الرئيسية » مقالات » الشخصية الســـــوبرمانية حديث الجمعة ( 4 )

الشخصية الســـــوبرمانية حديث الجمعة ( 4 )

لا يحق لأحد أن يسلب حق الثقافة واكتسابها من أحد مهما كان !! ويرتكب جريمة من يثبط إنساناً يسير في طريق يلتمس فيه علماً ومعرفة وثقافة مهما كان نوع تلك الثقافات والعلوم والمعارف !!
وعلى الجانب الآخر من المسألة يُقبَح من الإنسان الخوض والحديث في أمر لا يعلم عنه شيئاً أو يحكم فيه من غير أن يكون له تصور عنه ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره .
تعاني مجتمعاتنا من معضلة بالغة في السوء لها آثارها السلبية على الحياة العامة والخاصة ، تلك هي مشكلة ( الشخصية السوبرمانية ) وأقصد بها الإنسان الذي يدعي العلم بكل شيء، ويقحم نفسه في كل أمر ، فهو : طبيب وطباخ ومعلم ومحام ومفتي وفلاح وسياسي و ووو و .. إلخ .
وقبل الخوض في دراسة هذه المشكلة وأسبابها أود أن أبين الفرق بين الثقافة والتخصص، لأن الجهل به يوقع الإنسان في مواقف لا تحمد عقباها .
فالتخصص هو أن يعلم الإنسان كل شيء عن الشيء ، أما الثقافة فهي أن يعلم شيئاً من كل شيء .
ومن أراد الجمع بينهما – وقلما تجد ذلك في إنسان اليوم – عليه أن يعمل بالوصية العلمية الفريدة من نوعها : ( خذ كل شيء من شيء وشيئاً من كل شيء ) .

إدعاء الثقافة وامتلاكها ليس حكراً على أحد ، لكن معرفة الإنسان لحدوده في ميدانها من أهم أنواع الثقافات التي يجب أن يمتلكها الإنسان .
إن وجود هذه الصفة السلبية في إنسان ما إنما هي في حقيقة الأمر مرض يعانيه نتيجة مشاكل نفسية بالدرجة الأولى وتعود أسبابها إلى نقاط عدة أهمها :
1 – فقدان الثقة بالنفس :
فاقد الثقة بنفسه عاجز عن اكتشاف ذاته المبدعة القادرة على صنع النجاح في مجال من مجالات الحياة المتعددة، وبادعائه المعرفة بكل شيء إنما يحاول أن يخفي جوانب الضعف التي يتصورها في داخله .
ومن أجل القضاء على هذا الضعف الوهمي يحتاج الإنسان إلى الجرأة والشجاعة لمواجهة ذاته أولاً والواقع المحيط به ثانياً، وعليه أن يعمل جاهداً لاكتشاف المواهب المخبأة داخله، والتيقن بأنها قادرة على الإبداع في مجالات قد يعجز عنها الآخرون !!
2 – الغرور :
ذكرت سابقاً أن أحد الشباب المتحمسين والمعارضين للتدين زارني في بيتي، ويبشرني بأن مجموعة من الشباب يبحثون معاً لتأليف كتاب يجمعون فيه تناقضات القرآن !!
بدأت أناقشه وأنا أقرأ في ملامحه صَلَفَاً غير معهود، واستدرجته من حيث لا يدري بثنائي عليه، فنسي نفسه وهو يعيش حالة سكر ونشوة ذلك الصلف، فسألته على حين غرة : هل تحفظ سورة الإخلاص ؟!! فأجابني – وهو من المؤلفين – أي سورة تقصد ؟!!
هذا الشاب أثار شفقتي فعلى الرغم أنه مختص بتقويم الأسنان وحاصل على شهادة الدبلوم فيها إلا أنه أقحم نفسه فيما لا قدرة له عليه، ولو استغل ذلك التفكير لاختراعٍ في مجال تخصصه لكان أفضل له ولمجتمعه .
صورة هذا الشاب أراها متكررة في صفحات الإنترنت، ففي كل يوم يطل علينا مفتي علماني !! لا يعرف حكم الإظهار من الإدغام في القرآن ولا أركان الوضوء من سننها في الفقه ولا يفرق بين السند والمتن والحديث المدرج من المعنعن في علوم الحديث ولا يعرف الفرق بين ابن كثير وابن الأثير في التاريخ ويأتي بعد كل ذلك ليفتي في مسألة لا يعرف عنها سوى ما سمعه عن غيره وغالباً ما تكون حالة ببغائية !!
قد يمتلك الإنسان ملكة ثقافية عالية حصل عليها بالمطالعة والمثابرة عليها وهذا أمر يحمد عليه، لكنه حينما يصاب بداء الغرور ينتابه حرج كبير إذا ما وقع في موقف تظهر فيه حدود معرفته وثقافته !!
وأنجع دواء لهذا الداء الخطير هو التواضع ومعرفة الإنسان حدوده، فمهما وصل الإنسان بمعارفه وعلومه فلن يصل إلى العلم المطلق ولهذا جاء الأمر الإلهي بالزيادة في طلب العلم حيث قال عز وجل : ( وقل ربي زدني علماً ). والمتواضع شعاره في هذه المسألة وغيرها : كلما تعلمت شيئا اكتشفت بأني جاهل !!
3 – الحسد :
وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بداء الأمم، فعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( دب إليكم داء الأمم : الحسد والبغضاء ) .
وعلى الرغم أنه استثني جواز الحسد في العلم بالقرآن والصدقة للفقراء في السر حيث ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ.” صحيح البخاري ”
إلا أن نتائج الحسد إذا ما ظهرت على الإنسان تعتبر سلبية خطيرة، لأنه سيقحم نفسه في مالا علم له به فيخلط الحابل بالنابل، وفي كثير من الأحيان يكون عالة في مجالس العلم والثقافة بحيث يأخذ دور أهل الاختصاص في مسألة ما يدور النقاش حولها، من غير مراعاة لأية حالة وظرف موجود !!
4 – التنافس الجاهل :
لا أتصور أن صاحب التخصص يعاني من مشكلة في حياته كمعاناته في العيش بمجتمع منافس جاهل أوتي الجدل والسفسطة والنقاشات فيما لا علم لهم بها، وهي من أهم المصائب التي ابتليت بها الشعوب والأمم، فإذا أراد الله بقوم سوءاً آتاهم الجدل .
وفي هذه الحالة يعيش صاحب التخصص أقسى مراحل تعامله بمن حوله حينما يفتقدون الثقافة العامة من ناحية وثقافة التخصص من ناحية أخرى، والمصيبة الأدهى والأمر أن يكون كل من حوله على ثقة أنهم أكثر ثقافة من صاحب التخصص في تخصصه !!!
وبرأيي المتواضع أن يتجنب صاحب التخصص الخوض في حوارات ثقافية تخص مجاله إذ لا يمكن له أن يناقش طرفاً مقابلاً ليس بنظير له في المجال العلمي، لذا استسلم عباقرة العلماء أمام الجهلة ورفعوا أيديهم يعلنون الهزيمة أمامهم، وأشهر من ورد عنه في هذه المسألة وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال : ما ناقشت عالماً إلا وغلبته وما ناقشت جاهلاً إلا وغلبني .
إن وجود هذا النموذج من البشر كفيل بأن يفقد المجتمع توازنه، وفي كثير من الأحيان يكون سبباً في عدم تبوأ أهل الكفاءة المكان المستحق لهم وتلك هي من علامات الساعة !!
رأيت فلم سوبرمان عندما كنت في الأيام الأولى لشبابي، وبقيت مشاهده معلقة في خيالي ، وذكرياته تلوح أمام ناظري عندما أنقذ طفلا سقط في شلالات نياغارا
أما اليوم فأرى شخصيات سوبرمانية – بالجملة – تشوش على الكثيرين من أهل الفضل والاختصاص والعلم فتسيء إليهم بسلوكياتها، ولا أرى لذلك معروفاً وإحساناً حتى في عالم الخيال السوبرماني ….