الرئيسية » مقالات » من قرأ فليس منا !!! حديث الجمعة ( 2 )

من قرأ فليس منا !!! حديث الجمعة ( 2 )

أتصور لو أني راكب في حافلة متوجه من دمشق إلى بيروت ، وأقارنه – خيالاً – بأني راكب في القطار المتوجه من باريس إلى لندن، سأجد المسافرين في الرحلة العربية بين غارق في النوم يشخر وكأنه شريط غنائي مسجل في عشرينيات القرن الماضي، وبين مستيقظ شاخص بعينيه في الاتجاه الأمامي وكأنه تمثال لرمسيس الخامس يتمايل رأسه مع حركة الحافلة من غير إرادة منه !! وربما تجد بين المسافرين من أحضر معه جريدة يتسلى بها مخالفاً بها جمهور المسافرين !!

أما المسافرون في الرحلة الأوروبية فأتصور أن الكثيرين منهم غارقون في مطالعة الكتب والروايات والمجلات، وتجد الحافلة حينها أشبه ما تكون بمكتبة متحركة يقرأ فيها المسافرون عشرات أضعاف من يترددون على المكتبات العامة في بلادنا الإسلامية !!

ذكرت إحصائية أن المواطن الأمريكي يقرأ 13 كتاباً و11 كتاباً يقرأه البريطاني و9 كتب يقرؤها الإسرائيلي في حين أن المواطن العربي يقرأ سنويا ربع صفحة !!

وهذا ما كان له أثره الواضح على المطبوعات والمنشورات من الكتب خلال العام الواحد .



تشير آخر الإحصاءات لعام 2005، أنّ معدل نشر الكتاب في العالم العربي لم يتجاوز نسبة 7%، وأن نصيب كل مليون عربي من الكتب المنشورة في العالم لا يتجاوز الثلاثين كتاباً، مقابل 584 كتابا لكل مليون أوروبي و212 لكل مليون أميركي، حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو) ما يؤكد أن مستويات القراءة في العالم العربي متدنية مقارنة بالمعدلات العالمية.

كما تتراوح أعداد النسخ المطبوعة من الكتاب العربي في المعدل العام بين ألف وثلاثة آلاف نسخة وفق تقرير التنمية البشرية الأخير، بينما تبلغ عدد النسخ المطبوعة للكتاب في أوروبا وأمريكا عشرات الآلاف، الأمر الذي يعكس مدى تدني صناعة الكتاب في العالم العربي .

حالة العربي والحالة هذه تنطبق على الكردي إن لم نقل إن الكردي أقل مستوى في المطالعة والقراءة من العربي .

والغريب أن تجد هذه الأرقام والإحصاءات والنتائج عندما تقارن بين الموروثات التاريخية لثقافة الطرفين !!

كان شعار أوروبا في القرون الوسطى وباعترافاتهم هم أنفسهم : ( أطفئ سراج عقلك واحمل صليبك واتبعني ) في الوقت الذي كان شعار المسلمين : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ، وقوله تعالى : ( وقل ربي زدني علماً )، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ) .

ولكن الذي حدث هو انتفاضة الطرفين على موروثاتهم ، فأوروبا حطمت شعاراتها الظلامية ووضعت لنفسها خطة تلائم مجتمعها فخرجت للعالم تحمل شعلة النور والعلم والثقافة لتصبح سيدة العالم .

استرشد الغرب بالماضي فأرشده ونحن كان لنا ماض نسيناه

أما انتفاضة العالم المسلم كانت على موروثاتهم أيضاً فحطموها واستبدلوها بإرث أوروبا القديم ، حتى وصل الحال ببعض مشايخ الطرق الصوفية يدعون الناس عدم إرسال أبنائهم إلى المدارس لأنها تعلمهم العلوم الشيطانية !!

ثم حدث أن انشغل المتعلمون بالسياسة المنفصلة عن الثقافة حتى باتت خصماً لها إلا ثقافة موافقة لتوجهاتهم وإيديولوجياتهم فقليلا ما كنت تجد سياسيا مثقفا أو حزباً وضع الإصلاح الثقافي الخاص بمجتمعنا في برنامجه .

حلت ثقافة الجدل والمخاصمة والسفسطة على المتعلمين وإبراز العضلات في الحوارات والمناظرات الفارغة والمضيعة للوقت، إلا أنها نجحت في خلق جيل متناقض مع نفسه مغرم بسلبيات أوروبا وأنظمتها الأخلاقية وعاداتها الاجتماعية التي لا تناسب سوى مجتمعاتها، في الوقت الذي يرفض الاقتداء بأوروبا في العلم والثقافة والدراسة وقبول الآخر واحترام المشاعر وليس أكثر من أن تجد كتاباً مسلمين بالهوية يعيشون في الغرب جعلوا أقلامهم سكاكين يجرحون بها مشاعر الملايين عندما يشتمون بصريح العبارة مقدساتنا الإسلامية متذرعين – وبتفكير بسيط وساذج – أنها مقدسات عربية !!

عندما تكون هذه أحوالنا ليس عجيبا أن نجد هذه الأرقام والإحصاءات فهي طبيعية، فالإسرائيلي لا يشتم مقدساته اليهودية بادعاء أن تلك المقدسات يدين بها اليهود العرب .

نعيش أزمة علاقة مع الكتاب والمطالعة حتى أصبح شعارنا – ومع كل أسف – من قرأ فليس منا !!

مرت فترة على أهالي مدينة القامشلي كانت – ومازالت – تنتشر فيهم عادة رائعة وراقية وهي : صناعة صيدلية صغيرة للبيت يتفننون في صناعتها ورسم الهلال الأحمر على زجاج بابها ، كانت تعلق في إحدى غرفها وغالبا ما كانت أكبرها ، يحفظون فيها الأدوية اللازمة للإسعافات الأولية ، وبقايا الأدوية بعد التداوي والشفاء من المرض .

لكن مع كل أسف لم تكن تجد إلا نادرا مكتبة فيها الأدوية التي تحتاجها العقول والقلوب، اللهم إلا مصحفاً شريفاً محفوظاً في محفظة قماشية ( تورك ) معلقا خلف ستارة جدارية عليها نقوش من براعة يد نساء البيت !!

لسان حال المصحف ينادي أهل الدار : كل ما في هذه البيت له صديق يؤنسه ، فأين شقيقاتي الكتب ؟ أين الروايات والكتب التاريخية ؟ أين قصص الأطفال ؟ أين الكتب الخاصة بالنساء ؟ ألم تسمعوا من يقول :

أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب

أثر التربية والقدوة :

مسألة المطالعة لها ارتباط وثيق بالبيئة التي ولد ونشأ فيها الإنسان، فالطفل عندما يجد أباه ممسكاً بالكتاب ويقرأ سيقلده، ويفتح أمامه أفق الأسئلة التي تلازم حياة الأطفال في سنهم المبكر ، وخاصة إذا ذكر الأب لابنه موقفاً مثيراً من الكتاب الذي يقرأ منه !!

وحدثت معي مواقف من هذا القبيل عندما رأيت أحد أبنائي يقرأ في كتاب كنت أقرأه وهو لا يفهم من الكتاب شيئا فبقي في يده لدقائق ثم عاد لوضع الكتاب في مكانه !!

عندما رأيت الموقف حملت كتابا قريباً من مستواه وقراءته أمامهم ثم شرحت جزءاً منه على مسامعهم، وعندما طلبوا مني المواصلة في الشرح وجهتهم للكتاب حتى يجدوا فيه ما يشتاقون لسماعه !!

وفي إحدى زياراتي لصديق كندي رأيت ابنه ذي العشر سنوات جالس على طاولة الطعام وأمامه وجبة الغداء وكانت كمية قليلة من الرز في حصن صغير يأكلها كما نتسلى نحن بحب عباد الشمس وفي يده الأخرى كتاب يقرأ فيه، وعند استفساري عن الكتاب الذي يقرأ فيه وهل هو من منهجه الدراسي قال : لا إنها رواية لشكسبير ؟!!

على الأبوين مناقشة أبنائهم الذين يجلسون أمام الكمبيوتر بالساعات الطويلة وهم يلعبون ويلتهون بالألعاب الإلكترونية، وتشجيعهم للبحث عن المصطلحات العلمية والاجتماعية والقصص التاريخية والتربوية .

وهذه التربية التي ننشدها هي التي حثت عليها النصوص الشرعية العامة الداعية لطلب العلم والبحث عن الحكمة وهي كثيرة منها ما ذكرناه آنفاً ، وليس أدل على ذلك أيضاً أن أول أمر صدع به الوحي الإلهي، وكان بمثابة البريق الأول للفتح العلمي الإسلامي لتلك الأمة الجاهلة هو قوله تعالى: ( اقرأ باسم ربك ) .

كما أن الإسلام رفع شأن العلماء إلى مصاف العباد المخلصين له سبحانه وتعالى عندما قال : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .

كما بين الإسلام أن أكثر الناس خشية لربهم هم الذين وصلوا بعلمهم إلى ذات الله تعالى عندما قال جل شأنه : ( ‏إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ‏ )‏ ‏‏ فاطر‏:‏ 28‏

إن حياة الأمم تقاس بما تقدمه من علوم وثقافة ، وذلك لا يتأتى إلا بالمطالعة ومصاحبة الكتاب فما نظر رجل في كتاب إلا خرج بفائدة، والغنيمة الرابحة هي قطف الحكمة من بين طيات الصفحات، على المرء أن ينسخ حروف العلم في ألواح قلبه، ويعطر بسطور المعلومة نسمات روحه، ويكحل عينيه بجواهر ودرر المعرفة لترى ملكوت السماوات والأرض.

عليه أن يحلب در العلم من ثدي الأسفار، فإن الدفاتر مملكة الأفكار، صاحب الكتب مع كتبه أغنى من أقرانه، ومصاحب القرطاس أطيب عيشاً من نديم الكأس، ومدارس الآثار أعظم من المنصت لنغمات الأوتار.

وصدق من قال : مصاحبة الكتاب يصون الإنسان من تيه الملوك، ويحميه من صلف الجبابرة، وسطوة الظلمة، ويحفظه من لوم الحاسد، وتشفي الشامت، ورؤية الثقيل، ومنة البخيل، وكدر الغبي، ومئونة المغتاب، وطيش السفيه .

زالت الدول، ونُسي الملوك، وتعطلت الأسواق، ودرست المنازل، وتهدمت القصور، واندثرت الحدائق، وفنيت الأموال، وهلك الرجال، ولكن بقيت الحكمة في الكتب خالدة ، واستمر إرث العلماء في اللمعان كالنجوم التي لا تختفي إلا بأنوار علوم أكثر تأثيراً على عقول ونفوس البشر ..