الرئيسية » مقالات » ليس تأييداً لأحد… بل إدانة للمناهج الطائفية والقومية المريضة!

ليس تأييداً لأحد… بل إدانة للمناهج الطائفية والقومية المريضة!

هل شاهدتم وجه نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي على شاشة التلفزيون وهو يدلي بتصريح جديد بعد غلق صناديق الاقتراع. لقد كان الوجه عابساً مكفهراً وغاضباً حتى النخاع!
هل سمعتم صرخته الطائشة من نفس القناة وهو يتحدث بلهجة وكأنها قاطعة ومليئة بالكراهية والحقد إزاء الآخر عن الدولة العراقية باعتبارها دولة عربية وينبغي أن يكون رئيس الجمهورية فيها عربياً أيضاً!
لقد كان طارق الهاشمي على امتداد السنوات المنصرمة وقبل أن يصبح الرجل نائباً لرئيس الجمهورية كان صياداً للمشاكل الطائفية طارحاً إياها وكأنها الحق الذي لا يأتيه الباطل من أي صوب. وحين فشل في طائفيته اللعينة بالرغم من كل الإسناد اليومي من قناة الشرقية, وحين تخلى الطائفيون الآخرون من أمثاله, سواء أكانوا من الشيعة أم السنة عن الحديث حول الطائفية بل وإدانتها باعتبارها تجزئ العراق وتدمر النسيج الوطني للشعب العراقي , وحين أدركت الغالبية بأن الطائفية ليست السبيل المناسب لحكم العراق , أصيب الهاشمي بأزمة فكرية وسياسية وهو الإسلامي الطائفي المتخندق, وأدرك بأن نتائج الانتخابات ستأتي بغير ما أرادها بعض ربانيها , فتفجرت قريحته عن شعار جديد عتيق كان السبب في تفكيك الوحدة الوطنية العراقية وإنهاء وجود جبهة الاتحاد الوطني التي كانت وراء ثورة تموز 1958 التي قادها الضباط الأحرار وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم, وكان أحد الأسباب في تراجع الثورة وضربها بالانقلاب الفاشي الذي قاده حزب البعث العربي الاشتراكي , عن شعار يقول أن العراق دولة عربية, في حين أن الدستور العراقي يتحدث عن المحيط العربي للعراق وليس عن العراق العربي, وعن القوميات الحرة والمتساوية في العراق وليس عن القومية العربية.
إن طارق الهاشمي وهو يودع قريباً كرسي النائب الثاني لرئيس الجمهورية يجد في نفسه, كما يبدو, الشخص المناسب لرئاسة الجمهورية, في حين كل الدلائل تؤكد عكس ذلك, وخاصة في مواقفه التي تميزت بالطائفية الصارخة.
العراق متعدد القوميات ومتعدد الأديان والمذاهب. ومن هنا تأتي أهمية أن يُحكم العراق على أساس وطن ومواطنة, تحترم فيه جميع القوميات وبالتساوي, وتحترم فيه كل الأديان بالتساوي, وتحترم فيه كل المذاهب بالتساوي, ويحترم فيه كل الأشخاص ومن النساء والرجال بالتساوي أيضاً. لا فرق بين عربي أو كردي أو تركماني أو كلداني أشوري إلا بقدر ما يقدمه كل مواطن لهذا الوطن , والكل يتمتع بحقوقه الوطنية والقومية بعيداً عن المزايدة وشق الصف الوطني. ففشل الدعوة الدينية والطائفية ينبغي أن يعطي للآخرين درساً بأن التشبث القومي لا يختلف في منهجه عن التشبث الطائفي, سواء أكان من القومية الأكبر أو القومية الأصغر. فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات, ولا بد للعراق أن يكون وأن يبقى دولة المواطنة الحرة المتساوية أمام الحقوق والواجبات, أمام الدستور والقانون.
إن محاولة البدء بإثارة المشكلة القومية أمام المجتمع والبرلمان في دورته الجديدة في أعقاب غلق صناديق الاقتراع مباشرة تريد أن تثير الاسطوانة المخرومة السابقة, أن تفجر الصراعات بين أتباع القوميات المختلفة, بين كافة المواطنات والمواطنين, وتريد أن تحرك الدول العربية لتقف إلى جانب محاولة شق الصف الوطني بشعار “أن العراق دولة عربية وجزء من الوطن العربي والأمة العربية”.
لست معنياً بمن سينتخب لرئاسة الجمهورية, سواء أكان عربياً أم كردياً أم تركمانياً أم كلدانياً-آشوريا, فالكل له الحق في ذلك, ومن يستحق منهم من حيث الكفاءة والمقدرة والقبول الجمعي له, ومن يتم الاتفاق عليه وينتخب من المجلس النيابي العراقي, ولكن لست مع من يريد سلب حق أي مكون من هذه المكونات العراقية في هذا المنصب, فمن حق الجميع اعتلاء منصب رئاسة الجمهورية , بمن فيهم النساء فلهن الحق بذلك أيضاً.
أتحدث في هذا الموضوع عن تجربة مريرة مررنا بها في الفترة 1958-1963 حين بدأ البعثيون والقوميون العرب بطرح هذا الشعار, إذ أن كل المصائب والكوارث بدأت مع طرح شعار “العراق دولة عربية وجزء من الأمة العربية والوطن العربي” والتي اقترنت بشعار الوحدة العربية الفورية ثم طرح الشعار المضاد اتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا), في وقت لم يكن العراق كذلك ولا يمكن أن يكون كذلك. للعراق محيط خليجي وعربي وإسلامي وشرق أوسطي ومحيط دولي أيضاً. وعلينا احترام موقعه ومكانته وكل مكوناته.
أتمنى أن نستمع إلى صوت العقل والحكمة والكف عن طرح شعارات طائفية وقومية شوفينية أو ضيقة تقود إلى عواقب وخيمة على العراق والشعب العراقي بكل قومياته وأديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية غير الطائفية وغير العنصرية وغير الممزقة للصف الوطني العراقي.
المطلوب من طارق الهاشمي, كما أرى, أن يكف عن طرح مثل هذه الشعارات المفرقة للصفوف وأن يدعو إلى انتخاب من يستحق من المواطنات والمواطنين لهذا المنصب وليس بالتحديد عربياً. ففشل مشروعه ومشاريع الآخرين الطائفية يفترض فيها أن لا تدفع إلى الواجهة شعارات قومية ذات نزعة شوفينية قاتلة. فمثل هذه الهويات قاتلة حقاً حين يستعاض بها عن هوية المواطنة.
9/3/2010 كاظم حبيب