الرئيسية » مقالات » مستلزمات الحضارة: الحلقة الاولى: المرأة العراقية العزلاء

مستلزمات الحضارة: الحلقة الاولى: المرأة العراقية العزلاء

من مستلزمات الحضارة البشرية , ان يكون التعامل الانساني والنظرة المتساوية لكل فرد فيه , هي المعتمدة قانونا والسائدة اجتماعيا بغض النظر عن الجنس والانتماء الديني والطائفي او القومي او الطبقي أوالعرق واللون, وعلى هذا المبدأ تأسست المنظمات الانسانية الدولية العالمية وغير العالمية في التاريخ البشري ابتداءً من عصبة الامم المتحدة التي تعتبر نتاج معاناة بشرية مرعبة من حروب راح ضحيتها ملايين البشر وانتهاءً , بمنظمات الاغاثة التي انبثقت من منظمة الامم المتحدة . فبلوغ مجتمع ما هذا المستوى من الفكر الانساني يعني حتما سيره في طريق بناء الحضارة التي يشكل هذا الفكر اعمدتها وسندها الاول والاساس…

واليوم ونحن نسمع ونرى على شاشات الفضائيات ومقالات الصحف , ومايصلنا من رسائل و ملفات من المنظمات والجمعيات النسائية الناشطة في مجال المرأة, نرتعب لحجم هذه المعاناة التي تصل الى حد ضرورة اعلان العراق بلدا منكوبا وذلك للأعداد الكبيرة من الأرامل واليتامى ولهول المآسي التي استمرت منذ ما يقارب ثلاثين عاما حيث ابتدأت طاحونة الحرب العراقية الايرانية مترافقة مع طاحونة الدكتاتورية الدموية وانتهاءً بالارهاب والتكفير والتقاتل الطائفي ولاننسى الثأر البعثي المحرك والساند لكل هذا …

لا أناقش هنا حقوق المرأة العراقية في الدستور والقانون , ولا حقها في المساواة مع الرجل كأنسان , فقد اصبح هذا المطلب شبه ترف في مجتمع اصبحت المرأة به ضلعا اعوجا وعالة لاتحترم خاصة عندما تكون من الارامل والمطلقات واللواتي لم يحظين بفرصة للزواج في عراق مليوني الارقام في الشهداء والمعاقين .هذا المجتمع الذي تزداد به التقاليد والأعراف البدوية سوءً ازاء المرأة وايتامها المستحقين اولا وقبل سواهم نصيبا من ثروات العراق ونفطه الوفير الذي لن يصل لأيديهم ولا الى ايدي امهاتهم المبتليات بقسوة مجتمع لايرحم , مجتمع يـُسقط على المرأة كل أسباب اخطاءه وتناحراته واعرافه اللاانسانية البالية , فالخروج من البيت للعمل تهمة , والسير بالشارع تهمة, والتحدث الى زميل تهمة, وكلمة ارملة تهمة , وكلمة مطلقة تهمة , اما الحب وابراز المشاعر الصادقة به , فهي من اكبر الجرائم. فبأي الوسائل يتم تغيير كل هذه التقاليد التي تطبق على المرأة بثقلها كرخامة على قبر ميت يودع الارض ليختفي ويرحل الى الابد دون عودة …

ان وضع المرأة العراقية كارثي حقا , والكوارث الكبرى تحتاج لتحشيد كل الامكانات الوطنية و الدولية لوجود حل ناجع لها , وبما ان المأساة ليست وليدة سنة ولا خمس سنوات , انما هي وليدة اهمال دولي للشعب العراقي الذي كان يذبح يوميا امام انظار العالم دون تدخل , فلو كان صدام حسين قد لوحق دوليا- كما لوحق كراديتش مثلا- بسبب مجزرة حلبجة او الدجيل او مجزرة التـّجار او الانتفاضة لما تفاقم الوضع واصبح حلـّه عسيرا, ولو عمل المجتمع الدولي مع العراقيين للخلاص من الديكتاتور بدون حرب لما اصبح عدد الضحايا بالملايين , وبالتالي ماكان الوضع محبطا في ظل فساد اخلاقي هو الآخر نتاج فوضى وسياسات خاطئة استمرت على مدى ثلاثة عقود واكثر ..

ان المرأة العراقية عزلاء وحيدة في مهب عواصف الفقر والتشرد والانهيار والانتحار بوسائل عديدة ومنها السقوط الاجتماعي الفاغر فاه امامها , فلاقانون يسندها ويضمن حقوقها ويحميها في معمعة غياب الاخلاق وازدياد النهب والاحتيال واللهاث وراء المال بكل الوسائل وان كانت دنيئة ,ولاتقاليد اجتماعية ترحمها وابنائها, ولا ضمانات وطنية او دولية تكفل لها ابسط حقوقها في الحياة كانسان ,فاي حضارة وأي بناء يمكن البدء به والمرأة لازالت في العراق متهمة بلا ذنوب ومحرومة من حقها في الحياة حتى اشعار آخر؟.. 

 30 يونيو 2009