الرئيسية » مقالات » فتنة الأعرجي و (السجعة الملعونة)

فتنة الأعرجي و (السجعة الملعونة)

ليس المهم أن يكسب الإنسان شهرة واسعة، بل الأهم أن تكون هذه الشهرة مرتبطة بالسمعة الحسنة، فأقصر طريق للإنسان لكسب الشهرة السيئة وعلى نطاق واسع وفي أسرع وقت ممكن، هو أن يرتكب عملاً شنيعاً. وأحسن مثال على ما نقول هو الطبيب الميجر نضال مالك حسن، الأمريكي من أصل فلسطيني، والذي فتح النار على زملائه في قاعدة فورت هود في تكساس يوم 5 نوفبمبر من العام الماضي، وتسبب في قتل 13 شخصاً وإصابة 31 بجروح، فبعد ساعات طبق اسمه الآفاق وصار أشهر من نار على علم. أما إذا توخيت الشهرة بالسمعة الحسنة فيتطلب منك القيام بالأعمال الخيرة، وأن تبذل في سبيل ذلك جهوداً مضنية وتضحيات كبيرة ولسنوات طويلة جداً، وحتى إذا ما كسبتها، فيمكن أن تفقدها بلمح البصر إذا ما ارتكبت جريمة أو حتى خطأ ما.

وهذا ينطبق على النائب العراقي بهاء الأعرجي، فرغم شهرته المحلية المحدودة كنائب برلماني من التيار الصدري، ويا للكارثة، رئيس اللجنة القانونية في البرلمان، إلا إنه أشتهر على نطاق أوسع عندما أطلق في مقابلة تلفزيونية قولاً شنيعاً وربما بزلة لسان، أن: (اضطهاد الشيعة “مذهب الغالبية منذ يوم أبو بكر إلى حزب أحمد حسن البكر”!). فبعد ساعات قلائل دخل اسمه عشرات العناوين للتقارير والمقالات، داخل العراق وخارجه. أكاد أجزم أن الذي دفع الأعرجي ليطلق عبارته المشؤومة المثيرة للفتنة هذه هو السجعة، أي (من أبي أبكر إلى أحمد حسن البكر!!)

فالعرب مهووسون بالسجع والقافية وشكل التعبير حتى ولو كان ذلك على حساب المضمون الفكري للمقال، بل ويضحون بالمضمون ويكلفون شعوبهم الكثير من المتاعب في سبيل ملائمة السجعة والقافية وهذا معروف في الأدب العربي، وهناك قصص مبكية مضحكة كثيرة في هذا المضمار، وما فتنة الأعرجي إلا واحدة من هذه المهازل. إذ جاء في التاريخ أن الأمير الصاحب بن عباد كتب إلى قاضيه بقُم “أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم”. ولما بلغت الرسالة القاضي، أدرك سر أمره فقال: “والله ما عزلتني إلا هذه السجعة الملعونة.”

وأنا واثق أنه لولا توافق إسمي الخليفة الراشدي أبي بكر الصديق واسم الرئيس العراقي أحمد حسن البكر في السجع لما قال الأعرجي قولته هذه، إذ لو كان صادقاً بقوله، فهذا يعني أنه برأ صدام حسين من جرائمه، بينما أشد ما أصاب الشيعة وغير الشيعة من قتل وتنكيل كان في عهد صدام وليس البكر، وصدام كما نعرفه هو الذي كان وراء إضطهاد الشيعة والسنة والكرد وجميع مكونات الشعب العراقي.

وكما تفيد الحكمة “ربَّ ضارة نافعة”، فالأعرجي وهو قيادي في التيار الصدري قد كشف عن كذب وزيف هذا التيار الذي طبل كثيراً وباستمرار أنه ضد الطائفية ويتهم خصومه بالطائفية وأن المحتل هو الذي جلب لنا الطائفية وعلى لسان زعمه مقتدى الصدر في جميع بياناته وخطاباته، وأنه يتهم الأمريكان عن تصاعد الصراع الطائفي. فهاهو الأعرجي قد كشف عن المستور والمخفي، وقال الحقيقة في زلة لسان ومهما حاول بعدها تغطية زلته تلك بكيل الشتائم واللعنات على الطائفية والطائفيين.

والملاحظ والمفرح أيضاً، أن معظم الذين أدانوا الأعرجي هم الكتاب العلمانيين الليبراليين من ذوي الخلفيات الشيعية، وهم الذين طالبوا باجتثاثه. وأنا بدوري أطالب بتطبيق المادة السابعة من الدستور بحق الأعرجي لأنه قام بإثارة فتنة طائفية وهو مخالف للدستور. ولهذا فعلى الجهات المسؤولة عن تطبيق المادة السابعة من الدستور، وأعني على وجه الخصوص: البرلمان، والمفوضية العليا للانتخابات، وهيئة المساءلة والعدالة، والهيئة التمييزية، منع بهاء الأعرجي من الترشيح للانتخابات وجميع المناصب في الدولة العراقية، وبذلك يعطون درساً بليغاً للأعرجي ووأمثاله ولكل من يحاول أن يقتدي به، لكي يثبتوا أنهم يقفون على مسافة واحدة من المحرضين على الفتنة، ومن أي انتماء كانوا. فقد دفع الشعب العراقي الكثير وبما فيه الكفاية من الدماء والدموع من جراء الفتنة الطائفية والعنصرية.
***********************

من أقوال علي الوردي في الطائفية
وبهذه المناسبة، أرى من المفيد دعوة العراقيين للعودة إلى قراءة مؤلفات الراحل العلامة علي الوردي خاصة وهم يمرون في أقسى مرحلة عاصفة من تاريخهم الحديث في التحولات الاجتماعية والسياسية في عملية بناء دولتهم العصرية، أنقل أدناه بعضاً من أقوال الوردي عن هذا الصراع الطائفي البغيض، من كتابه القيم (وعاظ السلاطين) الذي نشر بطبعته الأولى أوائل الخمسينات من القرن المنصرم، وكأنه معنا الآن، وما أحوجنا بالعودة إليه لنستخلص منه الدروس والعبر، أدناه بعضاً من أقول أستاذنا الراحل الوردي إذ يقول:

*- ولو درسنا سيرة الأئمة الكبار الذين عاشوا في أواخر العهد الأموي وأوائل العهد العباسي لوجدناهم يتشيعون لعلي ولمبادئه الثورية تشيعاً عجيباً رغم الظروف المثبّطة التي كانت تحيط بهم. فأبو حنيفة الذي يُلقّب بـ “الإمام الأعظم” كان علوي الهوى ثورياً من طراز فذ. يقول الزمخشري: “وكان أبو حنيفة يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي، وحمل الأموال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة” (أنظر: الزمخشري، الكشاف، ج1 ص64).
*ولما ثار محمد بن عبد الله الحسني في المدينة ضد المنصور بايعه أبو حنيفة. وظل على تلك البيعة بعد مقتله إذ كان يعتقد بموالاة أهل البيت. (الشهرستاني الملل والنحل ج1 ص79). وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم، أخي محمد، يشير إليه بقصد الكوفة سراً ويعلمه بأن في الكوفة من الشيعة من يستطيع دعمه. (ص233)
* بعث على بن أبي طالب روح الثورة في المجتمع الإسلامي. فتولى تلك الروح بعد موته طائفتان من الناس، هما طائفة الشيعة من جانب وطائفة أهل الحديث من الجانب الآخر. أولئك ثاروا بسيوفهم وهؤلاء ثاروا بأقلامهم. واستطاعت الطائفتان أخيراً أن تقضي على الدولة الأموية قضاءاً كاد أن يكون مبرماً. إذا تكاتف السيف والقلم على أمر، فلا بد أن يتم ذلك عاجلاً أو آجلاً. (ص 234).
*- دعمت الدولة الأموية حكمها بالسيف وحده، واهملت جانب القلم. وكان ذلك سبباً كبيراً من أسباب سقوطها الذريع. كان الأمويون أولي نزعة بدوية قوية. ولذا ساروا على طريقة أهل البادية حيث اعتقدوا “أن الحق بالسيف والعاجز يريد شهود”. ومادروا أن الشهود في الحياة الحضرية لهم أهمية كأهمية السيف. (ص234 )

*-التزم أهل السنة بالحديث النبوي القائل: “…إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف اصحابي رحمة”. والتزم الشيعة من الجانب الآخر بالحديث القائل: ” وإنما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق”.(ص246)

*-وإذا أراد الشيعة وأهل السنة في هذا العصر أن يتحدوا، فليرجعوا إلى شعارهم القديم الذي اتخذه زيد بن علي وأبو حنيفة، أي شعار الثورة على الظالم في شتى صوره.. لا فرق في ذلك بين الظالم الشيعي أو الظالم السني. إن هدف الدين هو العدل الإجتماعي. وما الرجال فيه إلا وسائل لذلك الهدف العظيم.(ص247).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العنوان الإلكتروني للكاتب: Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

الموقع الشخصي للكاتب: http://www.abdulkhaliqhussein.com/