الرئيسية » مقالات » عزيز السيد جاسم سمكة كبيرة اختنقت في حوض صغير -غربة أم اغتراب؟ الجزء الثاني

عزيز السيد جاسم سمكة كبيرة اختنقت في حوض صغير -غربة أم اغتراب؟ الجزء الثاني

جاء في كتاب: علي بن ابي طالب سلطة الحق ص 20 تأليف عزيز السيد جاسم (…اما الإقتداء بعلي فإنه أمر لا يمكن التحدث عنه إلا بالصعوبات التي تذكرك بالمحال ، الذي يحتاج إذلاله الى أعاجيب القدرة!! إن الكثير من الكتاب والباحثين والدارسين كتبوا عن علي بن ابي طالب آلاف المجلدات والكتب والأعمال الأدبية ! وأرى ان الكتابة صعبة لأن شخصية علي بن ابي طالب بالغة الثراء في جميع جوانبها!! وفي التاريخ هناك الأسكندر العظيم يعشق الفلسفة فيأخذ معه أرسطو وهو استاذه! وهناك افلاطون الفيلسوف واستاذه سقراط، وهناك بوذا وكونفوشيوس وقادة الثورات والمصلحون!! كل متخصص في ميدانه!! اما علي بن ابي طالب فهو الحاوي على جميع سمات العبقرية المتعددة! فهو الخليفة والقائد وهو المحارب العظيم وهو الفيلسوف وهو الأستاذ في العدل والمؤسس لعلم النحو وهو الفقيه والقاضي والعالم بالحساب والفلك! وهو امير البلاغة والشاعر والحكيم والحافظ لتراث محمد رســـول الله- صلعم – وهو الأخلاقي الرفيع والأنموذج في كل شيء !! يستطيع المرء ان يتعلم عنه اشياء كثيرة ولكن لا يستطيع أن يكون مثله ….)







عزيز السيد جاسم كما هو سمكة كبيرة جدا ! سمكة غريبة الشكل والاطوار لم يستوعبها حوضنا الصغير ! كنا نعلم ان كمية الاوكسجين ستنفد وجذوة روحه على المطاولة ستبرد ! وكان الذي كان من حيث لاينبغي أن يكون ! رجل من قرية قصية في جنوبنا القصي ! كيف استطاع بوقت قياسي وضع ميسمه على الفكر العراقي التنويري بما شكل عن جدارة ظاهرة ثقافية لاعهد لنا بمثلها ومؤسسة موسوعية لم تألفها قدرات الأفراد الاعتيادية ! نبغ عزيز سيد جاسم مطلع ستينات القرن العشرين! فشغل الشارع الثقافي العراقي بكفاءة كما شغل الشارع العربي بمقدرة !فحققت اطروحاته شهرة عز نظيرها!! ومن لا يعرف السيد عزيز السيد جاسم فهو ابن الناصرية الذي عرف منذ نعومة اظفاره بحماسته للحزب الشيوعي العراقي! وقيل انه كان اصغر رفيق شيوعي يتولى مسؤولية منطقة مهمة في الناصرية! ولأن هذا الشيوعي الحالم كان ذكيا بصورة غير اعتيادية وموهوبا بموهبة شاسعة ودؤوبا بنحو لا يعرف الكلل والملل ! ولأنه خلق ليكون مفكرا مغايرا ! واديبا مبتكرا ! فقد توفرت له النجومية بوقت قياسي! ربتما طلع على الدنيا قلماً له بصمته المهمةالخاصة من خلال مقالين او ثلاثة ! فمجلة الأديب اللبنانية وهي مجلة نخبوية شهرية تهتم بالأداب و الفنون و العلوم و السياسة و الاجتماع تضع اسمه في الصدارة دون ان تدري شيئا عن عمره الذي لا يتناسب إطلاقا مع موهبته الضاغطة ! والأديب مؤسسة ادارها الأديب الكبير ألبير أديب في بيروت1942 !! ومجلة الآداب اللبنانية الرائدة التي أسسها الكاتب والروائي والمترجم الدكتور سهيل ادريس 1953في بيروت بمساعدة بهيج عثمان ومنير البعلبكي ! هذه المجلة كانت تستقبل كتاباته بعاصفة من التبجيل الذي لم يسجل لها قبل السيد عزيز ! فضلا عن مجلات علمية ذات ثقل اكاديمي ! ومن يحلل طريقة عزيز سيد جاسم في التناول والاستكناه يدرك انه واحد من اهم العلماء العرب في علم تحليل النص وتأويله وترميمه ! هو ضمن صفوة نادرة كان يكتشف في النص اسرارا لم تدر بخلد كاتبه ولا قارئه وفي ادق تقدير ان عزيز واحد من اهم علماء تحليل النص !! وتحيل قدراته الخارقة على مرجعيته الثقافية الإعجازية ! بمسوغ من تبحره في علوم القرآن الكريم وفقه اللغة وعلوم البلاغة والتاريخ والاجتماع والانتربولوجيا والفولكلور ! وتضلعه في النظريات الماركسية وعلوم الديالكتيك و مقولات هيغل وتمرسه في الفلسفة اليونانية! وهو الى هذا قاريء مغاير صبور لأعمال غوركي وغوغول ودستيفسكي وتولستوي ثم اعمال ريتشاردز واليوت وبيرس وفيشر ومالرو .!! قارن قوله (.. وفي المدينة العريقة الناصرية ابتدأت رحلتي الدراسية ومعها ابتدأت رحلتي في المعرفة مع فولتير وجان جاك روسو وروبسبير ثم ابتدأت اتعرف على نيتشه وشوبنهاور وديكارت حتى وصلت ضفاف الفلسفة الأوربية حيث استطلعت فرأيت ماركس وهيجل وفيورباخ وانجلزوالفلاسفة الأنجليز !! كذلك تجولت في عالم تون بين ولنكولن والسياسيين والروائيين والمفكرين وانقطعت عن عالمي الصغير الأول …) قرأ ابن السيد جاسم الموسوي كل ذلك في الناصرية وهو لما يبلغ عمر الحلم ربما!! وكان عزيز السيد جاسم مشروعا فكريا استباقيا يستوعب العربي والشرقأوسطي ! لكن الحكم الشمولي المرتكز على التقارير والمماحكات يقابله طموح عزيز الذي لايعرف الحدود ّ!من الناحية العلمية ان عرس الاضداد لن بدوم طويلاً ! ولم يلتفت عزيز الى مثل هذه المسلمة !! والغريب حقا انه تمادى مع اللعبة عسى ولعل أن يستطيع تقديم شيء ذي بال الى الفكر العراقي او في الاقل ايقاف انحداره ! لقد استكمل عزيز عدة المثقف المفكر فمن قراءة مئات الكتب الى توجيز الآهم وتقديم ما فيها من مكنونات الى اجتراح سمنارات بحيث يبدو للمتداخل والمتلقي محاضرا وما هو بمحاضر ! بل كانت تشغل عزيز السيد جاسم طقوس المائدة المستديرة حيث لا رئيس ولا مرؤوس ولا منصة ولا جمهور ! لصناعة عنصر ثالث من مزيج الإرسال والإستقبال هو عنصر المستهلك المنتج ! كنت ارشح في روعي عزيزا لتشريح العقل العراقي ولو منحته السياسة الغاشمة وقتا لاستطاع تقديم سانحة تاريخية للمجتمع العراقي محكومين وحكاما ! ويخطيء من يظن ان علي الوردي اكمل تشريحه للعقل العراقي او الوعي الجمعي !! علي الوردي لم يكمل اطروحته وانما اجبر بالترهيب على اهمالها ولذلك حديث كتبت فيه عما حاق بعلي الوردي في نادي المؤرخين العراقيين !! ! لم ارشح في في قناعاتي اديبا كعزيز لتشريح العقل العراقي !! هذا إذا لم يقف امامه حاجز قهري ! وشيء من ذلك حاجز الزمكان العراقي وذلك حاجز خارجي لاشأن لموهبته به ! ظاهرة عزيز جاءت بعد ولادة عسيرة ثمَّرَتْها موهبة خارقة ! وذلك ما منحه ثقة بالنفس تجاوزت المسموح به اجتماعيا وحكوميا ! وهو ذات الشيء الذي سوغ له سعادته وفخره بجذوره وطفولته وعقايد اهله قارن قوله (.. في قرية الغازية الوديعة ناحية النصر فتحت عينيَّ على الدنيا وكانت صورة علي بن ابي طالب رضي الله عنه معلقة على الحائط ! تلك هي الصورة التقليدية الشائعة بألوانها الساخنة وبالمهابة المميزة لوجهه الكريم تحيط برأسه هالة نور!! وكانت صورة الأمام حاضرة في البيت مثل البيت والأب والأم والأخ والأخت! فلم يكن ممكنا ان يكون البيت بدون صورة!! …. بعد اكثر من ثلاثين سنة هي رحلة طويلة في الكدح والمعاناة الذهنية أهديت لي صورة لعلي بن ابي طالب مصورة عن متحف اللوفر بباريس وهي صورة اقرب الى حقيقة علي من سواها !وربما هي من رسم احد الرهبان ففي الصورة شموخ عجيب وقوة هائلة واستقرار تاريخي !كان عليٌّ راكباً حصانه حيث ظهر اعلاه من حجعة السرج! ولكنه بدا متبوئا مقعدا تاريخيا شديد العلو…) إ . هــ … وحين تشكلت ندوة الآداب والفنون المعاصرة في مدينة النجف الأشرف مطلع ستينات القرن العشرين ( تألفت الندوة من عبدالإله الصائغ وزهير الجزائري وزهير غازي زاهد وموسى كريدي وعبدالأمير معلة وموفق خضر وجاسم الحجاج ومحمد كاظم الطريحي وحميد المطبعي ! وقد انسحب الشيخ الطريحي ! اما حميد المطبعي فقد ترك الندوة محتجا على طريقة عبد الامير معلة في التعامل معه !! كان معلة وقتها مدرسا ثانويا على شيء من العتو وكان المطبعي تلميذا في الفصل لاتقل ثقافته عن ثقافة استاذه !! حين تشكلت الندوة انتدبتُ والقاص موفق خضر وكان موفق خاضعا للاقامة الجبرية في النجف لدعوة عزيز السيد جاسم في بغداد وكنت احسب عزيز سيد جاسم سيطير فرحا للدعوة كما هو الحال مع كثير ممن اوصلنا لهم الدعوات ! بيد انه تجهم بوجهي وقال امهلوني حتى اقرر! فلدي الكثير لأنشره او اقوله قبل تلبية الدعوة !! … وكأنه هجس استغرابي من سلوكه معي تحديدا فقال : ولكن ياصائغ انا انظر الى ما وراء الأكمة ! فلم افهم معنى قوله ! ربما كان يتحسس من موفق خضر او مني !! فقلت له بشيء من السخرية المبطنة : وماذا ترى وراء الأكمة سيدنا الجليل ؟ فنظر في عيني مليا ولم يجب ولعله آثر الصمت !! وبعد أشهُر علمت ان حميد المطبعي كاتب عزيزا للنشر في مجلة الكلمة فأ ستجاب له فورا وارسل اليه مقالة مهمة لتنشر في مجلة الكلمة !! وكانت المقالة على شيء من الجرأة كبير فقد آنس لها الشارع الثقافي العراقي واذا لم تخيبني الذاكرة فقد ارادها عزيز السيد جاسم رسالة غير ملتبسة لعديد الادباء الذين كانوا يدرسون موضوعة مد الجسور مع الحكم العارفي ولو من خلل الاتحاد الاشتراكي !! والغريب حقا ان عزيز السيد جاسم كان يكتب بغزارة وكثافة بحيث لا ينافسه فيها احد وكان ينشر في الصحف والمجلات والدوريات بشكل يومي يدعو للدهشة ! فمن اين له كل هذا الوقت والصبر ليصهر مقالاته المهمة وينشرها !! والدهشة تنحصر في ان هذا الكاتب الفذ لم يهبط في اطروحاته ككاتب موضوع ولا يعني ان موضوعاته كانت تمثل حلمه ا و توخي حاجة العراقيين ! موضوعاته فنيا رغم كثرتها وتعدد مراميها لم تهبط او تسف واكرر القول فنيا !! والصحيح ان خطه البياني كان في صعود مطرد! نعم ثمة مكثرون في الكتابة والنشر منافسون له ضمن الوسط الثقافي ظهروا في فترته! مثل الاساتذة باسم عبد الحميد حمودي وحسب الله يحيى وعبد الجبار داوود البصري وعادل كامل ….. وآخرين ولكن كمّهم وعددهم لم يؤثرا على نجومية عزيز السيد جاسم!! ومزية عزيز السيد جاسم انه يمقت الانشاء واستعراض معلوماته لإدهاش القاريء وهو ما كان يشم كثيرا من كتابة فترة الستينات ! انه يكتب بطريقة الكتاب الغربيين الكبار ! فكرة / موضوع / منهج / خطة ! واذا كنا في الجزء الاول قد اخذنا عليه كتاباته التي تلبس الفكر المادي التاريخي عقالا بعثيا فذلك يعني احساسنا بخسارة موهبة لا تتكرر وتوظيفها في دهاليز معتمة ! لكنه حين يمتشق القلم ويكتب في الحضارة والاغتراب والسيرة يكون ابن بجدتها وفارس مضمارها ! – بعيدا عن السياسة قريبا من الاكاديمية – هو أمين في نقولاته! دقيق في معلوماته موضوعي في توصلاته ! ميداني في خبراته ! مثلا .. قبل ان يصنع كتابه المهم في الشاعر عبدالأمير الحصيري شافَهَ جُلَّ اصدقائه ومعارفه وارتاد معظم الحانات والفنادق التي كان يتردد عليها ! شافهني طويلا ونقل عن ذكرياتي الشخصية مع الحصيري نقولات كثيرة مع ان مجلة الاقلام العراقية التي راس تحريرها وقتذاك حاتم الصكَر قد افردت عددا خاصا عن عبد الامير الحصيري وقد نشرت في ذ لك العدد موضوعين الاول ذكريات الصحبة والثاني قراءة لشعرية الحصيري ! وقد اشار عزيز السيد جاسم الى اسمي اشارة المؤتمن على النقل مع اننا – سيد جاسم والصائغ – كنا متحسسين من بعضنا مثلا!! وجاء كتابه أمير في الغياب أمير في الحضور اطروحة الموسم فقد تلاقفته الايدي وتداولته المجالس !! عزيز السيد جاسم لايكتب انشاء كما المعت ولاينبغي لموهبته الكبيرة ان تكتب انشاء ! إذن لا غرابة اذا دخلتَ كتبه وكتاباته مقاهي بغداد الأدبية العتيدة مثل البرازيلية وحسن العجمي والبرلمان والزهاوي والمربعة وام كلثوم والآداب! لا غرابة اذا دخلتَ كتبه وكتاباته اتحاد الأدباء العراقيين! واتحاد الكتاب والمؤلفين! والمجمع العلمي العراقي واتحاد المؤرخين ! ونقابة الفنانين والمعلمين !! لا غرابة اذا دخلتَ كتبه وكتاباته مقاهي النجف الأشرف الأدبية مثل مقاهي عبد مذبوب وابو المسامير والبلدية وعبد مچـي !! اذا دخلت الرابطة الأدبية والمدارس الدينية والجوامع المركزية مثل الهندي والخضرة والطوسي … اذا إذا…. !! ثمة دائما كتابات عزيز السيد جاسم التي تثير الجدل ! اما هو فلم يكن يعبأ بالشهرة! او هكذا كان يوحي لنا! كأنه يعيد انتاج قالة سلفه المتنبي :
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم عزيز السيد جاسم يشرب العرق العراقي المستكي السادة دون مُزَّة ويبقيه في فمه ملتذاً ! يتمضمضه ثم يدفعه على دفعات في جوفه !!! مفرط في الشرب كما لو انه يريد ان ينتحر فهو مدمن مزمن الى الحد الذي يستنكره عليه امير العرق وقتيله عبدالأمير الحصيري! وحين يسكر عزيز السيد جاسم في اتحاد الأدباء العراقيين لا يجد سوى خالد السلام او ابراهيم اليتيم او سعدي يوسف لكي يصب جام غضبه المعتق عليهم جمعا أو كلا على انفراد! وينتهي الأمر حين يقرر هو بنفسه ان يكفَّ عن الشتم !! وكان يحزُّ في نفسه ان النقاد اهملوا روايته – المناضل – وبخاصة النقاد الشيوعيين ! لأن المناضل ترصد عذابات شيوعي صلب!! وترك نهاية الرواية مفتوحة على كل الإحتمالات!! حتى لو احتملت ان بطل الرواية بمنظور بلاغي (مشبه به) ومنتجها – عزيز السيد جاسم (مشبه) على سبيل الإستعارة التصريحية !! فذلك لا يقطع النهاية المفتوحة!!. وكأني بالشيوعيين لم يرتاحوا لروايته واعتدُّوها خروجا على تراثهم العتيد ! وقال لي الدكتور محسن الموسوي ( المناضل جزء من ثلاثية تشرح تحولات عدد من الابطال والمناضلين داخل الحزب الشيوعي مشافهة ) التقيت الدكتور محسن الموسوي شقيق عزيز السيد جاسم في قاعة المحاضرات بجامعة جورج تاون وحين انتهيت من القاء محاضرتي في شعرية نازك الملائكة توجهت نحوه وصافحته بحميمية ! فابدى اعجابه بمحاضرتي ثم تحدثنا عن ذكرياتنا في تونس ومواسم المؤتمرات الادبية والاكاديمية فيها ! فجأة وجم الدكتور الموسوي وقال لي لقد ظلمت السيد عزيز يثا عبد الاله وكان المنتظر منك ان تنصفه ! وقدرت مشاعر الدكتور الموسوي نحو اخيه المفكر والشهيد ! وقلت له ان كتبت ما كتبت فمن خلال ارشيفي ومعايشتي لصعود السيد حتى سجنه فتغييبه ! وما نشرته بات في مروءة التاريخ ! فإذا كان لديك شيء لا اعرفه عن اخيك فبح لي به ويمكنني ان اكتب الجزء الثاني ! فابتسم الموسوي وقال للدكتور عبد الامير عجام الم اقل لك ان الصائغ طيب ؟ ويبدو ان الدكتور عجام لم يكن مصغيا لحديثنا ! فتواعدنا الدكتور الموسوي والصائغ على لقاء مطول محسن الموسوي المنشرح الصدر كان يجيب عن كل اسئلتي بصدد اخيه ! وهكذ التقينا محسن الموسوي والصائغ مساء الثامن من سبتمبر 2007 في بهو فندق رويال الذي يقيم فيه بواشنطن دي سي ! وكان اول سؤال وجهته له عن رواية المناضل ولماذا كان عزيز السيد جاسم منزعجا من صمت النقاد وبخاصة الشيوعيين ؟ فقال الدكتور محسن ياصائغ اكتب ما يلي ( .. قال لي فاضل ثامر مؤكدا ان الحزب الشيوعي العراقي كلفه كي يكتب ضد رواية المناضل في مجلة الف باء باسمه معبرا عن موقف الحزب ) ! نعم حز في روع عزيز ان كتاب النقد وقتها مثل علي جواد الطاهر وياسين النصير وعبد الرحمن طهمازي وفاضل ثامر وفاضل العزاوي ومحسن الموسوي لم ينقدوا المناضل كانها ليست بذات بال ! ويضيف دكتور محسن الموسوي في الزمكان نفسه اي رويال 9 سبتمبر 2007 ( لقد عاتبني عزيز السيد جاسم بحرقة وقال لي انت تكتب عن جبرا ابراهيم جبرا وفؤاد التكرلي انت تكتب نقدا حتى عن الشباب ذوي التجارب الطازجة لكنك لاتكتب عن رواية المناضل ! انا لا اطالبك كوننا شقيقين بل اطالبك كوننا اديبين يعيشان في مكان وزمان واحد )

ويضيف الدكتور الموسوي ان الاستاذ عامر عبد الله كان اشد الناس اعجابا برواية المناضل ويقول عنها انها تشبه السيرة الذاتية لمؤسسة حلمية داهمها الفشل وقد طلب عامر عبد الله من عبد الخالق السامرائي ان يشجع عزيز السيد جاسم كي يكمل روايته !! وكان الصديق الاستاذ سامي عباس مهدي( الياسري ) في شقتي # 115 ويست وورن يوم الخميس 14 جنوري 2010 جنوري /13 /2010 وقرأ معي مقاطع من كتابتي في عزيز السيد جاسم وفي أمالي شقيقه الدكتور محسن الموسوي فأحب ان يضيف هذا التعقيب فسمحت له ( .انا سامي عباس مهدي اقرر على ذمتي أن عزيز السيد جاسم لم يكن ليهتم بما يكتب عن رواية المناضل بقدر ما كان يهتم بماذا اوصلت رواية المناضل الى المثقفين العراقيين وقد قال لي عزيز السيد جاسم شخصيا وقتها : ان رواية المناضل هي تجربة شخصية اردت من ورائها ان يطلع المثقفون على احداثها لأنها تجربة لمناضل خاض المعترك السياسي العراقي في فترة عصيبة من تاريخ العراق ! اريد بذلك ان يكون المناضلون العراقيون على بينة من مواقع اقدامهم ضمن مرحلة اشتد فيها الصراع على الساحة العراقية ! وهذا بالنص كلام عزيز سيد جاسم حين تناولت معه هذا الموضوع في بار البحرين 1970 وكان معنا في الجلسة الدكتور خالد يوسف وعبد الامير الحصيري وعزيز كما اعرفه لايكترث للنقد فضلا عن ان الناقد فاضل ثامر كان مسجونا وقتها فكيف يكتب عنها ! وقد زرنا ابو رنا حين اطلق سراحه في بيته ومعي حمدي الفراتي وكان البيت في تل محمد بغداد الجديدة ! عزيز السيد جاسم كان حين تعاون مع البعث يربأ بنفسه عن صغائرهم وادبياتهم كان فقط معجبا بعبد الخالق السامرائي لانه كما قال لي رجل يشكل في فكره مستقبل العراق وكانت رواية المناضل مهداة الى عبد الخالق السامرائي ّ واني لأتذكَّر مواقف مشرفة عديدة لعزيز السيد جاسم ايام حكم البعث الاول والثاني وبخاصة الفترة الممتدة من عام 1969 لغاية 1874 حيث وقف بصلابة امام اضطهاد المثقفين العراقيين وشكل لجنة لاصدار مجلة باسم الغد اختار اعضاءها من المثقفين العراقيين التقدميين مثل خالد يوسف وفاضل الفراجي وزيد الفلاحي وضياء عبد الرزاق حسن وسامي مهدي الياسري وبيتر يوسف وعبد الخالق كريم وعبد الحميد الصافي وكنا محسوبين على تيار عزيز الحاج وقد صدر منها اربعة اعداد فقط ثم اغلقت والذي اوقفها طارق عزيز بعد تسنمه رياسة جريدة الثورة خلفا لكريم شنتاف وثمة موقف للسيد عزيز السيد جاسم وكنا نكنيه ابو خولة نسبة الى ابنته الكبرى الموقف يتعلق بي فحين سجنت من 1969 حتى شباط 1970 اتصل عزيز السيد جاسم بعبد الخالق السامرائي عضو القيادتين القومية والقطرية وقد اطلق صراحي وفق رغبة عزيز السيد جاسم . ) إ . هــ كلام سامي مهدي الياسري
بشكل عام أيقنت ان الدكتور محسن الموسوي لم يكن راضيا عما كتبته في عزيز السيد جاسم وقد نشر ماكتبته بعنوان الديك الذي أكل ظاهرة عزيز السيد جاسم ! اوكدت اقطع لقاءنا بيد ان الدكتور محسن امسك بي وصافحني وعانقني وغمز لي اجلس اجلس السادة يفور دمهم بسرعة ! اجلس ودعنا نكمل حديثنا !
بنبرة حزينة : شوف دكتور عبد الاله ! انت الوحيد الذي كتب اشياء تسيء الى سمعة السيد عزيز مع ان ليس بينكما سابق عداء ! قلت اشتراه البعثيون وقلت وقلت وقلت ؟ وحين دخلت معه في نقاش موضوعي يعتمد الوثائق والتواريخ والارقام ابتسم الدكتور محسن وهز يده ساخرا وقال لي : لعد انت كل شي ما تعرف عن حقيقة ما احاط بالسيد عزيز ! فقلت له انا لست مخبرا لكي ادخل في شعيرات الموضوع واجمع واقارن واصغي على شاهد الاتهام كما اصغي الى شاهد الدفاع ولنا في قول جدنا محمد بن عبد الله اسوة ( رحم الله امرأ لم يضع نفسه موضع الريبة ) ! عندها شعر الدكتور محسن باختلاف زوايا نظر كل منا وكأني بدمعة ترقرقت في عيني دكتور محسن اضطرته ان يخلع نظارته الطبية ليجففها ! وقال لي بحميمية مشابة بالترهيب شوف سيد عبد الاله وجدك رسول الله تره سيد عزيز سيد جاسم يشور وشارته باليد ! كل واحد ظلم عزيز شاف نهايته بعينه ! حتى ان احد ضباط الامن ممن ابتكر طرائق في تعذيب سيد عزيز راي حلما مفزعا وفي الصباح هرع الى سيد عزيز ليقبل يده ويطلب العفومنه فلم يسمح السيد لضابط الامن من الاقتراب منه بله تقبيل يده وصرخ به ابق بعيدا عني ! يعني سيد عبد الاله لاتحاول ايذاء السيد عزيز وهو في رفقة ربه ! فهدأت من روع الدكتور محسن واكدت له ان كتابتي كانت قبل استشهاد عزيز السيد جاسم ! كانت رسائل مني اليه قريبة من تساؤل سعدي يوسف مالذي قد فعلت بنفسك !!! اما بعد استشهاده فلنسر على شعيرة اذكروا محاسن موتاكم والسيد عزيز جله محاسن وما حاق به هو حاصل حسابات وطنية ارتطمت بالسياسة !! سيد محسن ابن عمي دعني اكتب بمروءتي وما عليك انت من دور ينحصر في جلب الوثائق والصور وتوضيح المبهم ! واذا اردتني لكي اكتب كما تتمنى انت! يعني انت تملي والصائغ يكتب ! فلماذا لاتكتب ذلك انت بنفسك !!
دكتور مارايك بالتداعي الحر ؟ تكلم دون اسئلة لنكسب الوقت ! واستجاب الدكتور فقال :
منذ طفولتنا 1941 ميلاد عزيز 1945 ميلاد الدكتور اشتغل عزيز بالسياسة تخيل طفل سياسي صلة عائلية تربطنا بمدير مدرسة الغازية ابتدائية في ناحية النصر اسمه صبري فرج الله ! مات يرحمه الله وكان طويلا اسمر رقيقا جد ولطيفا مشهورا بدعاباته ومع نجاحه الاجتماعي فقد كان يؤثر العزلة عن الناس علامة تستحق الانتباه ! ومن طرائف ما اتذكره عن هذا المدير انه كان يتكلم عن طفولة عزيز السيد جاسم والزهو ينطق في كل نبرة ولمحة قال مرة علمت ان عزيز زعلان على المدرسة وحين ناديت عليه جاءني مغاضبا فقلت له شكو وليدي سيد عزيز ؟ وليش مزقت شهادتك مع انك الناجح الاول ودرجاتك اعلى الدرجات ؟ فقال عزيز محاولا كبت غضبه استاذ انا عزيز السيد جاسم وانتم كتبتم في الشهادة عزيز جاسم علي انا لا اوافق لان اسمي عزيز السيد جاسم وهكذا كتب اسمه حين انتقل الى الثانوية ! طريفة ثانية
والدتي كانت تحتفظ باوراق ومستندات عن ديوان الوالد واملاكه والمبالغ التي يطلبها السيد جاسم من الدائنين ! وحين خرجت الوالدة من البيت لقضاء بعض الاشغال تسلل عزيز وبهدوءواحرق الوثائق والاوراق ! اما الوالدة فلم تزعل ولم تعنف عزيز وانما قالت عفية عزيز خلي نبدي جديد ونعتمد على رواحنة ! الوالدة كانت اسطورة في الحنان والصبر ورجاحة العقل ولاغرابة في الامر فهي ابنة السيد حيدر السيد فياض وقد انجبت ثمانية اولاد اربعة ذكور واربع اناث اما الذكور فاكبرهم سيد عزيز وياتي بعده دوري انا محسن والثالث هو السيد محمد مدير الناحية الذي استجر مع على حسن المجيد في حكاية معروفة اما الرابع فهو سيد عباس !
اما الوالد فهو من قرية ابو هاون وتربطه صلات حميمة بالسيد عبد المهدي المنتفجي والدي هو سيد جاسم ابن الفقيه سيد علاوي وثمة عمومة مع السادة القرابات وهم اولاد هم السادة القزاونة !
اما صداقات السيد عزيز فهي ضئيلة كان يكتفي بالعلاقات الحزبية كان له صديق شيوعي مطارد اسمه عمران ملا رشيد ويكنى ببنتيه وهما مناضلتان صفية ومريم وحين تحسنت ظروف سيد عزيز في بغداد ارسل على صديقه وعائلته للسكن معه في بغداد وكان يقضي وقتا سعيدا معه !
صداقات عزيز جميلة تخيل اتخذ من سائق سيارته صديقا ونديما وكان يزوره في بيته ويتفقده !
عزيز السيد جاسم وعبد الامير الحصيري
لعل عزيز هو الاديب الوحيد الذي لم يتخل عن الحصيري ولم يردد له طلبا ! السيد عزيز كان يحب الحصيري وينصحه ويعتني بملابسه لكن الحصيري كان شعاره ربي كما خلقتني ! خشية عزيز بعد ان شاهد بنفسه صندوقا خشبيا يضع فيه الحصيري قصائده القديمة والجديدة خشيته ان يسرق الصندوق فيضيع كنز من كنوز العربية ولم يهدا للسيد بال حتى نشر الحصيري شيئا من شعره في المجلات او الصحف او الدواوين !
كان عبد الخالق حسين صديقا مقربا لعزيز السيد جاسم وكان يستطيب قراءة عزيز للشعر بل وكان عبد الخالق السامرائي يدعو عزيزا ان يصنع كتابا باسم مختارات عزيز السيد جاسم ! كلف السيد عزيز صديقه السامرائي ان يرتب وظيفة للحصيري في دار الاذاعة العراقية وبما ان الصحاف كان من تلامذة السامرائي ومن عشاق شعر الحصيري وان كان يكرر في مجالسه والله عبد الخالق السامرائي وعزيز سيد جاسم راح يورطوني وي اهل العرق ! جاء اليوم الذي ارتدى فيه الحصيري افخر الملابس التي اختارها له عزيز بنفسه وكان اقسى شيء على نفس الحصيري الرباط فما إن اجتاز الحصيري الاستعلامات حتى هرش ربطة عنقه والقاها في حاوية ازبال قريبة منه ! وكانت التوصيات هي ان لايتحرش به احد اديب او غير اديب وجلس الحصيري طويلا وراء المكتب وخلع حذائيه ! ثم التفت الى احد الموظفين وساله بعد كم ساعة وينتهي الدوام ؟ فقال له الموظف تقريبا ست ساعات ؟! فضحك الحصيري وقال يعني آني مسجون ست ساعات ؟ ولبس حذاءه وغادر الاذاعة الى اقرب حانة يكرع فيها العرق بالارطال ! وهكذا فشلت عملية توظيفه في الاذاعة ! كل شيء ضمن التوقع قالها السيد عزيز وهو يقرأ رسالة مستعجلة جعلته يرتجف ويترك عمله دون ان يوصي وكيله او مدير اعماله الرسالة مكتوب فيها بخط عبد الامير الحصيري المخربط اخي سيد عزيز اكتشفت حلا لكل مشاكلي وهو ان انتحر قبل ان تصل مكاني ) وكان سيد عزيز بين مصدق ومكذب وحين وصل مكان اقامة الحصيري شاهده محتضنا صندوق قصائده كمن ينتظر سيد عزيز ليختبر معزته في نفسه وحين ايقن سيد عزيز ان الحصيري لم يتناول مادة سامة اصطحبه معه وانطلقا بعيدا إ . هـــ …
بعدها اتفقنا على ان يجلب لي الدكتور الموسوي عددا من الوثائق ان يجلب لي بعض صور عزيز واغلفة كتبه والرسائل الثبوتية واعطاني هاتفه الخاص جدا ثم امضينا سويعات في الحوار وافترقنا واكتشفت انه غير تلفونه وحتى لو لم يغير هاتفه فبي شك في ان يفي بمتطلبات وعده وعملي فكلنا يعرف صاحبه !! ولكنني ساكتب في الجزء الثالث معلومات مهمة تحصلت عليها في لقائي مع الدكتور محسن الموسوي فقد كتبت عنه قرابة العشر اوراق فولسكوب
ملاحظة اولى : الجزء الاول عنوانه الديك الذي ضيَّع ظاهرة عزيز السيد جاسم وانا احتفظ به ولسوف انشره كحلقة اخيرة فاقتضت الاشارة .
ملاحظة ثانية :
احتجز عزيز السيد جاسم بأمر من صدام حسين مرتين! وكان صدام حسين قد طلب اليه صناعة كتب تخدم المؤسسة البعثية وبعد اخضاع السيد عزيز لوسائل التعذيب الف كتبا للبعث ذكرناها في الجزء الاول فأطلق سراحه واغدقت عليه الهدايا السخية والمنح ! و حين طبع كتابه علي بن ابي طالب سلطة الحق في بيروت وكان خبير وزارة الاوقاف قد كتب تقريرا بوليسيا دعا فيه الى تصفية عزيز جسديا قبل ان يستفحل امره وربما اعتقل معه اخوه الدكتور محسن الموسوي وكان يشغل منصبا رفيعا في وزارة الثقافة ! وطلب اليه صدام حسين ان يتبرأ من كتابه فرفض السيد عزيز رغم معرفته بالمصير الذي ينتظره عندها زاره صدام حسين وهو في احتجازه وقال له كان عادلا بين الخلفاء الراشدين كتبت عن علي لاباس وينبغي عليك ان تؤلف ثلاثة كتب في ابي بكر وعمر وعثمان وبنفس المستوى ! فامتثل عزيز لطلب صدام حسين فانجز الكتب واطلق سراحه !! ثم اعتقل اخيرا وليعتقل بعد انتفاضة مارس(آذار) 1991 بزعم انه شجعها وباركها ثم غيبت اخباره وشوهد في سجن ابو غريب مغيباً قسم الاحكام الخاصة ثم صفي بطريقة بشعة ولم يعثر على جثمانه الشريف حتى بعد سقوط نظام صدام حسين .

عبد الاله الصائغ
مشيغن المحروسة
الرابع عشر من فبروري 2010