الرئيسية » شؤون كوردستانية » هل حقاً شارك جنود أتراك في الحملة الأمنية البلجيكية

هل حقاً شارك جنود أتراك في الحملة الأمنية البلجيكية

الكُتّاب الكرد، المواقع الالكترونية الكردية، غرف البالتك الكردية ، الكرد السوريين، أفراداً وجماعات، كل من سمع من قبل أو لم يسمع بأسم بلجيكا، جميع هؤلاء، وقبل أيام قليلة، صفقوا لبلجيكا، وأنشدوا النشيد الوطني البلجيكي، وهتفوا بحياة العدالة البلجيكية، لتبرئتها بعض الشبان الكرد من تهم وجهها لهم رموز النظام السوري، على خلفية نشاط كردي ضد السفارة السورية في بلجيكا بعد اغتيال العلامة الشيخ معشوق الخزنوي في 2005.

بعد أيام قليلة من حفلات الحمـد والتسبيح بأسم بلجيكا، الدولة الفاضلة، صاحبة العدالة المطلقة، لإنصافها الكرد في تلك القضية الهامة ضد النظام السوري، وقبل أن تشفى الحناجر المبحوحة بسبب تلك الحفلات،تغيرت البوصلة فجأة مائة وثمانون درجة، بسبب زلزال عاطفي آخر مدمر، أين منه زلزال هاييتي، فلقد سجل أعلى الدرجات على مقياس ريختر، وحطم المنظومة العقلية و أتى على بقاياها، وقلب الموجة الكردية رأساً على عقب، إذ أن هؤلاء جميعاً الذين حمدو ومجدو و دبكو لروعة القوانين البلجيكية، نددو هذه المرة وبالقوة ذاتها وهددو وكسرو واحتجوا على ظلم بلجيكا وقوانينها الظالمة.

المشكلة الكبرى، لا بل مصيبة المصائب، إن لم يكن أم الكوارث، هو أن بعضنا لا يزال من البساطة بمكان، بحيث تنطلي عليه التلفيقات ـ تلفيقات بعضنا الآخرـ إلى درجة أنها ـ أي التلفيقات ـ تصبح بسبب هشاشتنا حقائق، لا نتبناها ونؤمن بها فحسب، بل نسعى الى تسويقها، وأين؟ في ساحتنا المهترئة، التعبانة، المليئة بالمطبات والتي ترمح فيها أشباح البطولة، وعلى من؟ على بعضنا البعض.

وهذا الإيمان المطلق بالمظلومية التاريخية، والتي سببها دائماً الآخر الشرير، يدفع بعضنا الى تفسير كل إشارة تصدر عن الضفة الأخرى، التي يتواجد بعضنا عليها أيضاً، تفسيرات تتطابق ونظرية المؤامرة التاريخية التي لا زلنا ندفع ثمنها، رغم أن الآخر لم يعد آخراً، ودليل ذلك أن الكثير منا يتواجد في أحضانه، له ما لنا وعليه ما علينا، ولم يسمع لنا صوت إلا بتاريخ إحتضانه لنا.

هل فكر أحدٌ ما، قبل أن يصدر فتوى بتكفير الحكومة البلجيكية، وقبل أن يندفع لكيل الشتائم وصب اللعنات على الديمقراطية الغربية، أن يقف ولو للحظة عند أسباب إقدام الشرطة البلجيكية على التعرض لمصالح ومؤسسات حزب العمال الكردستاني، هل يعلم الجميع، لا بل يعلمون حتماً، بأن هذا الحزب يعتبرـ وبصرف النظر عن رأينا فيه ـ أوربياً وأمريكياً منظمة إرهابية، وإن هذا التصنيف ليس مزحة ولم يأتي من فراغ، بل له تبعات وقبل ذلك أسباب، و رغم ذلك لا يأخذونه على محمل الجد ولا يقومون بإعادة النظر و دراسة الأسباب التي حدت بقارة كاملة لها وزنها مثل أوربا، تقود العالم إضافة الى أمريكا طبعاً، إلى إعتبار ذلك الحزب منظمة إرهابية، هل من المعقول أن يقوم البعض وتحت يافطة النضال بأعمال تعتبر بحسب قوانين هذه الدول أعمالاً إجرامية، ولكنه يحلها لنفسه، في ميكيافيلية تدهش حتى ميكيافيلي.

يعلم الكثيرون طبعاً، و لا أحد يستطيع أن ينكر، رغم أنه لا يمتلك الجرأة للإعتراف، أن هناك معسكرات تدريب للحزب العمالي في بعض الدول الأوربية حيث يجري تجنيد الشبان الكرد، إضافة إلى نشاطات أخرى تعتبر غير قانونية من وجهة نظر هذه الدول، ومن وجهة أية دولة تحترم نفسها، وتتدرج هذه الأنشطة من تزوير جوازات سفر الى القيام بعمليات غسيل للأموال، لتصل الى أبسطها ألا وهي تشغيل عمال ليس لديهم رخص للعمل أو تشغيلهم بصورة غير قانونية في مشروعات الحزب دون الإعلان عنهم أو دفع الضرائب المترتبة على تشغيلهم، و رغم ذلك لا أحد مستعد أن يفكر في الأذى اللاحق بسيادة هذه الدول وحقها في الدفاع عن قوانينها وفي مكافحة الأعمال التي تخرق هذه القوانين، ترى ماذا كان من الممكن أن يكون عليه الحال، لو أن جماعة بلجيكية حاولت أن تقوم بربع هذه الأعمال على أراضي مزرعة صغيرة يمتلكها أحدنا.

هل يعلم الجميع، بأن إقتحام مقرات حزب العمال الكردستاني في عدة دول أوربية ومنها محطة تلفزيونه في بلجيكا، التي يحاول البعض إستغلالها كمقميص عثمان، قد جاءت بعد تحقيقات إستمرت سنين طويلة ولم تكن بنت لحظتها، وإنه بنتيجة هذه التحقيقات وبحسب النائب العام البلجيكي قد توافرت لديهم أدلة على تلك النشاطات المشبوهة و التي يعتبرها البعض بشكل بعيد عن المنطق أنشطة عادية، و يرى بأن الدول الأوربية مجبرة ليس فقط على قبولها بل على تغيير دساتيرها وقوانينها لتتناسب وتلك الأنشطة لمجرد أنها صادرة عنا! بدلاً من العمل المثمر بصورة لا تتعارض وتلك القوانين وذلك باستثمار ما تتيحه من فرص.

إلى متى يبقى البعض يوسع في الجبهة العالمية المواجهة للكرد، بلجيكا وأوربا لا تستحقان أن ترتكب هذه المخالفات على أراضيها، إن لم يكن إحتراماً لقوانينها فلأن المصلحة الكردية منتفية في ذلك، المشكلة هي مع تركيا، أراضيها واسعة بما فيه الكفاية، والميدان يتسع لأكثر من هذه الأعمال إذا كان هناك من يريد أن يعمل.

وهنا يثور السؤال: هل فكر أحد ما في القيام بدحض أدلة النائب العام البلجيكي بصورة عقلانية، قانونية، أي بالإثباتات والأدلة والبراهين، إثباتاً مقابل إثبات ودليلاً مقابل دليل، وقبل ذلك وعلى سبيل نزع الذرائع، هل قام أصحاب الشأن بالعمل على منع تراكم أشارات إستفهام حول أنشطتهم لدى حكومات الدول التي يقيمون فيها، بدلاً من ترك الأمور تصل هكذا الى ثورة النوح والردح والتسطيح للمشكلة حتى باتت شوارع أوربا تتكلم كردي هذه الأيام، أم أن أبطال هذه الثورة لديهم فقر في الأدلة وغنى في الدموع فقط.

بعد كل ذلك، هل من المعقول أن يصدق المرء أن محطة تلفزيون روج تيفي استهدفت من دولة مثل بلجيكا لمجرد إنها وسيلة إعلامية؟ إذا كان الأمر كذلك فهو يستحق الإدانة حقاً، ولكن الوقائع تقول شيئاً آخر، ألا يعتبر مواصلة المحطة بثها من مكان قريب أو ربما من عربة متنقلة وبثها حتى صور الإقتحام نفياً لذلك؟ أم أن الشرطة البلجيكية قد عجزت عن العثور على موقع البث وإيقافه هو الآخر؟ وماذا عن الأموال المصادرة من المحطة والتي تشكل ثروة طائلة ولم يستطع أحد نفيها وتبرير مصدرها؟

والسؤال الكبير: هل كانت الحكومة البلجيكية حقاً من الضعف، بحيث أنها إستنجدت وكما جاء في الأخبار الصادرة عن أعلام حزب العمال الكردستاني، بالقوات التركية لتشترك معها في غزوة روج تيفي؟ هذا الخبر المضحك الذي إنشغل الجميع في معمعان الحدث حتى عن مجرد التفكير في مصداقيته، وأخذوه على أنه حقيقة لا يأتيها الباطل من قبل ومن بعد، لمجرد إدعاء أحدهم بأن أحد الجنود البلجيكيين كان يتكلم التركية.

وماذا يعني أن يكون أحد أفراد القوة البلجيكية من أصول تركية، ألا يحتمل أن يكون منهم من هو من أصول قومية أخرى، أو حتى كردية أيضاً ربما.

إن شهادة حسن السلوك التي منحها الكرد قبل أيام قليلة للعدالة البلجيكية في قضية السفارة بيمناهم، يقومون اليوم وللأسف بإستردادها في قضية التلفزيون بيسراهم، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على قراءة الواقع بصورة أقل ما يقال عنها عفوية وسطحية ومتسرعة إن لم تكن ساذجة، إذ كيف تتبدل المواقف بهذه الحدية خلال أيام، وكيف يمكن أن يحتوي السجل العدلي للحكومة البلجكية في الوقت عينه على عبارتي: محكوم عليه وغير محكوم عليه، وكأن لسان حالنا يقول أن العدالة تحققت في بجيكا طالما إنتصرت لنا، وإنها بعيدة عن الحق والعدل لأنها لم توافق هوانا بصرف النظر عن عدالة قضيتنا في الحالتين.

سيدخان حسن

11 März 2010

Peiwar.com