الرئيسية » مقالات » المراجعة المطلوبة هي باتجاه الشعب

المراجعة المطلوبة هي باتجاه الشعب

من يقرأ ما كتبه محمد سيد رصاص و رد غسان المفلح يستنتج أن سوريا تتألف من نظام و معارضة فقط , و لما كان من المستحيل أن تكون سوريا أرضا مملوكة لنظام أو لمعارضة بلا شعب فهذا يعني أن الشعب ليس أمامه إلا الاختيار بين النظام و المعارضة , أن القضية من منهما على حق , النظام أم المعارضة , و من خلفهما إيران أو أمريكا , من هو الأكثر قوة و من القادر على أن يحسم المعركة من أجل السيطرة على الشرق الأوسط و بالتالي من سيفرض حليفه المحلي , هكذا ننتهي فعلا إلى لب الموضوع , الشعب السوري ليس مخيرا في الأصل بين النظام و المعارضة , إن حسم هذا الصراع لا يرتبط به و لا يتعلق به حتى , فسيد رصاص يرى أن الخيار حسم تقريبا مع تراجع المشروع الأمريكي لصالح النظام بالطبع و غسان المفلح يرى أن المشروع الأمريكي بخير و أن تعثره مؤقت , من قال أن على الشعب السوري أن يختار ؟ فعليه إما أن يكون وطنيا على طريقة النظام السوري أو ديمقراطيا على طريقة من يسمي نفسه معارضة سورية , لكن هذا يتحدد فقط نتيجة الصراع على السيطرة على الشرق الأوسط , الخلاف هو من الأقوى و من الذي يحق له أن يعتبر نفسه منتصرا في هذا الصراع : أمريكا أم إيران ؟ لكن الشعب السوري لا يبدو فقط كغنيمة للمنتصر وفقا لخطاب الكاتبين , إنه “منتصر” ضمنيا , مرة لأنه ربح وطنيا و مرة لأنه ربح ديمقراطيا , و هل من انتصار أروع من ذلك الذي تحققه دون أن تشارك حتى في المنافسة الأمر الذي لا يعني أبدا ألا تقدم “التضحيات” المطلوبة لانتصار هذا الطرف أو ذاك , هذا الوطن أو تلك الديمقراطية التي سيقدمها للشعب السوري المنتصر في ذلك الصراع , و منطق الخضوع و السمع و الطاعة جاهز في الحالتين…..من المؤسف أن يستحضر في هذا الصراع لعبة خشبية مثل جورج بوش لفظه الجميع يريد غسان المفلح أن ينصبه سبارتاكوس أو صلاح الدين الديمقراطية , يسهل الكاتب المفلح الإجابة علينا جدا عندما يقوم بهذا و يسأل : هل الخارج هو سبب الفقر أو القمع ؟ و يمكن هنا توجيه ذات السؤال لملايين الأمريكان الذين فقدوا بيوتهم و وظائفهم و استبدلوها بخيام على قارعة الشارع , عن فساد وول ستريت و المدراء التنفيذيين الذي دمر حياة الملايين لسنوات قادمة , لم يعد استخدام بوش كمثال يغيظ كما كان في السابق , لقد أصبح مثيرا للسخرية ( يذكرني استمرار الليبراليين العرب الجدد في استخدامهم لمثال بوش اليوم بعد سقوطه السريع باستخدام المصريين الفقراء الذين عملوا في العراق أيام حكم نظام صدام بمثال صدام كنموذج يحتذى أو بقصة الستالينيين العرب مع ستالين )…نعم , إن سيد رصاص على حق , فالمنطقة تتغير , و القوى المتنافسة تعيد قراءتها للواقع و تعيد إنتاج خطابها من جديد , يكفي كمثال أن نرى الانتخابات العراقية , عندما نجد الجميع يحاول التخلص بأية طريقة من إرث السنوات الأولى للاحتلال بما في ذلك موضوعة الديمقراطية نفسها و أن يعيد تصوير نفسه على أنه الخصم الأول للفساد و للمحاصصة و حتى للطائفية مهما كان فاسدا أو طائفيا , أمريكا نفسها تعيد قراءة تحالفاتها المحلية عراقيا و تغازل أطراف كانت في السابق معادية بشدة لها خاصة من النخب السنية السياسية و الطائفية , و أنا أزعم أن هذا بالضبط ما قصده سيد رصاص , لكن إذا هذا صحيحا على مستوى القوى المتنافسة مع تراجع إمكانيات أمريكا على فرض مشروعها إقليميا و صعود النظام التركي والإيراني يبحث عن دور أنشط في ملء الفراغ الذي يتشكل , لكن إذا كان هذا صحيحا بالنسبة للنخب فالقضية مختلفة جدا بالنسبة للناس , للبشر المهمشين , للمجتمعات أو الشعوب , فالآن بعد أن ذهبت فقاعة الديمقراطية المحمولة على الدبابات الأمريكية على وقع ضربات الأزمة المالية , يبقى أمامنا السؤال الأزلي عن الحرية , ما هي , و لمن , و إذا تجاهلنا الخطابات التي تتجاهل الشعب كحقيقة هامشية تستحق ما هو أكثر من السمع و الطاعة لهذا السيد أو ذلك , يمكننا القول , أن هناك شكلين للسياسة , نموذجين لممارسة السياسة , شكل تكون فيه السياسة وظيفة عدد محدود من الأفراد و النخب الذين يكونون إما مناضلين أو وزراء أو نواب و حتى وزراء داخلية أو أبواق لهذا النظام أو ذاك , شكل يكون فيه على الناس أن يمارسوا فيه السمع و الطاعة للحاكم الرشيد أو للخيار الأفضل أو الأقل سوءا , شكل يمكن فيه للجدال أن يدور و كأنهم غير موجودين أساسا , و شكل آخر تكون فيه السياسة مهمة كل إنسان عبر مؤسسات قاعدية غير نخبوية , يصبح فيها الناس أنفسهم في مركز هذا الحراك اليومي , أي ما معناه أن تندمج السلطة و النخبة بالناس لا أن تتغول إحداها على البشر و تهمشهم وفق خطابات و تبريرات جاهزة….من المؤكد أن المراجعة مطلوبة , لكنها ليست باتجاه النظام أو إيران أو أمريكا أو أي خارج آخر , إنها ملحة جدا باتجاه الشعب , باتجاه الداخل الحقيقي , باتجاه المهمشين , أي باتجاه إلغاء النخبة لنفسها كممثل وحيد و إلزامي عن المجتمع سواء في مواجهة استبداد النظام أو بتواطؤ صامت معه , و تخليها عن مهمة قيادة المجتمع و توجيهه إلى مهمة تحفيزه من الداخل على مواجهة القمع و الاستبداد و الاضطهاد و انتزاع حريته و حاضره .