الرئيسية » مقالات » الدعاية الإنتخابية: الوجه الآخر..!

الدعاية الإنتخابية: الوجه الآخر..!

ترتبط الدعاية الإنتخابية، المشرع لها في إطار العملية السياسية الجارية في العراق منذ العام/2005، حيث جرت إنتخابات الجمعية الوطنية ومن ثم إنتخابات البرلمان وأخيراً مجالس المحافظات في كانون الثاني /2009 وهي في طريقها للإنتخابات القادمة في آذار/2010 لمجلس النواب الجديد؛ ترتبط هذه العملية من حيث الأساس، بما سارت عليه العملية السياسية نفسها من جهة مكوناتها وأسس بنائها وما تحكمها وتنظمها من آليات وقواعد قانونية..!

ومن هنا فالدعاية الإنتخابية لا تخرج في جوهرها عن جميع ذلك، وهي تعكس في الحقيقة جوهر العملية السياسية في نتائجها وما يترتب عليها من تداعيات. فهي من حيث الشكل محكومة بنظام الدعاية الذي ورد في قانون الإنتخابات 25/ايلول/2008 للمحافظات، الذي شرعه مجلس النواب، بعد أخذ ورد، وفيه الكثير مما سبق وقلناه. والذي يجد فيه المرء أحكام سير عملية الدعاية الإنتخابية وتفاصيلها..!

وأهم ما يمكن الأشارة اليه من أحكام الدعاية الإنتخابية الوارد ذكرها في نصوص القانون المذكور ما يلي:

· أنها حرة ومكفولة لكافة المرشحين

· معفية من الرسوم

· محظور ممارستها في دوائر الدولة المختلفة بما فيها ابنية الوزارات، وإن أجاز القانون إستخدام دور العبادة. ((– تراجع على ما مذكور في مشروع مسودة القانون المؤرخة في 22/تموز/ 2008 التي حرمت إستخدام دور العبادة للدعاية الإنتخابية – ))

· محظور على موظفي دوائر الدولة والسلطات المحلية استعمال نفوذهم الوظيفي او موارد الدولة أو وسائلها أو أجهزتها لصالح أنفسهم أو أي مرشح، بما فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية.

· يحظر الإنفاق على الدعاية الانتخابية من المال العام أو من موازنة الوزارات أو أموال الوقف أو من أموال الدعم الخارجي.

ذلك أهم ما أتى عليه قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات والأقضية والنواحي بالنسبة للدعاية الإنتخابية، وهو ما لا يبتعد في جوهره بالنسبة لإنتخابات النواب القادمة ..!

ولكن التساؤل المطروح؛ هو ضمن أي إطار آلي ستجري ممارسة الدعاية الإنتخابية من قبل جميع المرشحين للإنتخابات القادمة.؟ وما هو مستوى العدالة والتوازن المفترض، الذي سيحضى به جميع المشاركين في العملية الإنتخابية من قوائم إنتخابية وأفراد.؟ كما والى أي درجة من الحيادية والنزاهة، سيتمثل بهما عمل المفوظية العليا للإنتخابات، وهي التي بني هيكلها التنظيمي طبقاً لمبدأ المحاصصة سيء الصيت..؟!

ليس عسيراً على المرء أن يبحث طويلاً وراء الإجابة على مثل هذه الأسئلة، إذا ما أدرك ومن منطق البداهة، أن معظم الأحزاب الكبيرة وإئتلافاتها في دست الحكم، هي من أعاقت تشريع قانون السلوك الإنتخابي، وقانون الأحزاب، وكليهما يفترض أن يكونا مفتاحي الإجابة على تلك التساؤلات لكونهما إفتراضاً، سيحددان المباديء العامة في تأسيس الأحزاب والضوابط القانونية للسلوك الحزبي، ويكفلان التعرف على مصادر التمويل ومنافذ الإنفاق وكل ما له من متعلقات بالشؤون المالية، ومنها شؤون الدعاية الإنتخابية، لهذا الحزب والكتلة أو ذاك..!

ومن هذا المنطلق فليس غريباً أن يشوب الدعاية الإنتخابية الكثير من هواجس الشك والريبة في نزاهة ما يمكن أن تفرزه الممارسات والنشاطات، التي قد تلجأ اليها بعض الكتل السياسية أو بعض المرشحين، وخاصة تلك التي لها حظ في التفرد بمقاليد وأدوات الدولة التنفيذية، أو تلك التي تعتمد التمويل والدعم الخارجي أو ما يدعى بالخبرة الأجنبية، أو من هم من ذوي المال والجاه..!؟

فليس من الصدف، أن يرى المراقب وجوه البعض من دعاة تلك الكيانات، وهي لا تفارق عين المواطن العراقي ليل نهار في الفضائيات، حالها حال الإعلانات التجارية التي يطلق عليها إعلامياً “فاصل” بين المسلسلات التلفزيونية، وصور قادتها تغطي واجهات المباني وتقاطعات الشوارع والساحات العامة بالحجم السوبر سكوب..!؟

إن الدعاية الإنتخابية البالغة التكاليف، تعكس للمواطن العراقي، حجم الإنفاق المليوني الذي تدفعه تلك الكتل السياسية وبعض المرشحين مشفوعاً بسؤال: من أين لك هذا؟ كما وتعطي المراقب لمسيرة الحملة الدعائية للمرشحين، التفسير المناسب لأسباب عرقلة تلك الجهات السياسية تشريع القانونين أعلاه..!

فغياب قانون الأحزاب في مثل هذه العملية الفاصلة في التأريخ السياسي للعراق، مضافاً اليه، المثالب والنواقص التي إعترت قانون الإنتخابات، وبالذات المادة/3 من القانون، قد أتاحت لتلك الكتل السياسية الكبيرة والمتنفذة، الفرصة في رسم الطريق “المشروع” لتثبيت أرجلها وفرض هيمنتها على مستقبل مسار العملية السياسية، في نفس الوقت الذي فتحت فيه الطريق واسعاً أمام الطفيليين وراكبي الموجة السياسية، للتمدد الخارجي، وإغداق الملايين من الدولارات، في سوق الدعاية الإنتخابية، التي أصبحت مجالاً مرموقاً لإستثمار وتدخل حتى الشركات الإحتكارية العالمية متعددة الجنسيات في هذه السوق، دون رقيب أو حسيب..!؟؟

وهذا وحده كافياً ليفسر لنا، حالة عدم التوازن وفقدان العدالة في العملية الإنتخابية القائمة بين الكيانات السياسية المشاركة في تلك العملية، والتي ستكون فيها الكيانات السياسية الصغيرة، وذات التمويل الذاتي في أغلب الأحوال، هي الخاسر الأكبر، فالدعاية الإنتخابية هنا، تمثل الوجه الآخر لنسبية ديمقراطية العملية الإنتخابية ومدى شفافيتها في المنظور العام..!

26/2/2010