الرئيسية » مقالات » من مستلزمات الحضارة : الحلقة الثانية, الانفتاح الثقافي, (الف ليلة وليلة في أوروبا )

من مستلزمات الحضارة : الحلقة الثانية, الانفتاح الثقافي, (الف ليلة وليلة في أوروبا )

كل مجتمع متحضر, يحرص على الإهتمام بالتراث الثقافي العالمي, وذلك بهدف الاستفادة منه, مع الاحتفاظ له بالفضل, ومدّه بالخلود والبقاء, ونحن العرب دائما نتحدث عن التأريخ والتراث أكثر مما تتحدث بهما الشعوب الاخرى, وهذه واحدة من عللنا حيث يستغرقنا الماضي بكل احداثه, ويأخذنا اليه, ناسين واقعنا المعاش, متشبثين حتى بالصراعات بين الملل والطوائف والقبائل, بل اننا نحييها ونشعلها كلما حاول التقدم والفكر العلمي الحديث طمسها , بذات الوقت الذي ننسى به أن ننتقي من التأريخ والتراث ماهو نافع لنا ولأبناءنا , فهذا كتاب” الف ليلة وليلة” الذي يعتبر من كتب التراث الشرقي التي منحت الشعوب الكثير من الحكمة والمعرفة, وسلطت الضوء على اهمية المحبة والتسامح والصدق والتضحية على لسان شهرزاد, المنقذة لبنات جنسها من ذبح يومي تعرضن له على يد سلطان سادي مريض, كما تحكي الرواية التي يستنتج المرء منها, صرخة بوجه الظلم المسلط على النساء, كما هي موقف رافض للغدر والخيانة وفساد الاخلاق في كل جوانب الحياة .
هذا الكتاب المحتفى به عالميا, والمكتوب مابين القرن الثالث والرابع عشر الميلادي كما يؤكد المهتمون به, ومترجموه الى العديد من اللغات, لايزال يأخذ مكانة مرموقة بين كتب التراث في التاريخ القديم والحديث, ويلهم قارئيه ليكون سببا في اطلاق ابداعات كثيرة في مجال الفن والادب كالمسرح وفن الرواية والخيال, كما كان جذوة انطلقت منها قصائد وقصص واعمال ادبية وفنية خالدة لا تحصى ..
“الف ليلة وليلة ” تحفة من كنوز مدهشة مليئة بالخيال والحكمة والتجارب والطرائف والنصائح والمتعة وسواها من كل ماهو ضروري للحياة الانسانية التي أسست الفرق بين بني البشر وسواهم من المخلوقات البهيمية على هذه الارض.
هذا الكتاب الذي يـُعد من روائع الأدب والتراث العالمي , ماكنا لنقرأه في مدارسنا, ولا نراه كقصص اطفال عندما كنا صغارا, انما قرأناه عندما كبرنا وأصبح لدينا اهتمام بالأدب والثقافة, اي قرأناه كنخبة وأقلية, حيث لم يقرأه الملايين من العرب الحافظين لأناشيد التعصب القومي والطائفي, او المقولات التي تحطّ من قيمة المرأة لترسخ في العقول انها ناقصة عقل ودين مثلا. ان الغالبية العربية سمعت بالف ليلة وليلة كجملة يستشهد بها في معرض الحديث عن البذخ والخلاعة والمجنون فقط , وليس على انه كتاب يزخر بالأدب والتراث الممتع والمتنوع, كما ان الغالبية تجهل أن هذا الكتاب, قد صنع الغرب منه, كتبا صغيرة كقصص اطفال يتداولونها في المكتبات والمدارس, وفي كل مكان انتظار يوجد فيه اطفال, وكم رأيتهم يقرأونها وهم مع ذويهم يستقلون عربات القطار, وكم عجبت وانا اجد المكتبة العامة في مدينة لاهاي بهولندا, زاخرة بقصص صغيرة للاطفال احداثها تدور في البصرة وبغداد والكوفة وسواها, وعندما قرأتها عرفت انها من قصص الف ليلة وليلة ذاتها, التي لا تتوفر عندنا لكل قاريء ولا في كل مدرسة ومكتبة, بل نحرم وصولها الى ايدي اطفالنا ,خائفين على اخلاقهم من المجون الكامن بين دفتيه, والذي لم نر- نحن العرب- في الكتاب سواه.
السؤال الذي لابد وان يبرز هنا هو :
لماذا لا يستقي اطفالنا من كل آبار المعرفة والجمال مثلما يستقي منها أطفال الغرب ,ولماذا لا ننتقي من كتاب الف ليلة وليلة مثلا, مانراه ممكنا ونافعا لأطفالنا, لماذا نبعده عن عقول الشباب والأطفال بشكل متعصب لاجدال فيه, معتبرينه مفسدة لهم, دون الاعتراف بما فيه من الحكمة والوفاء والصدق والمحبة, والكثير مما يقوي الطفل ويحذره من الغدر والكذب والتصرفات اللامسؤولة ؟ انه ككتاب اقرب في بيئته لتراثنا من سواه, واحداثه تدور غالبا في العراق, حتى ان هناك من الباحثين والنقاد من يعتقدون ان كاتبه لابد وان يكون عربي اللسان كما نشر ذلك الشيخ “احمد بن محمود شيرواني اليماني” عام 1881م, وهو احد اعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية في كلية فورت وليم, حيث يقول :
“لا يخفى على احد ان مؤلف الف ليلة وليلة شخص عربي اللسان من اهل العراق وكان غرضه من تأليف هذا الكتاب ان يقرأه من يرغب في ان يتحدث بالعربية فتحصل له من قرائته طلاقة في اللسان عند التحدث بها”

ولا يعنينا هنا ان يكون الكتاب فارسيا كما اكد اغلب المهتمين به وبما يشبه الاجماع, ام هنديا ام عربيا كما قال بعض النقاد, لكن مايعنينا هو اننا لماذا لم نستفد منه كما استفاد منه سوانا؟
لماذا يوظف الغرب كل ما انتجه العقل البشري شرقا وغربا لصالحه, ونستنكف نحن من قراءة عقول ونتاج الشعوب الاخرى, وان كانت شرقية قريبة لنا وتدور احداثها في بيئتنا الوطنية. ينهل اهل الغرب من كل ما انتجته البشرية من فكر, ويوظفون مايرونه نافعا, وندعي نحن- وباصرار- ان ماعندنا اغنى مما أنتجه الغرب في الفكر والثقافة , متكئين على مفاهيم ماعادت تواكب العصر وحاجات التقنية والاتصالات الحديثة وبيئة وطبيعة المجتمع الحالي . نسأل عن اسباب تراجعنا الحضاري دونما البحث في اسباب العلل, ثم نناقض انفسنا ونقول اننا اصحاب تسامح ومباديء انسانية نادينا بها قبل سوانا من اهل الأرض؟ فلماذا اذن لا يدخل الاهتمام بثقافة الشعوب, وماتنتجه من كتب ثقافية وفلسفية اليوم ضمن مفردة التسامح وقبول الآخر لننفتح على العقل البشري الذي هو ملك كل من في الارض جميعا, والذي نحتاجه اليوم اكثرمن اي زمن مضى ؟

2009 / 9 / 9