الرئيسية » مقالات » حطب الايام

حطب الايام

اجمع الحطب امام كوخي الصغير ، قطع صغيرة من شجرة جوز يابسة ، كي اطعم مدفئتنا الصغيرة ، فقد اصبحت الغربة وطناً وكما يقول الشاعر ليس بينك وبين الوطن نسب / خير البلاد ماحملك ، فقد رحلنا عن بلادنا عندما عجزت ان تحملنا ، اخبار الانتخابات تتصدر وسائل الاعلام ، وهاهي الشعارات الجميلة تتصدر الشوارع والحارات ، تستفزنا الاموال الطائلة التي تنفق على المحطات الفضائية حين نسمع ان سعر الدقيقة يساوي الاف الدولارات ، لماذا تهدر اموال العراقيين هكذا ؟ مرة تُنْفَقْ لشراء الاف الاطنان من الاسلحة لتتحول الى حديد خردة في ساحات القتال العبثية وتنتهي معها حياة مئات الالاف من المواطنين ، ومرة تُنْفَقْ لشراء الاسلحة لمواجهة الارهاب ومرة اخرى لشراء الحواجز الكونكريتية وتكوين جيوش مدججة بالسلاح ومرة اخرى تُنْفَقْ ثروة البلاد لتأمين الرواتب الضخمة للمسؤولين الحكوميين ، ولم نسمع ان مالاً انفق لبناء بيوت للفقراء ؟ ولا لبناء المعامل كي تستوعب ملايين العاطلين المعدمين ؟ واصبح العراق كالصومال في مستوى التخلف الاقتصادي والخدمي ومستوى الفساد الاداري.
ولم نسمع ان احداً سأل عن العراقيين الموجودين في الخارج ، لازلنا نحن ضحايا الحقبة السابقة في غربتنا راقدين ، لم نجد احداً من قادة الاحزاب التي عملنا معها يوماً سأل عن حالنا ! جائتنا مساعدات من منظمات انسانية ! من الكنائس ! اما ربعنا فقد نسونا في غربتنا نعاني التعب والاسى والحرمان .
هل الاخلاق لها حزب او جماعة محددة ؟ لا اظن ذلك ، الانسان هو الاهم وهو المقياس ، وقد شاهدت اناساً متدينين اطلقوا لحاهم لكنهم سرقوا وارتشوا وخانوا الامانة ، وذات يوم بنى احد اصدقائي اليساريين معملاً صغيراً وصديقي هذا كان يحفظ كتب ماركس عن العمال ومعاناتهم وحين بنى معمله كان اشد قسوة من اولئك الراسماليين الذين وصفهم كارل ماركس في القرن التاسع عشر ، وشاهدت يساريين باعوا بيوتهم ليساعدوا المحتاجين وشاهدت فناناً معروفاً باع عوده ليساعد امراة تريد اجراء عملية مكلفة لأبنتها الصغيرة في حين تنحى عن مساعدتها بعض رجال الدين ، بينما كان الامام علي وهو إمام المسلمين ، كان نموذجاً نادراً في حب الناس ، و جاء في القرأن الكريم وصفاً رائعاً لنفسه الطيبة المحبة للفقراء ودرجة ايثاره العظيمة وهو يقدم الطعام على قلته وحاجة اسرته اليه ، يقدمه للفقراء وحتى الاسرى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) ، جاء في الحديث الشريف : (خير الناس من نفع الناس) ، بينما شاهدت اناساً اسلاميين وهم في ايام معارضتهم لحكم صدام بنوا القصور وبذخوا في انفاقهم وكانت وجبة غذائهم تعادل ماننفقه في ثلاثة اشهر .
الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته صبر ايوب يصف حال العراقيين :
هذا الفناءُ..وهذا الشاخصُ الجـَلـَلُ
هذا الخرابُ.. وهذا الضيقُ.. لقمتُنا
صارت زُعافاً، وحتى ماؤنا وشِلُ
الشاعرعبد الرزاق عبد الواحد يصور بصدق حال العراقيين ايام الحصار ، بينما كان قائد الامة المنصور يبني اعظم القصور التي ادهشت القادة العسكريون الامريكيون عندما دخلوها بعد احتلالهم ارض الوطن .
هذه الايام ينفق كثير من المسؤولين ملايين الدولارات على حملتهم الانتخابية بينما يعيش ملايين العراقيين فقر مدقع وسط حالة من انعدام الخدمات الانسانية ، لقد تهنا في هذه الزحمة وكما قال الشاعر الشعبي حرت وين انطي وجهي وين مكفاي ؟ .
هل صحيح ان السياسة ليس لها اخلاق ؟ لا اعتقد ذلك ، فالنظام الراسمالي الذي يبحث عن المصالح وتتقلب سياساته تبعاً لذلك ، هو السبب في نشوء فكرة ان السياسة ليس لها اخلاق ، صحيح ان في السياسة مصالح متصارعة وامتيازات واغراءات الكراسي ، لكن التاريخ حدثنا عن الكثير من القادة الصادقين ، كالامام علي وعمر بن عبد العزيز وجيفارا وعبد الفتاح اسماعيل وعبد الكريم قاسم ، الاخلاق موجودة في كل مكان وفي كل زمان ومرتبطة بصدقية الانسان بتربيته ومنطلقاته وليس لها علاقة بحزب او جماعة .
يقول المثل الشعبي : ابو كريوة يبين بالعبرة .
أي ان التجربة تثبت حقيقة الانسان ، وليس الشعارات التي يرفعها ، او المثل التي يدعيها ، او العقائد التي يحملها .