الرئيسية » شؤون كوردستانية » ترنيمة القيثارة مع رحلة الخلود

ترنيمة القيثارة مع رحلة الخلود

كان ذلك مع الهزيع الأخير من ليل يتهادى إلى نسمة ربيعية لاذعة .. في صباح ترنح تحت سياط نعي ّ متقطع .. وهو يلفظ الخبر مع رنات هاتف يزداد إلحاحاً..
إنه ” أبو سالار ” ارتحل .. انتقل إلى رحمة الله ..
كان الصوت متهدلا ً .. منكسرا ً يتهاوى تحت جسامة الخبر ..
كيف كان ؟! أين .. ماذا حلّ به ؟! أسئلة حائرة .. والهاتف يئن تحت وطأة نبأ كان كالصاعقة..
لقد كان بالأمس يفيض حيوية .. ويتدفق في نقاش محتدم .. يسعى – بكل قوة – إلى إقناع رفاقه بضرورة الاستعلاء فوق الجراح .. ترك آلام الماضي .. المضي إلى المرجعية .. عدم التردد لحظة واحدة ..
كان يشبك بكلتا يديه وهو يدفع إلى حوار ساخن من أجل رأب الصدع .. ولم الطاقات , مركزاً على الثوابت العليا , على الرسالة والأمانة , مشدداً على كلمة ” الإخلاص ” غير هيّاب ولا وجل من العقبات التي ينبغي تخطيها .. بكل ثقة .. بعزيمة لا تعرف التردد ..
لم يكن رفيق الدرب العصي يدرك أن وراء الأكمة ما وراءها .. وأن القدر يشبك بدقة كمينه !! وأن ساعة الرحيل قد أذنت .. وقيثارة الزمن ترسل ترنيمتها الحزينة .. مؤذنة برحلة الخلود الطويلة الطويلة .. وبساعة الفراق الأزلي .. وهي تدق بثبات كناقوس غامض بعيد في جنح الليل..
لم يكن يدرك أن ذلك الحوار الساخن هو الحد الفاصل بين لقائنا إلى وداع لا يعلم أمده إلا الله .. وهو يتسلم أمانته .. ويحيطها بهالة روحانية شفيفة .. يلفها في كوة نورانية .. بعيدة الآماد .. غائرة في الآفاق .. سحيقة القرار..
كان أملا ً واعدا ً .. ويقظة ونضجاً .. وتدفقاً ألقاً لا يستكين .. وهو يمضي قدماً .. ليقترب من أهداف أمته المظلومة .. ينشد الضمير الوطني أن يستيقظ على مأساتها .. ويعي دورها ويدرك قدرها وهي تصنع خارطة الحياة .. يريدها عزيزة شامخة بعيدة عن الذل .. عن إسار التمييز والقهر ..
كان يحلم – وفي وقدة عينيه – أمل كبير بتحقيق أمانيه .. التي نذر لها من حياته عقوداً أتت على ريعان الصبا , وقوة الفتوة .. ونضج واكتمال في كهولته .. لتكون حياته مسيرة طويلة .. حافلة ومتصلة بركب نضالي تتوّج بعضويته في المكتب السياسي .. في أعرق تنظيم استند إلى ثوابت نهج واضح المعالم .. بعيد عن ذل العبودية .. ورهق العنصرية .. وسيماء التجاهل والإعراض.
إيه أبا سالار .. وأنت تمضي إلى حياة جديدة .. ينتفي فيها ألوان المكر والاضطهاد والخداع والتضليل .. لتنقل إلى برزخك وعالمك الجديد .. صورة أمة تتلوى ألماً .. تحاول اللحاق بركب حياة آمنة كالآخرين ..
إيهٍ وأنت تنظر إلى الأفق المشرق .. وقد أغمضت عينيك على أوجاع ماض ٍ كان بالأمس حياة نابضة ساخنة تضج أملا ً واعداً..
لك أن تنتظر بعد الآن .. وقد أكمل الرفاق المسيرة .. وغذوا إليها خطوات واثقة .. واستلم أبناؤك الراية .. ليتموا ما انتهيت إليه .. ويتابعوا العزف على قيثارة الزمن .. وهي تنشد رحلة الخلود..
وداعاً يا رفيق الدرب .. يا ألقاً انطفأ .. ليضاء من جديد في طاقة مبدعة من رفاقك وإخوانك وأبنائك..
وداعاً يا جبال الأسى .. ويا هضاباً تشربت من حلم ربيعي سوف يفوح بالشذى .. وينشر المكان عطراً دافقاً .. وداعاً أيتها السهول والبراري التي تحتضن روح الحياة .. وهي تقتطف أثمن ما في الحياة .. ليكون لقاؤنا مع قيثارة الزمن العصي ..
وهو يردد أناشيد الخلود مع البارزاني الخالد , وشيخ سعيد بيران , وكمال أحمد درويش , وسيدايي تيريژ , وبافي جنكيز, وبافي قهرمان… وكل شهدائنا .. وهو يدخلون بوابة الرحلة الخالدة.