الرئيسية » مقالات » الدبابة الامريكية وقطار 63 ؟

الدبابة الامريكية وقطار 63 ؟

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه احيانا رغم عدم قناعة الكثير بهذه المقولة، ورغم ان الاعلام العربي عموما يصر دوما على امكانية استنساخ صفحات من التاريخ واستحضار معاركه وفوارسه في زمن الهزائم والانكسارات، واشاعة ذات الثقافة الاحادية والتلقينية التي يمارسها منذ عشرات السنين، وهي تمثل دوما عقلية وثقافة اولئك المتسلطين في النظام السياسي والاعلامي العربي عموما.

وليس ببعيد عن الاذهان ما حصل في العراق منذ ما يقرب من نصف قرن من تشويه للحقائق وايهامات للرأي العام من خلال شعارات براقة ومثيرة، تداعب هواجس العامة من الاهالي الذين تعشش الامية الابجدية والحضارية في ادمغة اكثر من سبعين بالمائة منهم في ستينات القرن الماضي وحتى سنوات متأخرة منه، حيث اكثر من ثلث السكان البالغين ما زالوا اميين، وقد عملت معظم وسائل الاعلام التي كانت تسيطر عليها الانظمة السياسية على تسطيح عقول الناس واستغفالهم وارهابهم من خلال اشاعة العدو المفترض الذي ينوي تدمير البلاد والعباد، وكأنهم جميعا مسؤولين سياسيين واعلاميين دون استثناء قد ذاكروا وتتلمذوا على تفاصيل رواية ( 1984 )* لجورج اورويل وجمهوريته العتيدة ورئيسه القائد (Big brother ) الذي تنتشر جداريات صوره في كل مكان من الجمهورية التي تقاوم الاستعمار والامبريالية العالمية؟

والغريب حد الذهول انهم امتداد لذلك العدو المفترض، بل انهم في كثير من تفاصيل وجودهم وحقيقتهم منفذين جيدين لبرنامج الطرف الاخر وراء الكواليس، حيث ينفذون بدقة تعاليم عرابهم وفلسفته كما كان يفعل خنازير ( مزرعة الحيوان أو حقل الحيوان )* في تعاملهم السري مع البشر خارج مملكتهم ضد بقية افراد المملكة او الحقل على حد وصف اورويل في تلك الرواية الشهيرة، وليس ببعيد عن اذهاننا كل تلك التجارب المريرة والمأسي الكارثية التي نفذتها تلك الانظمة الاستبدادية في بلاد كان يمكن أن تكون بحق سويسرا الشرق لو كانت بأيدي ابنائها العقلاء والمخلصين.

لقد اثبتت الايام والاحداث طيلة ما يقرب من نصف قرن تحالف تلك الانظمة التي توالت على حكم البلاد مع الشياطين اينما كانوا بروح ميكافيلية بشعة، ولعل العودة قليلا الى ما حدث بعد تموز 1958م يؤكد تلك الشراكة الاستراتيجية بين تلك القوى وبين العدو المفترض الذي يتحدث عنه جورج اورويل في جمهورية الاخ الاكبر أو ( الرئيس الضرورة ) التي لاتعطي الافراد او الاشخاص اهمية ازاء المواقف النهائية بين الطرفين، وهنا يأتي قطار 63 الامريكي ليحمل في عرباته الحلفاء الذين صنعوا رواية العدو المفترض واشاعوها في الاعلام ووسائل تثقيفهم منذ ذلك الحين وحتى دخول ممثلهم الى تلكيف ممتطيا الدبابة الامريكية بدلا من القطار الذي أقل اسلافهم في مطلع الستينات من القرن الماضي؟

حينما بانت تلك اللقطات التي اظهرت محافظ الموصل تتقدمه دبابة امريكية ومجاميع من القوات المحتلة ( المارينز الامريكي ) تحيط موكبه من كل الجوانب وهو يقتحم صفوف المئات من اهالي مدينة تلكيف المدنيين ومعظمهم من الطلبة والفلاحين والعمال والمعلمين والكسبة، الذين رفضوا زيارته واشبعوه ضربا وحلفائه بالحجارة والوحل والفاسد من الخضراوات والبيض، تذكرت باشمئزاز تلك الازدواجية المثيرة للتقزز وهم يعلنون لناخبيهم ايام انتخابات 2005م وما تلاها من انتخابات لمجالس المحافظات معاداتهم للاحتلال والمتعاونين معه ووعودهم بتحرير الموصل من المحتلين الامريكان والاكراد (!) حتى اصبحت ( سولة – عادة ) معاداة الاكراد تذكرنا بمعاداة السامية التي ارعبت الدولة العبرية فيها كل العالم لتحقيق مآربها دوليا واعلاميا، واستخدمتها تلك القوى في الموصل للوصول الى دفة الحكم كما وصل الاسلاف في قطار 63 ذات يوم غابر؟