!

وبالتالي فإن التحرك الجديد لهذه الإنتخابات، لم يخرج في جوهره بعيداً عن الإطار العام لإنتخابات عام/ 2005 ، رغم ما أطر الكتل السياسية الرئيسة والمتنفذة ، من شعارات براقة، بإعلانها الإبتعاد عن الطائفية والإثنية، وتلويحها بالمواطنة كأساس للإختيار، وهذا يعتبر في ظاهر الحال، تقدم محسوس في فهم هذه الكتل، لحقيقة التغير الذي طرأ على قناعات الناخب العراقي، قياساً لما كان عليه في الإنتخابات الماضية، وتصدع واضح المعالم في بنية الهيكلية الطائفية-المذهبية والعرقية، وقد لعب هذا دوره في إندفاع الناخب العراقي ثانية وراء نفس الكتل السياسية أملاً في تحقيق التغيير المنشود، ناهيك عن دور المؤثرات الدينية والعشائرية في حفز هذا الإندفاع..!

ومع أن أغلبية الكتل السياسية المتنفذة التي خاضت هذه الإنتخابات، قد رفعت في مقدمة شعاراتها شعار(التغيير)، وهو من الشعارات الجذابة والمعبرة بالنسبة للناخب العراقي، إلا أن هيمنة تلك الكتل نفسها من الناحية العملية، على الآلية القانونية للإنتخابات، طبقاً لقانون الإنتخابات الساري المفعول، وتوظيفها لمصلحتها، قد جعل من هذا “الشعار” مجرد شعار شكلي للتمظهر والدعاية الإنتخابية؛ ولسبب بسيط، كونه شعار ترتبط أسبابه من حيث الأصل، بالفشل الذريع الذي أحاق بأداء تلك الكتل السياسية نفسها وهي في دست الحكم والسلطة، وبحالة إنتشار الفساد المالي والسياسي وبالخراب الإقتصادي والإجتماعي الذي تعود أسبابه لنفس ذلك الأداء..!

وإرتباطاً بذلك، فمن هنا يأتي مبعث نسبية مصداقية الشعار المذكور من قبل نفس الجهات التي ترفعه، ومن جانب آخر، فأن حمية الناس وتلهفهم الى ضرورة التغيير للتخلص من وبال ذلك الواقع المرير، ما يفسر لنا لماذا يلدغ الناخب من نفس الجحر مرتين، وهكذا يتجلى التكتيك الإنتخابي الذي إستخدمته الكتل السياسية المتنفذة الكبيرة للتغطية على فشلها المذكور، لإحتواء وإمتصاص حاجة الناس للتغيير، ناهيك عن وسائلها الأخرى في تحشيد الناس وراء تلك الشعارات..!؟

إن إتجاه أعداد كبيرة من الناخبين للتصويت لقوائم الكتل الكبيرة، لا يمكن تفسيره إلا إنطلاقاً من طبيعة اللوحة السياسية بعد عام/2003، والهيكل البنيوي للعملية السياسية نفسها، وتداعيات حالة الإحتلال على مختلف الأصعدة، يصاحبه ومن جهة أخرى، تدني مستويات الوعي السياسي الحزبي الديمقراطي لدى الناخب العراقي، الذي جرى إستبعاده عن الحياة الحزبية الديمقراطية الطبيعية لما يزيد عن الثلاثة عقود؛

فبدلاً من أن تصوت أغلبية الناخبين طبقاً لما تمليه عليهم مصالحهم الإقتصادية-الإجتماعية أساساً، وإنحداراتهم الطبقية، وإنتماءاتهم المهنية والحرفية، وهذا لا يتم إلا في ظل ظروف حياة سياسية طبيعية؛ جرفهم تيار الطائفية – المذهبية والعرقية، الى حيث ما وجدوا أنفسهم فيه؛ من مستنقع الإرهاب والموت والخوف والتشرد والبطالة، فأصبح ذلك هاجسهم الدائم، ليصدقوا ثانية بأن خلاصهم من هذا الكابوس مرتبط بهذا الإنجراف، وكأنه قدرهم الذي لا مهرب منه؛ وهذا ما لا يمكن التوسع في الحديث عن أسبابه، في مثل هذه المقالة المقتضبة..!؟

وبنفس مستوى الحدث، ومن الجانب الآخر، فإن ردود الفعل التي طالت الأداء الحكومي خلال سنواته الأربع الماضية، وما رافقها من كوارث إنسانية وإجتماعية وإقتصادية، ناهيك عن ردود الفعل على منطلقات الأحزاب الحاكمة الرئيسة، والمصطلح عليها بأحزاب “الإسلام السياسي”، بإعتمادها تاكتيك توظيف الدين وإستغلال المشاعر الدينية للناس، وإستخدام المعابد كمنطلقات لدعواتها السياسية، ومحاربتها لكل مظاهر المدنية والحضارة، وتثويرها للقبلية –العشائرية، وتسخيرها الفتاوى الدينية كمنطلقات تعبوية للناس، كل ذلك قد دفع بأن تتجه أوساط واسعة من الرافضين لسياسة تلك الأحزاب، وأغلبهم من النخب المتعلمة والمثقفة والأكاديمية، الى التكتل في أحزاب وكتل صغيرة، هدفها الوقوف في وجه المشروع الطائفي- الطفيلي، وخوض التنافس سلمياً وديمقراطياً في هذه الإنتخابات، ولكن ما كان يعيق هذه القوى الصغيرة، هو تشتتها وإختلافاتها الفكرية، مما أفشلها في النهاية في الوصول الى تحالف إنتخابي واسع لخوض هذه الإنتخابات ككتلة واحدة في مواجهة مشروع الكتل الكبيرة المتنفذة، ويدخل في عداد هذه القوى الصغيرة أيضا، أحزاب وقوى التيار اليساري – الديمقراطي، التي لم تجد، بسبب من ظروفها الذاتية والموضوعية، ما يوفر لها من الفرص الكافية والمناسبة للإئتلاف في تيار واحد، وبالتالي وكما أشرت في مقالات سابقة، فإن حظوظ هذه القوى الصغيرة، ستكون في النتيجة ضعيفة، إن لم تكن معدومة، في هذا التنافس الإنتخابي، وللأسباب التي أشرت اليها فيما مضى..!(*)

ولكن ومع كل ما تقدم، ومع أن العملية الإنتخابية ليست هدفاً بحد ذاته، إلا أنها خطوة في الطريق لترسيخ الديمقراطية كنهج صحيح في الحياة السياسية، وتجربة لا بد منها في خوض الصراع السياسي، وفقاً لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وتعبيرعن طموح الشعب العراقي في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، رغم تعدد الرؤى والأهداف، وطبيعة الظروف، ونوعية القوى التي تنهض بهذا المشروع على الصعيد الوطني..!

إن طريق ترسيخ الديمقراطية في العراق، طريق شائك وطويل، وأمامه من العثرات والصعوبات، ما يشيب الرؤوس، فكيف إذا كان الأمر يرتبط بطموح بناء أسس دولة مدنية حضارية، بمؤسسات ديمقراطية؛ إنه الإمتحان الصعب الذي يواجه كل القوى السياسية المشتركة في هذه الإنتخابات؛ أما الذين سيكتب لهم الفوز فيها، فليس أمامهم غير وعودهم وشعاراتهم البراقة؛ شاهد عليهم أمام العراقيين..!؟

أما العراقيون أنفسهم، فيكفيهم حكمةً، قول ابي الطيب المتنبي:

(( تريدين لقيان المعالي رخيصة *** ولا بد دون الشهد من ابر النحل ))