الرئيسية » مقالات » خلوة مع النفس 2

خلوة مع النفس 2

ارتقيت سلم الطائرة المتجهة من أربيل إلى فيينا بعد زيارة ممتعة ومتعبة إلى العراق, اهتديت إلى مقعدي في الدرجة السياحية مروراً بركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الإعمال. بعد وهلة قليلة هدأت حركة المسافرين إذ احتل الجميع مقاعدهم ثم أقلعت الطائرة وساد الصمت والهدوء التامين على متن الطائرة, ولم يخلْ بهما سوى مرور هذه المضيفة الجميلة أو ذاك المضيف المؤدب ذهاباً وإياباً.
في مثل هذه الحالة وغالباً ما يغوص الإنسان في داخله وتمر في مخيلته سلسلة من الأفكار ثم وتتداعى الذكريات ويجد أمام ناظريه وكأن شريطاً سينمائياً منوعاً يتنقل به من فكرة إلى أخرى ومن موقف إلى آخر. إنها الخلوة مع النفس التي غالباً ما يحتاجها الإنسان لمواجهة زحمة الحياة وحركتها المتسارعة والمتوترة في ظل التقنيات الحديثة والإجهاد اليومي وتوتر الأعصاب. وهكذا حصل معي.
توقف شريط الذكريات عندي على حالة لم تكن غريبة على المجتمع العراقي, ولكنها تفاقمت منذ سقوط الفاشية في العراق. ولا يدري الإنسان لماذا؟ فالمفروض أن من وصل إلى السلطة واحتل مواقع مهمة في أجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية كان الكثير منهم من وقف ضد النظام وكره العلاقة العدائية بين الإنسان والمجتمع من جهة وبين الحكام وكبار موظفي الدولة من جهة أخرى وعمل للخلاص منها. إلا أن الإنسان يعتقد خاطئاً بأن التغيير في الدكتاتورية ينهي معه التقاليد والعادات والقيم السلبية التي تكرست وترسخت في المجتمع وأن الذين كانوا من الثوريين يمكن أن تفسدهم المقاعد الوفيرة وينسون ما ناضلوا من أجله قبل ذاك!
الظاهرة التي أتحدث عنها ذات جانبين عشتها بنفسي أحياناً, ولكن من يعاني منها حقاً لست أنا بل هم الغالبية العظمى من لمواطنات والمواطنين, فأنا لا أعيش في وطني الأول, العراق, وليست لدي معاملات أنجزها بالعراق, وبين فترة وأخرى أقوم بزيارة استطلاعية ودراسية وأعود محملاً بجملة من الأفكار والملاحظات التي تساعدني في الكتابة والبحث, وبالتالي, ليس لهذه الظاهرة من تأثير سلبي عليَّ, ولكنها تمنحني الفرصة للتفكير بالعوامل الكامنة وراء هذا التصرف الأخرق.
الجزء الأول من هذه الظاهرة يبرز في تصرف جمهرة من الأصدقاء والمعارف حين يحتلون مواقع مهمة في جهاز الدولة, سواء في الحكومة أو على مقربة من المسؤولين الكبار, إذ أنهم ينسون أن كانت لهم صداقات ومعارف كانوا يسعون إلى إقامة علاقات معهم ويخطبون ودهم ويسعون إلى زيارتهم, وإذا بهم اليوم يتحاشون اللقاء بهم, رغم أن هؤلاء الذين كانوا يسمون أصدقاء أو معارف ليست لديهم حاجة عند هؤلاء يريدون إنجازها. وإذا ما صادفك في المطار يدير لك وجهه وكأنه لم يلمحك. ولا يجد الإنسان سبباً مباشراً لهذا التصرف!
الجزء الثاني من الظاهرة يبرز بصيغة أخرى. حين تكون لك علاقات طيبة مع أحد المسؤولين في أجهزة الدولة وتلتقي به أحياناً, يبدأ بالهش والبش بوجهك لأنه يعتقد بأن كانت لك علاقة جيدة مع مسؤوله الأعلى , وحالما يعلم بطريقة ما أن العلاقات ولأي سبب كان ليست كما كان يعتقد, عندها سرعان ما يدير لك ظهر المجن ويبتعد عنك ويسعى إلى عدم اللقاء لك ولو بالصدفة.
وأنا أفكر بهذه الظاهرة لاحظت بأنها تجتمع بجانبيها في الغالب الأعم, وليس بالضرورة, في الشخص الواحد, أو إنهما تشكلان وجهان لعملة واحدة. والسؤال هو: ما هي العوامل الكامنة وراء بروز هذه الظاهرة, ولماذا يبرز مثل هذه التصرف لدى أناس يعتبرون ضمن الفئة المثقفة بالعراق؟ قلت لنفسي, لا تتعب نفسك بالتحري عن إجابة شافية وافية عن هذا السؤال, فالأسهل عليك أن تحيله إلى الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح فهو أدرى بدروب النفس البشرية وأكثر إلماماً بما فعلته الحياة بالناس عبر عقود من الحروب والاستبداد والقهر والخراب والدمار. ولكن عدت إلى نفسي ثانية وقلت, ولكن ليس كل هؤلاء الذين يتصرفون بهذه الطريقة كانوا يعيشون بالعراق, بل الكثير منهم كان يعيش بالغربة وفي بلدان متحضرة تقدر معنى الصداقة وتعي أضرار التعالي على البشر وتتميز بالشفافية ولا تخشى لومة لائم في علاقاتها الاجتماعية والإنسانية.
كانت طريقتي في التعامل في البشر اعتيادية جداً من يرغب أن يقيم علاقات معك فأهلاً به ومن لا يريد ذلك فهي قضيته دون أدنى شك, وليس هناك ما يضيرني شخصياً هذا الموقف أو ذاك, ولكن فيها خسارة لصداقة أو معرفة مفيدة لكل الناس, فألف صديق أفضل من عدو واحد, هكذا تقول الميثولوجيا الشعبية العراقية. ولكن المشكلة لا تكمن عندي, بل في علاقة مثل هذا الموظف “الكبير” بوظيفته والصغير بنفسيته وبنيته الفكرية ببقية الناس البسطاء والطيبين وذوي الحاجة الماسة عنده.
تصورت أن أحد هؤلاء الكبار الصغار قد أنجزت له للتو بدلات جديدة ارتدى واحدة منها ونظر لنفسه بالمرآة, ثم جلس في سيارة مرسيدس خاصة أو السيارات الكبيرة المحروسة بأخريات مقاربة لها تنقه من البيت غلى مكتبه, وقد وضع الستائر لكي لا ير من هم خارج السيارة من في داخلها. يدخل مكتبه يجمل أحدهم حقيبته, يجلس خلف منضدة واسعة جداً تتصدر غرفته ذات الرياش تذكرنا بالعهد ألصدّامي, منتفخ الأوداج لا تظهر البسمة على وجهه مطلقاً, وهي نسبية, إذ أن الاستثناء يبرز حين يمر سيده الكبير, مسؤوله الأعلى عبر غرفته أو حين ينادي عليه مسؤوله الأول, عند ذاك تجده يقف مشدود اليدين إلى بطنه وينحني بظهره وكأنه وصل في صلاته إلى حالة الركوع.
لا شك في أن الشخص الذي يتخذ مثل هذه المواقف يعاني من نقص شديد أو بتعبير أدق, من خلل في تكوين شخصيته, وأن الموقع الذي يحتله أكبر بكثير من قامته الفعلية, أو كما يقال في الأدب الأوروبي أنه يرتدى بدلة تفوق حجمه عدة مرات, وإلا لما تعالى على الناس ولبقيت قدماه مشدودتان إلى أرض العراق الطيبة ولتذكر قول الحكمة الشعبية: ما طار طير وارتفع, إلا كما طار وقع!
إنها تصرفات تعبر عن اختلال في شخصية الإنسان, عن تعال فارغ, وخشية قاهرة على وظيفته من مسؤوله تفرض عليه هذا التصرف إذ يمكن أن لا يرتاح هذا المسؤول لعلاقاته الخاصة, إنها الانتهازية الصارخة والبؤس في التفكير والتصرف.
لقد استغرقت هذه الظاهرة وقتاً غير قليل من وقت الرحلة حتى نبهتني المضيفة الناعسة وهي تحمل بيدين ناصعتي البياض صينية الطعام وتنظر نحوي بعينين زرقاوين وابتسامة خجولة ارتسمت على شفتين ذكرتني بأبيات شعر بديعة قالها أمين نخلة:
أنا لا اصدق أن هذا‏ الأحمر المشقوق فم‏
بل وردة مبتلة‏ حمراء من لحم ودم‏
أكمامها شفتان خذ روحي وعللني بشم
إن الشفاه أحبها كم مرة قالت: نعم ..

21/2/2010 كاظم حبيب