الرئيسية » مقالات » سايكولوجيا الإلهام …

سايكولوجيا الإلهام …

سايكولوجيا الكتابة تأتي بغموض شفيف مثل حزن سيابي فيه يُتم ولوعة ازاء ماهو مفقود . تأتي الكتابة من عالم ذري بعيد ، ربما يحركها نجم ناء ٍ ، ذكرى دفينة ، ندم مدفون بعيدا في المقابر الجماعية للروح . تأتي الكتابة من وجع لفراق وطن وطلاق اُم في طفولتك وحجود حبيب . تأتي من حزننا الكامد الألوان او من فرح لم نجربه نبكي له وعليه . يأتي من انفعال ليس بالضرورة ان يكون نفعيا . لدي الشاعر الانجليزي جون كيتس 1795_ 1821 شوق الى الركض وراء العرائس بقصد تقبيلهن وبذات اللحظة التمني بعدم التقبيل حتى يبقى الظمأ عامرا كانتشاء باخوسي لاينفـَل .

أجمل امرأة لاتمنحك الشعر .. هناك سر وغموض يتأتى عبر

اللآمرئي من ذبذبات جاذبة تطحن النخاع بالعظم وتدوس عليه بحادلة من جمر فيهيم مجنون الصحارى ، ويتسامى بن زيدون ، ويضمر جسد الشابي بالسل .

النجمة النائية تجعل المرء يكتب أكثر من قمر منير ، الضيف الغائب ادعى للشوق لدى نازك الملائكة التي استضافته ـ هي بنفسها ـ وتمنت ان لايأتي ليكون غيابة حسيا لاهب الاشواق والتمني ، وهنا جمالية التناقض التي تفجر ينابيع الوجد … يا الاهي كم في الذات من مماحكة ولا معقولية وتطاحن وعدم ثبات . كم في اعماقنا من حنين للقادم وهجر للمقيم معنا . اهمال الذي في حجرة عرسي ! والهيام بالذي يستحيل علي المسك به .

الآخر هو عشتار الثمار الاخرى هي سالومي الجنون … كم في مسافات البعد عن امرأة الروح ما ينيرها بديكور من احلام .

سألني على سبيل المثال أحد اصدقائي معاتبا كوني لم أكتب عنه كذكرى لصداقة عمرها خمسة عشر عاما ، قلت له جانبيا انت لم تعطني وميضا من كرم روحي بينما الآخر ولأيام قليلة جعلني اشعر بأنه الشعر الذي يمنحنا الانغام بانه قارورة العطر التي تغرينا بمسيس قطرة من اريجها السامي .

ألم الذكرى والاستحالة حيث يمنحني اللآممكن ملاحم هوميروسية .. الوجوه الساحرة التي تكوي القلوب قبل الجلود والتي تمر قبالتك وتترك من دون ان تدري هي انك خلدتها شعريا وكتبت اجمل سوناتات القرن . وليس بشاعر من لايكتب عن الف امرأة عابرة وصرح هاو ٍ ومدينة مندثرة .

اغنية في حانة تركت لديك ومنذ 40 عاما سناءا لاتمحوه الوف الليالي من الظلام . اي ذخير من ذكريات سعيدة او مؤلمة يأخذ دبيبها الى رسم سحنات الاحبة الذين نسوك او تناسوك .

الوصال المادي جميل لكنه عامل سلبي .. الاقتراب بُعد … واللعبة هي ان نبتعد لكي نقترب تماما مثلما فعل دانيال في كتاب دروب الحرية للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ، دانيال الرهيب العجيب الذي لايطاق والذي لايمكن تصوره !!! لقد قام ومن شدة حبه لقططه بالقائهن في لجة عاتية من لجج البحر وقال باختصار لقد القيتهن في الحب الخالد ! سورين كيركيجارد الدانماركي ذو الفلسفة السوداء ورب التشاؤم ذهب الى والد خطيبته ريجين اولسن وسلمه خاتم الخطوبة رافضا الزواج من ابنته لسبب انه لايريدها امرأة بيتية عائلية مطبخية تتعفن مع الايام بين الاطعمة والصحون يريدها خالدة مدى الحياة اسما لامعا في حياة الفيلسوف سورن كيركيجارد وحياة المعمورة . الولادة بنت المستكفي خلدت ابن زيدون ، وبالمناسبة كانت المرأة تعرف انها ببعدها وعنادها قويت وتقوى على تكتيبه شعر الخلود بل لحن الخلود . ولقد سُقيَ ابن الملوح العذاب حتى وجدوه في منعطف جبلي منطرحا وقد كتب على الرمل : ” توسـّد َ احجار المهامة والقفر ِ ومات جريح القلب مندمل الصدر” . ما اجملهن نساء الروح وآلهات الالهام انهن ساحرات لا بقربهن بل باستحالتهن . تخبو النار باستجابتهن ، وتستعر بغيابهن . الأجمل هو المشعل العالي الملتهب على اسمى ذروة في الاولمب اعني الفراشة التي لاتمسك.

امرأة جميلة من ذاكرتي ، وضعت اصبعها ذات يوم على سطر في كتاب شعر لأنطونيو ميتشادو قائلة لي اقرأ هنا وتحسس الروعة : ” دع الزمان امامك مثل فراشة تياهة لا مثل ثور وديع ” .. من يومها وانا كالصبي اُراكِض واشاكس فراشتي في الاحلام .. انها فراشة اجمل امرأة في حياتي وروعتهما انهما كلاهما المرأة والفراشة عصيان على المسك .

اذا لم تكن الولادة بنت المستكفي قد لعبت لعبة الالهام ، فان نساءا تمنعن عن قناعة فاحرقن الشاعر السيابي اللوعة والسياب ذاته القائل : ” احبيني فاني كل من احببت قبلك ما احبوني ” .. ونحن مع من ؟ مع ترويض العاشق في حلبة النار ام مع اطفائه بقبلات ولاّدة الشاعرة القائلة : ” أنا والله اصلح للمعالي … وامشي مشيتي واتيه تيها. امكـّن عاشقي من صحن خدي … واعطي قبلتي من يشتهيها ” وقد مات بن زيدون بحسرة القبلة المبتذلة .

هناك الهام مستعر من نوع آخر ألا وهو : مات الرصافي فقيرا وقد عاد من تركيا وسوريا ليكون ملكا على العراق فصارت لغيره فعاش متبرما ناقما فقيرا لكنه عاش عفيفا كاتبا المعيا وشاعرا فلسفيا فخما ومتابعا سياسيا وهو والجواهري شاعرا العراق الكبيران ، فلو كانت الملوكية له هل ياترى هناك رصافي كالرصافي هذا ؟

اعني وصال المرأة وتبوأ المنصب الرفيع والظفر بإمارة كما اراد المتنبي هو تغييب للشاعر المفوه والاديب الأريب او حتى الشخصية اللآمعة والكفوءة . اعني ان سايكولوجيا الكتابة هي الهام تشحنه كهربة ! وشرطـُه الحرمان ، البعد ، اللآوفاق ، الهجر ، سوء الطالع ؟ . كل هذا الجمر الذي يدبغ جلودنا هو الذي يمنحنا اجمل الكتابات اما المترف بالسعادات فهو يحياها ولا يمكن ان يكون كليهما ! هذا محال .

واخيرا فكلٌ وحرمانه .. ونحن حرماننا العراقُ النائي والارضُ المثخنة باحبتنا المغيبين، واهلـُنا المهجرين ، وآباؤنا الموتى بغيبنا ومنفانا المتعدد حيث كل فرد منا في ارض ، لا اهلنا ولازوجاتنا ولا حتى من تناجيه على البعد وتبكي له بدموع حارقة يشفع لك ولو بربتة واحدة من حنان لا بل تراه متبرما غاضبا حردا ، قال الجواهري الكبير :

“وكان ان لم تهبه مدحة ً حر ِداً

واليوم من نغتلي في مدحه حرد ُ ”

الكل محروم والوطن في عمومه قصيدة عشق توّاقة الى أمل على الطريق الأمل بالسلام والسعادة المنشودة . اليوم كلنا في حنين الى المسك بالمستحيل وفي صراع حتى الموت من اجل نيل الحبيب والفوز بسايكولوجيا جديدة من الهام ذي طبيعة جديدة لاسادية ولا هجرمتعمد فيها ولا قتل للعاشقين بلا رحمة .

*******
تـَوْقٌ أخير : قال شاعر جنون والهام حارق :


” وارفع الكأس لكن لا ادنسّه

واقرب الإثمَ لكن لست ارتكب ُ ” .