الرئيسية » مقالات » النظافة في القامشلي وطوكيو والخرطوم … تصور يرعاك الله !! حديث الجمعة ( 1 )

النظافة في القامشلي وطوكيو والخرطوم … تصور يرعاك الله !! حديث الجمعة ( 1 )

الناظر إلى شوارع وأزقة مدن وقرى بلادنا الإسلامية وما يرى فيها من الوساخة سيظن أن الدعوة إلى النظافة محظور شرعي !! ولما صدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبي الإسلام يقول : إن الطهور شطر الإيمان .

لماذا مدينة طوكيو تبدو لؤلؤة من نظافتها في حين تجد أغلب العواصم والمدن في البلاد الإسلامية لا يستطيع أحد أن يسيطر على ظاهرة الوساخة فيها ؟!

من عرف سبب ذلك لن يثيره العجب قطعاً، فعامل النظافة في مدينة طوكيو يتقاضى راتبا يزيد على ما يتقاضاه كل من رؤساء الصين والعراق ورئيس وزراء تركيا كل على حدة !!

وحيال ذلك فعامل النظافة في طوكيو يشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه مقابل ثمانية آلاف دولار شهرياً، وهو مبلغ يحلم به الكثيرون في البلاد العربية والإسلامية في أحلامهم .

ولا شك مع إخلاصه وتفانيه في عمله نتيجة صدق الولاء، وبسبب هذه المنزلة التي منحته إياه الحكومة اليابانية سيصبح هذا العامل داعية للنظافة أيضاً ومصدراً مؤثراً في التوعية إليها لكل من حوله من المعارف، ومن ناحية أخرى سيكون لهذه المهنة قيمة في نفوس الناس ويكبر عامله في أعينهم ويكون موضع احترامهم .

إن مشكلة مصر في عدم نظافتها كانت صرخة صادرة من أعماق الكاتب والأديب المصري المشهور توفيق الحكيم يوم أن نزل إلى الشارع ينظفها بمقشة في حملة كان يقودها لتنظيف شوارع القاهرة .

لم يقم هذا الأديب بتصرفه إلا ليعطي درساً صرح به حين قال : إن النظافة حضارة والحضارة نظافة، ولن تكون مصر في حالةِ حضارةٍ إلا إذا كانت نظيفة .

تعتبر النظافة حجر الأساس للتقدم الحضاري والرقي الإنساني الذي تنطلق منه المجتمعات في كل الظروف وتمثل القوة الكبرى في البناء المتماسك والمترابط الناتج عن قوة المسؤولية الاجتماعية عند كل مواطن والخروج من قوقعة الحياة البدائية المتخلفة إلى عالم المدنية العصرية الحديثة .

فعلى الإنسان أن يسعى جاهداً لنشر ثقافة النظافة الخاصة والعامة، ولا شك أن التغيير الشامل قد يكون صعباً على مستوى النشاطات الفردية لكنها ستؤثر لا محالة وخاصة إذا كان ممن لهم اليد الطولى أو ممن يتواجدون في مركز القرار .

وكم أعظم جهود الزعيم الهندي المهاتما غاندي عندما وجد الناس في القطارات يوسخون ويبصقون ويرمون قاذوراتهم في كل مكان ويتلفظون بالكلام البذيء وغير ذلك من المظاهر المزعجة ، ومسؤولو السكك الحديدية لا يفعلون شيئا حيال ذلك ، فكانت عربات القطارات أشبه بحظيرة قذرة ، فقرر غاندي تكثيف رحلاته في تلك القطارات وقام بتوعية الناس وحثهم على النظافة المادية والمعنوية وبدأ يبعث بخطابات الشكوى إلى مسؤولي السكك الحديدية بسبب مظاهر الإهمال مرات ومرات حتى أوجع رؤوسهم ، ومع أن المهاتما غاندي لم يصل إلى التغيير الكامل لكنه بذر بذرتها.

وعلى الرغم أن النظافة كمبدأ لا يقتصر الدعوة إليها على دين أو مذهب أو قوم دون غيره إلا أني وفي هذا المقام أذكر المسلمين خاصة بالدعوة الإسلامية للنظافة وكيف أن الإسلام جعلها وساماً وشعاراً خالداً على جبين المسلم الحقيقي الملتزم بتعاليم دينه كما قال الإمام الغزالي رحمه الله .

ومع ما ألاحظه من عدم اهتمام بالنظافة في بلادنا الإسلامية على المستوى العمل الجماعي والمجتمعي إلا أني أستطيع القوم وبكل ثقة : إن المسلم يبقى الأنظف في العالم على المستوى الشخصي لأن ذلك مرتبط بالجانب التقديسي لديه، فالعبادات لا يمكن الدخول في محاريبها إلا من بوابه الطهارة والنظافة .

فعلا سبيل المثال لا الحصر، أداء الصلاة – وهي أهم العبادات على الإطلاق – مشروط بالنظافة والطهارة، فالله تعالى يقول في كتابه العزيز :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ).المائدة / 6

ومن هنا كانت الدراسات الفقهية لجميع العلماء تبدأ بكتاب الطهارة وباب المياه ، والمعروف أن الماء هو رمز الطهارة والنظافة .

والأدلة الشرعية زاخرة في الدعوة للنظافة سواء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، وهي رد على يتهم الإسلام كمبدأ بعدم النظافة، ومن أهم تلك النصوص :

– قال تعالى : ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )

– وقال : ( يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ).

– وقد قال – صلى الله عليه وسلم – : ( لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء…) الحديث. رواه النسائي في سننه ، وهو حديث صحيح .

– قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم جواد يحب الجود فنظفوا – أراه قال- أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود ) حسنه الألباني في مشكاة المصابيح .

– وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ، فإنه لا يدري أين باتت يده ) متفق عليه

– قوله صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلا أشعث الرأس فقال : ( أما يجد هذا ما يسكن به شعره ) ورأى آخر عليه ثياب وسخة فقال:( أما يجد هذا ما يغسل به ثوبه) حديث صحيح

– وقال صلى الله عليه وسلم: ( خمس من الفطرة : الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر) .

وإذا كانت النظافة ترتقي لهذه المنزلة عند المسلمين فلماذا لا نراها حاضرة في الأذهان ومطبقة في الساحة والميدان ؟!

أتصور أن أهم أسباب ذلك هو عدم الاكتراث بالمشكلة والتقليل من أهميتها ، وخاصة على مستوى النظافة العامة .

فمدينتنا القامشلي مثلا على الرغم من نظافتها نسبياً إلا أن ثقافة النظافة العامة تكاد تكون نادرة، ومظاهر رمي الأوساخ ما زالت منتشرة لعدم قيام أصحاب المسؤولية بواجبهم تجاه ذلك .

في إحدى زياراتي للعاصمة السودانية الخرطوم أثناء فترة دراساتي العليا لفت انتباهي مشهد أدهشني كوني رأيته في بلد مثل السودان !!

بعد انتهاء الخطبة التي حضرتها في حي المعمورة وهي إحدى الأحياء الراقية في الخرطوم وأثناء خروج جموع المصلين قام شاب وطلب لجنة النظافة للاجتماع ، رأيت العدد يزداد حتى زاد على المئة تقريباً ، فتعجبت من لجنة عدد أعضائها أكثر من مئة شخص !!

وعند استفساري عن الأمر أخبروني إنهم أبناء حي المعمورة يتوزعون في الجمعة الأخيرة من كل شهر في شوارع الحي يقومون بتنظيفها وتمشيطها بصورة جماعية !!

مشهد يدعو للاحترام في مدينة تأكلها الأوساخ والقاذورات ، أتمنى أن أراه في أحياء القامشلي وقراها ، وأن أجد إماما يتبنى هذه المسألة ولا يأخذه اليأس حتى يغير مهما كانت صلابة المواقف المقابلة فالماء مع سلاسته يحدث شرخاً في أقوى الصخور مع مرور الأيام .

على المثقفين واخص المعلمين بالذكر وكذلك الآباء والأمهات أن يزرعوا في أذهان الأبناء هذه الثقافة فهم أمل المستقبل القادم وجيله الذي يحمل مفاتيح التغير مهما كانت ثقيلة عليهم !!

في هذا المقام أيضا أذكِّر بأهمية دور السلطات المتمثلة في البلديات والقيام بواجباتها في تامين كل ما يحتاجه المواطنون لمثل هذه المشاريع ، وتكثيف الدعوة للنظافة من خلال الندوات والمحاضرات واستغلال وسائل الإعلام بكافة ميادينها المقروءة والمسموعة والمرئية .

عندما تعم بلوى الأمراض والأوبئة لا تفرق بين إنسان وآخر، ولا تعرف تمييزا بين شريف ووضيع، ولا بين عربي وكردي ولا بين مسلم ومسيحي، لذا على الجميع أن يوحدوا جهودهم وينطلقوا معاً إلى عمل مشترك للقضاء على كل ما يحول دون النظافة.

فالإنسان النظيف مهما كان بارعاً في إبداء نظافته يبقى في مجتمع وسخ ما لم ينشر قليلا من ضياء نظافته لمن حوله، ومن يدري ربما يكون جهده ذاك النبراس الذي ينير قلوب الآخرين فيشع نور النظافة منهم ومن أماكن تواجدهم ليكونوا قدوة حسنة لمن حولهم . وهكذا تتسع دائرة ( توعية النظافة وثقافتها ) كلما ابتعدنا عن المركز إذا كان يشع ويلمع .