الرئيسية » مقالات » تصريحات الهاشمي:تجاوز الدستور واللياقة السياسية

تصريحات الهاشمي:تجاوز الدستور واللياقة السياسية

الديمقراطية في العراق..غدير في مستنقع 

ان نائب رئيس الجمهورية السيد طارق الهاشمي تجاوز بتصريحاته الاخيرة الدستور العراقي واللياقة السياسية، معتبرا تلك التصريحات بانها تنم عن عقلية تنتمي الى الماضي وتحن اليه، وهي عقلية متشبعة بالتمييز العنصري بامتياز.

ان الدستور العراقي الذي دونه العراقيون بالدم وبالتضحيات الغزيرة، ساوى بين العراقيين في الحقوق والواجبات، والتي تقف على راسها الحق في تسنم اعلى مواقع المسؤولية من دون تمييز لا على اساس العرق ولا على اساس الدين او المذهب او المناطقية، كما كان يفعل النظام الشمولي البائد، فكيف اجاز الهاشمي لنفسه ان يتحدث بهذا النفس الذي ذكرنا بالماضي الاسود؟.

ان العراقيين ضحوا بالغالي والنفيس من اجل عراق خال من التمييز العنصري والديني والمذهبي، ولذلك اختاروا صندوق الاقتراع كفيصل وحيد بين الفرقاء المتنافسين، بعيدا عن لغة التمييز مهما كان نوعه.

والغريب في الامر ان هذه التصريحات تاتي في وقت يتحدث فيه الجميع عن مؤسسات سيادية تعتمد الاغلبية السياسية على اساس نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة حصرا، بعيدا عن المحاصصة المقيتة التي ابتلي بها العراقيون منذ سقوط الصنم، لتاتي هذه التصريحات كصوت نشاز يسبح عكس التيار، وسيشهد العراقيون على ان اول من اعاد حديث المحاصصة هو السيد الهاشمي، الذي يسعى الى منصب سيادي من خلال تقمص شخصية الناطق باسم كل العراقيين، فيما نعرف جميعا بان صندوق الاقتراع هو من سيحدد حجم الفرقاء السياسيين وليس الادعاءات الفارغة التي يطلقها هذا الكيان او ذاك.

ان من حق الهاشمي ان يتطلع الى اي منصب سيادي او غيره، اسوة باي مواطن عراقي آخر، فلقد كفل الدستور مثل هذا الحق له ولغيره، ولكن ليس بطريقة التحدث باسم العراقيين، عندما قال بان رغبة الشعب العراقي في ان يرى رئيسا عربيا لعراق ما بعد الانتخابات، فكيف عرف رغبة العراقيين هذه؟ واين قراها؟ وكيف حصل عليها؟ وباية طريقة عدها؟ كان بامكانه ان يقول بانها رغبته او رغبة التيار الذي يمثله او الكيان الذي ينتمي اليه، اما ان يتحدث عن رغبة كل العراقيين، وانا احدهم ممن يصر على رفض مثل هذه اللغة ويتمنى ان يرى السيد جلال الطالباني في سدة الرئاسة لفترة دستورية اخرى، فهذا ما لا يحق له بالمطلق.

ان من يتمنى التجديد للرئيس الحالي، وانا منهم، ليس لانه كرديا، كما ان من يرغب في تغييره ينبغي عليه ان لا ينطلق من كون المرشح البديل عربيا او تركمانيا ابدا، وانما يجب ان يكون المنطلق في الرغبة والتمني والاصرار هو الخبرة والكفاءة والتجربة وتطابق الشروط الدستورية والمقبولية العراقية تحديدا وليس العربية او الاميركية او ما اشبه، الامر الذي فعله السيد الهاشمي في تصريحاته، ليكون بذلك قد قدم اجندات (العربان) من الانظمة الديكتاتورية التي لا تريد الخير للعراق، وتتمنى ان ترى تجربة العراقيين في بناء الديمقراطية وقد انهارت وفشلت، على اجندات ومصالح العراقيين، وهذا خطا آخر ارتكبه في قراءته غير الموفقة ابدا.

يجب على كل الفرقاء السياسيين ان يقبلوا بما ستنتجه صناديق الاقتراع، فهي الوحيدة التي تمثل رغبة الشعب العراقي الصادقة بعيدا عن الادعاءات والتمنيات الفارغة التي لا تستند الى واقع فعلي.

وفي ختام حديثه حيا نــــزار حيدر الشعب العراقي الذي اثبت مرة اخرى اصراره وعزيمته على المضي قدما لبناء النظام الديمقراطي الذي يعتمد صندوق الاقتراع في فرز الاصلح لحكم البلاد عن غيره، فيما اعتبر ان العراقيين ادوا الواجب الذي عليهم وبقي ان يتحمل الفائزون امانة المسؤولية بكفاءة تليق بثقل صوت الناخب الذي ادلى به في صندوق الاقتراع بعد جهد كبير وتضحيات ضخمة.

من جانب آخر، اعتبر نــــزار حيدر ان الشعب العراقي اختار الديمقراطية بدلا عن الديكتاتورية، ولذلك قبل التحدي ليشارك بكثافة في الانتخابات البرلمانية الاخيرة التي جرت في السابع من الشهر الحالي، والتي سيغير من خلالها الكثير من الاخطاء والنواقص التي شابت العملية السياسية التي شهدها العراق منذ سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003 ولحد الان.

واضاف نــــزار حيدر الذي كان يتحدث الى العشرات من وسائل الاعلام العراقية والعربية والاجنبية وعلى مدى ثلاثة ايام مدة اقتراع العراقيين في الخارج:

لا شك ان بناء الديمقراطية في العراق تحد كبير جدا، والسبب في ذلك انها غريبة عن المنطقة، ولذلك فان بناءها يشبه الى حد بعيد محاولة زرع شئ غريب في جسم الانسان فهو في هذه الحالة بحاجة الى مدة من الزمن ليتقبله ويستوعبه ويتعايش معه.

فاذا كانت دولنا قد تحولت الى مستنقع كبير بسبب الانظمة الشمولية الاستبدادية البوليسية، فان الديمقراطية التي تنمو في العراق الجديد بمثابة الغدير في وسط هذا المستنقع، ولذلك فان المهمة كبيرة جدا امام العراقيين الذين قبلوا التحدي وصمموا على المواجهة لحين تثبيت دعائم واسس الديمقراطية بما يضمن لهم استمرار التجربة والحيلولة دون تاثرها السلبي بمستنقع الديكتاتورية من حولهم.

ان الفرق بين ما ينجزه العراقيون اليوم، وما انجزته قبلهم شعوب اخرى، كاليابانيين والالمان، هو انهم لا يتحدون معوقات الديمقراطية في الداخل فحسب، وانما يتحدون المعوقات التي يشكلها المستنقع الاستبدادي في المحيط الاقليمي، وبعض المعوقات التي يشكلها الموقف غير الودي من عدد من قوى المجتمع الدولي التي لا زالت تغازل ارادة الانظمة العربية الاستبدادية التي ترى في الديمقراطية العراقية نذير شؤم على سلطاتها الموروثة او التي استولت عليها بالسرقة المسلحة (الانقلاب العسكري)، كما هو الحال في الجزيرة العربية تحت حكم اسرة آل سعود والاردن واليمن ومصر وغيرها من الانظمة الشمولية الاستبدادية القمعية البوليسية.

اما في دول مثل المانيا واليابان وامثالها، فقد كان تحدي الديمقراطية اقل بكثير مما هو عليه الحال في العراق اليوم، اذ لم تواجه تجاربها سوى القليل من التحدي الداخلي من دون تحد اقليمي او دولي، بل على العكس من ذلك، فان مثل هذه الدول كانت بمثابة مستنقع في غدير، عندما كانت تحكمها انظمة استبدادية بوليسية وسط دول تحكمها انظمة ديمقراطية من نوع آخر، ولذلك فان محيط تلك الدول ساعدها في تحقيق مهمة بناء النظام الديمقراطي، على العكس مما نشهده اليوم في العراق، ولهذا السبب تعامل الاقليم والانظمة العربية ومن ورائها الاعلام المعادي، بسلبية وعدوانية مع الانتخابات الاخيرة لدرجة انه لم يشأ اي حاكم عربي ان يزعج نفسه فيبادر بالاتصال هاتفيا، مثلا، مع نظيره العراقي ليهنئه على نجاح العملية الانتخابية.

ولكن، ومع كل ذلك، فان العراقيين اثبتوا في السابع من هذا الشهر، بانهم مصممون على قبول التحدي، والمضي قدما الى الامام من اجل بناء نظام سياسي يعتمد صندوق الاقتراع لتداول السلطة، يختلف جذريا عما هو شائع في محيطه الاقليمي الذي تحكمه انظمة ديكتاتورية بكل معنى الكلمة، سحقت الانسان واهانت كرامته وصادرت حريته وكممت افواهه ومنعته من الحديث في الشان العام باي شكل من الاشكال، فيما عبثت بمقدرات شعوبها وخيراتها ثلة من الحكام الظالمين المستبدين الفاسدين، والى جانبهم شرائح اجتماعية ضاعت كرامتها من اجل الحصول على لقمة العيش الكريم.

ان الشهادات العليا التي حصلت عليها اصابع العراقيين البنفسجية، من المنظمات والمؤسسات الدولية ومن زعماء العالم الحر، بل وحتى من عدد من الكتاب (العرب) الذين سارعوا الى الانحناء اما عاصفة الثورة العراقية البنفسجية، عندما كتبوا كل ما من شانه دعم الديمقراطية في العراق الجديد، بعد ان لمسوا كل هذا الاصرار العراقي العظيم على خوض التجربة والمشاركة في الاقتراع بالرغم من دوي التفجيرات ورائحة الدم ومنظر الارهاب، ان كل ذلك لهو اكبر دليل على اهمية هذه التجربة وما تنتجه من تغيير في الوضع العام العربي والاسلامي على وجه التحديد.

فستترك هذه التجربة اثرها الكبير جدا على شعوب المنطقة، لانها اول تجربة تغيير بعيدة عن الدبابة والمدفع والتوريث والاغتيال والقتل والسحل، ليس في العراق فحسب، وانما في عموم المنطقة، ومن المعروف فان التغيير السلمي الذي يمارسه اي شعب من الشعوب، وبوسائل انسانية وحضارية، اكبر تاثيرا في الواقع الاجتماعي من عمليات التغيير القسري وبالقوة التي تحصل هنا وهناك، فضلا عن انه اعمق اثرا في النفوس من غيره.

10 آذار 20