الرئيسية » مقالات » نتائج انتخابات مجلس النواب وعسل الدبابير

نتائج انتخابات مجلس النواب وعسل الدبابير

صار السابع من آذار 2010 يوما مشهودا في التقويم العراقي الحديث، تصارع الفرقاء العراقيون، حول ما ستقرره استمارات الناخبين فيه، وأنفقت قبله ملايين الدولارات، بتمويل عراقي وأجنبي، لشراء و للتأثير على المصوت العراقي، ولم يدخر المتنافسون وسيلة للترغيب أو لشراء الأصوات مقبولة كانت أو منافية ومخلة بالممارسة الديمقراطية بل و حتى مسيئة للمتنافسين. ومع كل الضوضاء والصراخ الإعلامي الذي شهدته الأسابيع السابقة لذلك التاريخ، جاءت النتائج” لتزكي” القوائم التي هيمنت على مجلس النواب خلال السنوات الأربع الماضية، ولتكرس هيمنتها بقوة اقتراع 12 مليون عراقي من مجموع 18 مليون و 600 ناخب، أي بنسبة مشاركة وعلى ذمة المفوضية العليا للانتخابات هي 62.40، وتلك نسبة عالية وفق المقاييس المتعارف عليها عالميا، أي جاءت تزكية للقوى المهيمنة الحالية التي أغدقت الوعود الوردية في الانتخابات السابقة وعادت لتكررها قبل هذه الانتخابات. وهي نفس القوى التي ضمها مجلس النواب الجديد الذي سيكون امتدادا و حلبة صراع مرير على مدى أربع سنوات قادمة أيضا بين فرقاء لا يثق أي طرف منهم بالطرف الثاني، ولكل طرف أجندته الخاصة، وبين كل ذلك ستعود صفقات المحاصصة القومية والمذهبية والحزبية والفئوية، وسيسرح الفساد السياسي الحاضن لكل أنواع الفساد الأخرى بما فيه رعاية الإرهاب المرتزق والجاهز للترويع برسم الدفع.

وإذا كان هناك من ترويج لمطلب “التغيير” الذي استهلك كثيرا كمطلب جماهيري، فإن التغيير المنشود تشوب تحققه مخاوف جدية، لان تغييرا جديا يتطلب إرادات سياسية مؤمنة حقا للشروع به وفق برنامج وطني واضح ومحدد، وهذا لم يتوفر لدى الكتل الكبيرة الأربع السابقة لانتخابات السابع من آذار2010 وهي ذاتها التي أفرزتها الانتخابات الاخيرة وإن باصطفافات وتسميات أخرى. أما أسباب الانقسام والتشرذم الذي أصابها خلال السنوات الأربع الماضية ، فلا تزال هي ذاتها باقية لدى تلك الكتل التي تشكلت عشية الانتخابات، وهي مرشحة لان تتشرذم ويعاد تشكيلها وسيسرع أطراف فيها أفرادا وجماعات من تحويل البندقية من الكتف الأيسر إلى الأيمن أو بالعكس عند احتدام المساومات على قمة الهرم المقرر والوزارات السيادية والمناصب العامة وفق ما يؤمن الغنيمة والجاه.

إن الأصوات التي انتخبت هذه الكتل في الدورة السابقة لمجلس النواب، لم تبتعد كثيرا عن دوافعها القومية والمذهبية في هذه الانتخابات، وأغلبية الأصوات الإضافية التي حظيت بها القائمة العراقية في هذه الانتخابات مقارنة بانتخابات العام 2006، هي الأصوات التي طلب منها من داخل وخارج العراق أن تمنح للقائمة العراقية نكاية بإجراءات الاجتثاث التي نالت ممثلي حزب البعث في مجلس النواب، وعربون عودة العراق “للعرب” المتخاصمين مع إيران وأصدقائهم العراقيين!.

لقد نجحت الانتخابات كممارسة ديمقراطية “كمية” مهمة، ولكنها ونتائجها لم تكن حاسمة في التأثير الايجابي على راهن ومستقبل العملية السياسية، حيث لم يتم التصويت في النسبة الغالبة من المصوتين على برامج المتنافسين التي نادرا ما قرأها المواطن العراقي المهموم بهمه اليومي، بل تم وفق إعتبارات الانتماءات المذهبية والقومية والولاءات الشخصية “للأقوياء”، وعبر التصويت بالجملة باسم القبيلة والعشيرة بعد قبض ثمن” الرؤوس” من قبل شيوخها نقدا أو عينا، ولذلك سيتداخل الربيع العراقي الحالي بصيفه الساخن، وسيحتدم خلالهما الصراع حول مستحقات ملفات عدة وعناوين فرعية عديدة منها التعديلات الدستورية وقانون الأحزاب، وستشهد فترة اعداد القوام الحكومي التنفيذي والرئاسي، صفقات وفق مبدأ لا عداوة أو صداقة دائمتين بل مصالح دائمة،لكن الرئيسي منها هو الصراع على شكل ومضمون الدولة العراقية المنشودة، وهذا ما سيظل راهنا وفي المستقبل القريب عنوانا لأزمات سياسية متجددة.

أن مقدمات الصراع الانتخابي التشريعي الذي شهده البلد والمنطقة لا بد له أن يفضي لهكذا نتائج، لأن ولادة اليوم هي نتاج حمل الأمس الذي أنَّ تحته العراقيون، و الذين سيعودون بعد أربع سنوات ليكتشفوا أيضا: أن الدبابير لا تمنح عسلا.