الرئيسية » شؤون كوردستانية » استراتيجية الفكر القومي الكوردي

استراتيجية الفكر القومي الكوردي

يتناول هذا الجانب ـ من الفكر القومي ـ ما سبق أن نوهنا به , منعطفات و تطورات الفكر القومي الكوردي , و رؤيته الاستراتيجية , كما هو كائن , و ما ينبغي أن يكون , في معرض التصدي لأهم تطور يمكن أن يعزز الصلات الإنسانية , و يوضح آفاق فكر قومي متصل ببعده الحقيقي في التعامل الذاتي بين أبناء أمة متجذرة في التاريخ , و في التعامل الموضوعي مع الآخرين , في وجه حضاري بعيد كل البعد عن النفس العنصري , و الرؤية العصبية القائمة على نصرة القوم في حقهم و باطلهم و التحيز لهم , و أيثارهم على الآخرين , و النظر باستعلاء إلى من حولهم من مِلل و أقوام و شعوب و قبائل , مما لا يمكن أن يأتي بخير , و أن يحظى برؤية متوازنة , طالما كان الفكر الاستعلائي قائما على رؤية دونية و دانية للآخرين , و الذي ينطلق ـ في حقيقته ـ من ردة غير علمية و لا أخلاقية و لا تاريخية مسندة .. لذلك كان منطلقنا في التأسيس و التعقيد لفكر قومي متوازن من تلك الرؤية الناضجة القائمة على منهجية علمية , و فكر متوازن , وقيم أخلاقية , وبعد إنساني يريح الفكر من ترهات الرؤية الضيقة و الأفق المغلق الممجوج و آثاره و نتائجه الكارثية التي جلبت الكثير من الويلات و الأحقاد و المصائب و الصراعات عبر التاريخ , كحصاد مروع لفكر استئصالي كريه , و مُثل ٍ قائمة على الحقد و الكراهية و الدونية , كما سوف نجد ذلك في معرض هذه الرؤية , من خلال بعض الكتاب العرب و الآثوريين و السريان , الذين يضيرهم كثيرا أن يجدوا للكورد مكانا تحت الشمس ..

و الذي يستعرض التاريخ الإنساني , بصراعاته الدموية , و حروبه المدمرة , و كوارثه التي صنعتها تصورات تصورات استعلائية, يمكنه أن يدرك حجم الفكر الكارثي القائم على تصور ٍ أن يتماسك علمياً ومنهجياً , بخلاف البعد الإنساني , والمنهج المتوازن , والرؤية الرحبة للفكر القومي الإنساني , بما يحمل من إيثار وحب , وتواؤم وتلاؤم بين مختلف الانتماءات والأطياف والمكونات والأقوام , بما يتيح الترابط والتكامل , والبناء التراثي والمعاصر لهذا الفكر الذي ينبغي أن ترقى إليه وتعززه , ونبحث عن أسسه وقواعده في واقع حياتنا , ومنهج فكرنا , لبناء تلك الأرضية التكاملية , والتصور الواسع المضيء , بما يحضر لحالة التوازن , والبعد عن الضغائن والثارات والانتقامات ودواعي الصراع وأسبابه , والإقصاء والشطب ومظاهره وأشكاله.

وقد برزت قيم ومفاهيم ورؤى شنعت على الكورد وجودهم الحضاري , ودورهم الإنساني , بل طالت تلك المفاهيم حياتهم ووجودهم وكيانهم كأمة ” كميل سهدو وآشور العراقي مؤخرا وكثير سواهم على فترات ” , هذه الأمة التي يمكن أن تبدع وأن تنتج وتنتمي إلى المجتمع الإنساني , كما فعل سهيل زكار في نعت الكورد بالقصور والتبعية وكونهم عالة على الآخرين ( في صحيفة سوراقيا) , كما فعل غيره في التحامل على الكورد وتاريخهم وقادتهم ومواقفهم , ودورهم السياسي في العراق كما فعل العنصري طلال شاكر في الحوار المتمدن , وقد رددنا عليهما , وعلى الآخرين ممن تحاملوا على الكورد (( قحطان الشرابي , إسماعيل العرفي , هارون محمد , مطر , بشار يلدا … )) وما أدلى ويدلي – كما نوهنا آنفا – المدعو (( كميل سهدو)) والذي يربط بين التاريخ العربي والسرياني والآشوري كأبناء عمومة , ويرى في وجود الكورد خاصة في الجزيرة السورية طارئاً , ومنذ عدة عقود , في حين ثبت وجود الكورد من قبل البعثة الأثرية الألمانية (( جامعة هايدنبرغ 1972 م )) منذ ثمانية آلاف عام ق.م وفي مستوطنة كوردية خالصة , هي نيفالي تشوري على رافد من روافد الفرات , وقد حرر هذا البحث ونشرت تفاصيله في صحيفة ” فكر وفن الألمانية ” ونشرت أدق التفاصيل في مجلة الحوار , – كما ذكرنا في أكثر من موضع وموقع – وقام العلامة الأثري الألماني شتاين هاوزن ” ببحث متكامل في تاريخ وحضارة المتوطنة الكردية , والتي تعد أقدم من الحضارة الفرعونية بنحو خمسة آلاف عام , في حين كشفت البعثة الأمريكية حضارة حموكر ورفعت زمنها إلى تسعة آلاف عام ق.م– والتي نشرت أبحاثها في جريدة ( الكومبيوتر السورية) , و (صحيفة تشرين ) – وكانت لغتهم في ( حموكر) هي اللغة الكوردية كما نصت البعثة الأمريكية والتي يتحدث بها سكان شمال وشمال شرق سوريا , وجنوب شرق تركيا , كما دلت عليه البعثة المذكورة , بالإضافة إلى عشرات الأبحاث الموثقة حول كوردية الهوريين والكوردوخيين والميتانيين والمؤابين والعيلاميين ( ول ديورانت , هوزينغ , شتاتهاوزن , د.سيد قمني , عبد الحميد الروحاني , مار , د.أ ولسون … ) في أبحاث رصينة , تركنا تفاصيلها في ست عشرة حلقة من ( التجذر التاريخي للأمة الكوردية ), والتي نشرت في المواقع الكوردية والصحافة الكوردية , وما أدلى به دلوه الفارغ من كل محتوى المدعو ( آشور العراقي ) في موقع ( دجلة ) الالكتروني , بردّ إبراهيم إلى ( إبرام) مما ينفي النصوص القطعية الثبوت والواردة في القرآن الكريم باسم ( إبراهيم) نصاً في عشرات الآيات الكريمة ” انظر على سبيل المثال لا الحصر سورة البقرة الآيات ( 124- 135 ثم الآية 139 ) وهو متطابق مع اللفظة الهورية الكردية برهيم ومعناها ” بجانب الصخرة ” , وهو تراث محفوظ عند الكرد منذ آلاف السنين , تناقلته الأجيال شفاها , في حين كان ورود هورية إبراهيم , والنحت اللغوي حول ( أوركيش ) ( أوركسيدم ) والدراسة الموثقة للدكتور سيد قمني ( وهو مصري) حول كوردية الهوريين , وما أسنده وقواه عبدالحميد الروحاني , وما ثبته الاشتقاق اللغوي , ثم الدراسات الأثرية المفصلة حول أسلاف الكورد .. كل ذلك يدحض مزاعم ( آشور العراقي ) الواهية , والمنطلقة من موقف مسبق , وتصور واهم حول (( افتقار الكورد )) إلى محتوى الأمة أو الشعب , أو الكيان كما اختاره وأكد عليه كميل سهدو في موقعه السرياني ( نركال) والذي راح يضرب يمينا بشمال , ويخبط خبط عشواء بدءاً من نفي وجود تاريخي للكورد إلى أي وجود لهم في فريق الجهاد , وهو ينم عن ضحالة وسذاجة فكرية بالغة وحقد بالغ على وجود الكرد وتاريخهم , مما يضعهم في أعتى خانة شوفينية تطوعا عن الآخرين , ودفاعا عن رؤية فاشية عنصرية , وكلاهما يلتقيان بل يستمدان من سهيل زكار و إسماعيل العرفي , ومحمد طلب هلال الذي غالى في عنصريته إلى درجة شنيعة , ودعا إلى مشروع عملي لضرب الكرد ومسحهم من الوجود وتشبيههم – حاشاهم وحاشا كل شعب عريق – بالكلاب المسعورة في فاشية لا نظير لها ..

كما أن قرب العرب من الكورد , وبخاصة عرب الشمال وعرب الشمر , والتقائهم في إبراهيم الخليل وهم العرب المستعربة , مما نص عليه ابن هشام وابن خلكان وابن الأثير وعشرات المصادر , وهي أوثق صلة في الأصول والتراث والعقيدة من الأقوام السامية , التي يتحدث عنها المدعو كميل سهدو , وقرينه آشور العراقي , كأن الكتاب الآثوريين والسريان يرون في وجود الكورد و دورهم التاريخي عاراً وقلباً للحقائق وإضراراً بتاريخهم . كما أن إحصاء كميل سهدو حول الكورد يفتقر إلى المنهجية والدقة العلمية والقصور الفكري , كما أن تحامله وبعده عن الدقة والتوثيق لا يستلزم كثيراً من الجهد وكدّ الذهن , وتوثيق المراجع , فهي مليئة تاريخياً وواقعاً بأغاليط و بسطحية بالغة , لا يستحق عناء الردّ .. إضافة إلى ما يشم من رائحة الكراهية والحقد ومحاولة التسلق ووضع أقدام في أرض مبتلة وزلقة .. وهو ممّن يحمل فكرا عنصريا بدائياً ضيق الأفق , بعيداً كل البعد عن رحابة الفكر الإنساني , والرؤية القومية المتوازنة , والتي نكن فيها لكل المكونات والأطياف عربا وسريانا وآثوريين وفرسا وتركا وأفغانا كل الوئام والاحترام والتوقير, وندفعهم إلى التعاون والتعارف والتكامل , لا التحارب والتضاد والصراع , وشحن الطاقة لمدّ صراع سوف يقود إلى حقد دفين , وينطلق منه ويؤرثه ولا يأتي بغير الوخيم من العواقب.

إن نظرة متوازنة إلى الشعوب والأجناس والأقوام على أنهم لآدم , وأنهم من ذكر وأنثى ليتعارفوا ويتحابوا ويتفاضلوا على أساس عمل صالح منتج ومبدع , لا على أساس من العرق والتعصب للعرقية ونفي الآخرين , ورفض وجودهم بإرادة سياسية , وإسقاط وقائع بقرارات ومقررات واهمة .. وهو ما نرفضه بقوة وحرارة ويقين , ليكون الإرث الإنساني المشترك رائد فكر قومي متوازن وملهم, يعطي ويثمر ويخصب الفكر الإنساني , ويعلي شأنه , ويمدّ أركانه , بعيداً عن كل ادّعاءات العنصرية وآثامها , وهو ما نرجو أن يتحقق ويعلو ويزكو طيباً سائغاً , بعيداً عن المرتع الوبيل , والرؤية الفجة القاصرة والتي تتجلى في مثل ذلك التحامل البغيض , والمنطق المسيس والمهزوز , والذي يتداعى أمام البحث الرصين والهادئ والمعتمد لغة الأثريين , ومنهجية العلماء والباحثين .