الرئيسية » التاريخ » من تاريخ الحكم الذاتي في الجزيرة

من تاريخ الحكم الذاتي في الجزيرة

كان الكثير من وجهاء المسيحيين في الجزيرة يعترفون، أثناء الانتداب الفرنسي، بانتمائهم إلى القومية الكردية، و كان يساهم أغلبهم منذ الثلاثينات من القرن الماضي في النشاط السياسي من أجل نيل الحكم الذاتي للجزيرة أسوة ببقية المناطق الخاضعة للانتداب الفرنسي.
بعد تخلي السلطات الفرنسية لسلطات أنقرة عن القسم الجنوبية لشمال كردستان، تخلت نهائياً عن مساندة مشروع عام 1920 المتضمن إنشاء دولة كردية تضم الجزيرة العليا و كيليكية، وتم الشروع في تنفيذ مشروع إقامة كيان سياسي مسيحي في الجزيرة. و كان من المخطط أن يتم فيها توطين المسيحيين من الطائفة الكاثوليكية الذين تلقوا تعليمهم على يد المبشرين الفرنسيين.
بعد الاتفاقية الفرنسية- التركية الموقعة في 20/10/1921، دخل إقليم غرب كردستان إلى حدود دولة حلب، ولم تتم السيطرة الفعلية على المنطقة الكردية الواقعة بين الفرات و دجلة إلا بعد اتفاقية الصداقة و حسن الجوار الموقعة بين الفرنسيين و الأتراك في عام 1926، و أصبحت هذه المناطق داخل حدود دولة سورية التي تشكلت عقب توحيد دولتي دمشق و حلب، بينما دخلت المنطقة الكردية الواقعة بين جغجغ و دجلة داخل حدود الدولة السورية بعد الاتفاقية الموقعة في عام 1929، و استمرت لجان الحدود أعمالها إلى بعد هذا التاريخ لسنوات.
سيطرت السلطات الفرنسية على حوض الفرات في عام 1921، بقوات كردية (مللية)، و عربية (العنزة التابعين للشيخ مجحم بن مهيد)، و السرية الآشورية المشكّلة في حلب بناءاً على أمر من الجنرال غورو. و أثبتت السرية الآشورية عدم فعاليتها في العمليات العسكرية التي قادتها القوات المشتركة ضد فلول القوات العثمانية، و العشائر العربية ( و خاصة العكيدات) التي كانت تريد ضم البوكمال و ميادين و دير الزور إلى العراق بدعم من الهاشميين و الانكليز.
قامت الاستطلاعات العسكرية الفرنسية بجولات استخباراتية في مناطق الجزيرة العليا خلال عامي 1921 و 1922، تبين بأن هذه المنطقة لم تكن خالية تماماً مثلما كان يوحي به مخطط التوطين المسيحي في الجزيرة. فكانت هذه المناطق عامرة بالقرى الكردية، و إلى الجنوب منها كانت مناطق سهلية وشبه صحراوية تستخدمها العشائر العربية و الكردية لرعي مواشيها.
في ظروف الصراع السياسي و العسكري بين الفرنسيين و الأتراك شمالاً و الانكليز شرقاً، و ضعف الإمكانات القتالية للعناصر المسيحية (السرية الآشورية)، و بعد معرفة الجغرافيا الطبيعية و السكانية في الجزيرة العليا، تم تعليق تنفيذ مشروع إنشاء كيان مسيحي في الجزيرة، و تم فيما بعد تغيير الصيغة الأولية لهذا المشروع.
بعد الاتفاقية التركية الفرنسية لعام 1929، و ضمّ منطقة شرق جغجغ الكردية إلى الدولة السورية التي لم تكن تضم لا جبل الدروز و لا جبل العلويين، تم تكييف المشروع بما يتناسب مع الانتماءات القومية و الدينية و المذهبية للوافدين إلى الجزيرة من ناحية، و مع موازين القوى بين العشائر الجزراوية و طبيعة صراعاتها و تحالفاتها الداخلية و مواقفها من السلطات الفرنسية و من القادمين من ناحية ثانية.
فمن بين الوافدين المسيحيين إلى الجزيرة كانت توجد أعداد كبير من غير الكاثوليك، و كان القسم الكبير من المسيحيين، قبل عام 1933، قادمين من المناطق الكردية الخاضعة للدولة التركية، و كان أغلبهم يتكلم اللغة الكردية، و يعدّون أنفسهم من الأكراد، و القادمون إلى منطقة شرق جغجغ كانوا يعلنون انتماءهم إلى عشيرة هفيركا الكردية. و في عام 1933، استقبل الفرنسيون اللاجئين الآشوريين القادمين من العراق، و تم توطينهم على ضفاف الخابور. نظراً للوضع الاستراتيجي للجزيرة، و لمقاومة الأطماع العراقية و التركية، كانت السلطات الفرنسية تحتفظ لنفسها بالسلطة العسكرية عبر جهاز المخابرات العامة (العسكرية)، بينما كانت تُدار الهيئات الإدارية العامة في البدء من قبل موظفي دولة حلب، و من قبل موظفي سورية فيما بعد.
كانت تسعى أغلبية النخب العروبية و الاسلاموية من الطائفة السنية، المدعومة من قبل الانكليز و الأتراك أحياناً، محاولة بسط نفوذها على كل الأقاليم الخاضعة للانتداب الفرنسي. بينما كانت أغلبية سكان جبل الدروز و جبل العلويين و المناطق الكردية من أنصار إدارة لامركزية للمناطق الخاضعة للانتداب الفرنسي. إذ كانت أغلبية الأقليات الدينية تخشى على حقوقها وحرياتها و تطالب السلطات الفرنسية بضمانات دستورية. و كانت السلطات الفرنسية ترى في اللامركزية الشكل الأفضل لإدارة المناطق الخاضعة لنفوذها.
في الجزيرة منذ نهاية العشرينات و حتى نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، كان التيار الذي يطالب بالحكم الذاتي يعتمد أساساً على تحالف بين القوميين الكرد و أغلبية المسيحيين، فضلاً عن القليل من وجهاء العرب. و كانت السلطات الفرنسية مقتنعة بإمكانية إقامة إدارة لامركزية في الجزيرة التي لها من المساحة ما يقارب ضعف دولة لبنان، و هذا الشكل من الحكم كان بالنسبة للكرد و المسيحيين ضامناً على عدم تعرضهم للاضطهاد الديني و القومي من قبل السلطات العروبية السنية التي تحكم في دمشق، و كان في المستقبل باستطاعة الأقليتين العربية و الجاجانية لعب دور ايجابي في الصراعات السلطوية المحلية.
بقي هذا التحالف المطالب بالحكم الذاتي متماسكاً و قوياً، و كانت السلطات العروبية السنية، التي كانت تدير الحكومة المدنية من دمشق، تستغل من طرفها المشاعر الدينية لدى العديد من وجهاء الكرد، و تستغل المشاعر القومية لدى أغلبية زعماء العشائر البدوية، و كانت تكسب تأيدهم لقاء وعود لم تتحقق في الغالب. و كان الهدف الأساسي لسلطات دمشق هو ضم المناطق الكردية و العلوية و الدرزية إلى منطقة حكمها المباشر، و استغلال ثروات هذه المناطق و التصرف بها، و كانت مدعومة بشكل أساسي من قبل الانكليز و أحياناً من قبل الأتراك.
لم يضعف التحالف المطالب بالحكم الذاتي في الجزيرة إلا بسبب ضعف السلطات الفرنسية و ارتباكها في إدارة علاقاتها الإقليمية في الشرق الأوسط عشية و أثناء الحرب العالمية الثانية. حيث ازدادت أهمية التحالف مع الانكليز و الأتراك، فانعكس ذلك على سياستها الداخلية، و بذلك كان عليها تقديم المزيد من التنازلات لحكومة دمشق. بينما كانت النخب العروبية و الاسلاموية في سورية تترقب مجريات الحرب، وتحضر بناء تحالفات مع المنتصر، فكانت هذه النخب منقسمة بين أتباع الألمان و أتباع الانكليز و الأتراك.
وضعف أيضاً التحالف المطالب بالحكم الذاتي في الجزيرة، بسبب شعور الكثير من قادة هذا التحالف، و خاصة من المسيحيين، بأن مستقبل الوجود الفرنسي غير مؤكد في سورية، و أنه من الأضمن إعادة الجسور مع سلطات دمشق، للتحضير لتحالفات ما بعد انسحاب الفرنسيين، و بالفعل ضعفت فرنسا بعد الاحتلال الألماني لأراضيها، و اضطرار المقاومة الفرنسية بالخضوع لشروط الانكليز الذين ساندوها و حالفوها أثناء الحرب، و بنتيجة الحرب العالمية الثانية، اضطرت فرنسا إلى الانسحاب من الأقاليم التي كانت خاضعة لانتدابها، و تم تسليم ذمام الأمور إلى النخب العروبية الموالية في غالبيتها لبريطانيا، و فقد الدروز و العلويون حكمهم الذاتي، و ذهبت أدراج الرياح الطموحات المشروعة لأبناء الجزيرة في إشادة حكم ذاتي. وذهبت أدراج الرياح الوعود التي كان العروبيين و الاسلامويين يقطعونها لبعض أنصارهم من الأكراد في الجزيرة.
استطاعت فيما بعد النخب الدرزية و العلوية بالاندماج بنسب متراوحة مع الإدارة العروبية السنية على قاعدة و حدة اللغة و المصلحة المشتركة في حكم البلاد، و رغم اختلافاتها و صراعاتها السلطوية اتفقت كل النخب العربية المتعاقبة على الحكم على التشدق بالمناطق الكردية كمرتع لوكلائها من الموظفين و كمخزون لتموينها و رواد سجونها. لا يوجد أي اعتراف دستوري بوجود الشعب الكردي في سورية، و يتعرض أبناء هذا الشعب لكل أنواع الاضطهاد الثقافي و السياسي و الاقتصادي، و يتعرض الوطنيون الناشطون منهم للملاحقات و الاعتقالات لمدد طويلة.
أمّا بالنسبة للمسيحيين في الجزيرة، فقد تم تخيير من بقي منهم بين الخضوع للاضطهاد أو العمل كولاء و سماسرة للعنصريين و الطائفيين.
لازالت اللامركزية في الإدارة و الحكم هي الشكل الأمثل في حكم سورية، فدولة متعددة القوميات و الأديان و المذاهب لا يمكن إدارتها بنظام مركزي بدون ممارسة القمع و الاضطهاد. و من السهل على النخب السورية، إن توفرت الإرادة السياسية، إيجاد صيغة مثلى من صيغ اللامركزية التي تناسب مع الواقع التعددي للمكونات السكانية المتواجدة ضمن حدود الدولة السورية.