الرئيسية » مقالات » لو نطقت حجارة النمسا ،لو..سياحة في أعماق الحجر

لو نطقت حجارة النمسا ،لو..سياحة في أعماق الحجر

النمسا ـ غراتس


(لو نطقت الحجارة لو ؟)
للحجر أهمية عالية في تاريخ الشعوب وخاصة في تاريخ الشرق الأوسط عبر العصور القديمة. و كان للحجر دورا كبير في ثورات غيرت خارطة طريق ما. استخدم في العصور القديمة كسلاح في الحروب. ولا يخفى على أحد دوره في ثورة الحجارة الفلسطينية. كما تغنى الشعراء الكورد بالحجارة .وللحجارة والنهر قصص وحكايات مع نتاج الأدباء والفنانين ، فلا يخلو نص من ملامح الحجر والنهر. وهما مفردتان مرتبطتان بالنتاج الإبداعي كالقطار بالأفلام الهندية. وأشهر الشعراء العرب تغنوا بالحجارة ، مثل الراحل نزار قباني حين قال:” بهروا الدنيا وما في يدهم إلا الحجارة”.
وللحجارة أنواع كثيرة. أما حجارة كوردستان فهي صلدة وذات صيت كبير كما يقول الشاعر بدرخان السندي وهو يخاطب الراحل خليل الوزير ( أبو جهاد) :” إن كانت الثورة الفلسطينية بحاجة إلى حجارة فحجارة كوردستان ذائعة الصيت وصلدة.” وأذكر مثلاً شعبياً عراقياً يقول (الحجر اللي ما يعجبك يفجخك).
فنانون كثر عملوا مع الحجارة بحب كبير وشكلوا منها أشكالاً هندسية وأعمالاً فنية رائعة . في النمسا ، ومصادفة، التقيت بزوجين سعيدين يربطهما الحجر والنهر، ويعيشان من هذا الفن الراقي. إنهما كريستا فيرمر،كوستاف بينكو الذي ذكرني اسمه بالفنان النمساوي كوستاف كليمت صاحب أشهر وأغلى لوحة وهي “القبلة” التي بيعت ب 138 مليون يورو.
هذان الزوجان البسيطان يرتزقان من الحجارة ..إذن إنها الحجارة والجري بالبحث عن الحجارة في زمن العولمة ! حدثتني السيدة كريستا فيرمر عن قصتهما وبدايتهما مع هذا الفن قائلة :”تنبع حكايات حجارتنا من نهر الحياة عبر توترات وضجيج وقسوة العيش. وقرب نهر بينكا كانت الانطلاقة مع الفن”..”
الجدير ذكره أن نهر بينكا طوله 94 كيلو مترا ومصدر ينابيعه تقع على علو 1480 مترا في جدران صخرية شديدة الانحدار. ويعتبر النهر حالة فريدة في جنوب إقليم بوركلاند النمساوي وفي منطقة اوبر فارت، و يصب في نهر رابي في هنغاريا. .
وأردف كوستاف الحديث قائلاً: “في الفترة الأخيرة قل منسوب النهر ولكنه ظل هائجاً، وحينها جمعنا بعضاً من حجارة النهر التي جرفتها المياه من الجبال وحملناها إلى البيت لجماليتها. وفي البيت تواصلت الافكار والدوافع لابتكار أعمال جديدة من الحجارة. وصرنا نذهب مرتين في الأسبوع إلى النهر لجلب الحجارة ومنحها أشكالاً مختلفة مليئة بالحياة. وصارت مصدر رزقنا. ولم يكن مافعلناه مع الحجارة ذا تخطيط مسبق .وقمنا ببيع الحجارة لمن يهتمون ويعجبهم عملنا.” وقالا معا :”إننا نشكر الحجارة. ونعرف الآن أنواع الحجارة وأسماءها. و تعرفنا بفضلها إلى أناس رائعين ومهتمين بهذا الشأن. فلكل حجر قصة وحكاية فريدة من نوعها.”.
لقد أثار الفنانان إعجابي حين قالا:” إننا نشكر النهر وحين نزوره نأخذ معنا وروداً لنهديها له”.وحين أخبرتهما أني سأكتب عنهما للصحافة العربية فرحا جداً وطلبا مني حجراً من كوردستان كي يرسما عليه بعضا من تراث النمسا ، لكونهما من أجمل الحضارات الإنسانية.
حجارة كريستا وكوستاف جميلة وفريدة من نوعها. وحين يحملانها إلى البيت تبدأ عملية الورنيش أي الطلاء عليها. وتبقى فترة زمنية كي تدخل في مرحلة اخرى من العمل لإبراز أفكارهم في لوحة رائعة تختلف من حجر الى حجر، وحكايات تروي البشر والحيوانات والطبيعة. إنه فن جميل اتخذ من الحجر سنداً وقوة لاستمرار الحياة .هكذا هو الحجر وسيظل رمزاً للشعراء والأدباء والفنانين. وما زال سيزيف مستمرا.