الرئيسية » مقالات » على ضفاف شط العرب الفيصلية قافية مورقة

على ضفاف شط العرب الفيصلية قافية مورقة


الفيصلية قرية جميلة من ضواحي مدينة المحمّرة, كانت ولا تزال كالجوهرة المدفونة في ذاكرة الطين والماء. تخفيها غابات البردي, وتحلق في سمائها العنادل وطيور الحذاف, وتغرد على أغصانها البلابل بروائع الحروف والقوافي المورقة. تتراقص أزهارها طربا, وترسم على وجه الماء لوحات فنية باهرة الجمال لكل متأمل ومتدبر, والفيصلية حديقة رائعة تزينها شجيرات السدر والحناء, ويحرسها فرسان قبيلة (تميم), ولا يعلم بسرها احد, فهي لم تزل تتكئ بهدوء على الضفة الشرقية لشط العرب, وتغفو في كنف الفردوس الذي يلتقي فيه الشط بنهر الكارون, تجاورها جزيرة (أم الخصاصيف), وتحاذيها أرصفة (السنتاب) في الميناء العتيق المتجدد.

الفيصلية في نظري (قرنة) ثانية, تحمل جينات القرنة الأولى, التي ترعرعت في أحضان جنات عدن عند التقاء دجلة بالفرات شمال المجرى المائي, الذي نشأت على ضفافه الفيصلية عند اقتران الكارون بشط العرب, وعانقته في هذه الجنائن منذ القرن الهجري الرابع, عندما قرر السلطان عضد الدولة البويهي حفر قناة مائية جديدة, اسماها وقتذاك بالنهر العضدي, لكن عرب الأحواز أطلقوا عليها اسم (الحفّار) لأنهم حفروها بسواعدهم, ونقلوا تربتها على ظهورهم العارية, فسجلوها منذ ذلك الحين باسمهم, وحرموا عضد الدولة البويهي من تخليد ذكره في هذا المشروع الاروائي الكبير.




حالفني الحظ منذ ثلاثة عقود في ممارسة الملاحة النهرية, وإرشاد السفن الكبيرة عبر منعطفات شط العرب من البحر إلى ميناء المعقل, جيئة وذهابا, ولم يخطر على بالي في يوم من الأيام إن هذه القرية الصغيرة السابحة في مياه الممر الملاحي ستصبح قلعة من قلاع الشعر والأدب, كنت احسبها ضاحية فلاحية متواضعة, تحمل في ملامحها طيبة أبي الخصيب, وعذوبة (الفداغية), ووداعة نهر (السراجي), وهيبة (الفيلية), فوجدتها تستجمع في صورتها البهية كل الخصال البابلية المقدسة, حيث الماء والخضراء والوجه الحسن, في نسق متجانس, تميمي الهوى, يسلب الألباب, ويذهل العقول.

تسحرني ضفافها المكسوة بالقصب المتوهج بألوانه الذهبية الخلابة, وتحيرني جبهتها المطرزة بالزنابق السومرية, فأطيل النظر ببيوتاتها الطينية الغافية تحت ظلال أشجار النخيل السامقة بقاماتها الفارعة, وبساتينها المزدانة بالعطايا والخيرات, وحكاياتها التي فاقت في عذوبتها وجمالها حكايات ألف ليلة وليلة, كل من شرب من ماء الفيصلية وترعرع على أرضها يصبح شاعرا بالفطرة, حتى استطاعت بفضل أبنائها الشعراء المنتشرون في المدن الخليجية، أن تسحر الناس بأرق القصائد العربية, وتأسرهم باشجى الترنيمات, فطار صيتها شرقا وغربا.


كان أهل الفيصلية مغرمين باقتناء الدواوين الشعرية والكتب الأدبية، ويتابعون ما تنشره صحف البصرة في الثلاثينيات والأربعينيات, وما تنتجه نواديها الشعرية، ويعرفون أخبار الجواهري, والرصافي, والزهاوي, وأحمد الصافي النجفي, والسياب, ونازك الملائكة, وآخر قصائد مظفر النواب, ويفقدون صوابهم عند سماع المقامات والتواشيح والأذكار العراقية.

كان الشيخ فيصل التميمي رائدا للشعر الشعبي والفصيح, عرفه عرب الأحواز بسحر بيانه وجمال قوافيه, والتحق بركبه الملا إسماعيل الفيصلي, والحاج سلسبيل الفيصلي, والحاج نجم الفيصلي (أبو نافع), رحمهم الله جميعا, وتغمد أرواحهم الطيبة بواسع جناته. اما اليوم فقد صارت الساحة الفيصلية واحة من واحات العلم والأدب, ومنبعا لانطلاق القصائد الدينية الملحنة, وطريقاً لتحريك القلوب المؤمنة لا سيما عند الجيل الجديد من القراء والمنشدين, من أمثال الشاعر عزيز الفيصلي (أبو باقر), وراضي الفيصلي (أبو محمد), وناجي الفيصلي, والحاج غالب الفيصلي, وإحسان الفيصلي, واسعد الفيصلي, وعبد علي الفيصلي, اشتركوا جميعهم في وعظ الناس وتذكيرهم بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، حتى أصبحت الفيصلية مصدرا من مصادر إنتاج وتصدير الأصوات الإنشادية الفاتنة, ونشر الألحان الجميلة الجذابة، وهذا أمر معلوم لا ينكره إلا مكابر، بل الواقع يؤكد أن انتشار الأناشيد والمواويل الفيصلية وذيوعها سببه في الغالب أمران: جمال الصوت، وبلاغة القوافي الشعرية.