الرئيسية » مقالات » الانتخابات العراقية وموجبات التنافس الحضاري

الانتخابات العراقية وموجبات التنافس الحضاري

في البداية، ينبغي التمييز بين “التحضر” الذي نعنيه و”التمدن” الذي لا يهمنا في هذه المعالجة، فقد تكون قد انتقلتَ من الريف الى المدينة، ولبستَ البدلة الاوربية، واقمت في فيللا باهرة، وصرتَ تستخدم الكبميوتر والمحمول والطائرات والسيارات الفارهة، وقد تكون قد اجدْتَ الحديث باللغات الاجنبية، وارسلت شعرك طويلا، واستخدمت احدث وسائل التعامل مع البنوك، وعرفت الطريق الى مضاربات المال والصفقات، وتوظيف السياسة والولاء في مدارات المصلحة، وقد تكون قطعتَ صلتك بالقرية ودواوينها، ووثـّقتها بالمدينة وكواليسها، او هجرت شلتك في الحارة الشعبية بعد ان وطدتها بابناء القصور المحمية.

اقول، قد تكون انتقلتَ من مجتمع القرية والحارة والاستخدامات التقليدية البالية الى ادوات الحياة اليومية، لكنك لن تكون اكثر من شخص اصبح متمدنا، وليس بالضرورة متحضرا، لأن التحضر،تغيير نوعي في السلوك والتفكير، يقوم على ممارسة قيم الحياة الجديدة التي انتجتها المدنية ومجرى تلاقح الثقافات، والتواصل الانساني في اصول التعامل مع الاخر بوصفه شريك في كفالة الحياة والمصير ، ما ينعكس (في تجليات الانتقال من الفردية الى الجماعية) في حياة المجتمع نفسه، والمثل الذي اورده عالم الاجتماع الفرنسي بيير باردو يصح العودة اليه هنا حين قال “إجلب شخصاً ما من مجاهل الغابات من وسط أفريقيا أو الأمازون مثلاً، ثم ألبسه ما يليق بحياة المدينة ووفر له جميع أدوات المدنية المتاحة، فإن ذلك الآتي من الغابات قد أصبح “متمدناً” بسبب هذا، ولكن نمط تفكيره وتصرفاته وقناعاته سوف تبقى معاكسة ومخالفة لأبسط معايير التحضر”.

وهنا قد يقال اننا في العراق، او على مستوى شعوب وامم هذه المنطقة، وريثو حضارة عريقة، فاننا متحضرون بالوراثة، لكن هذه النظرية بطلت منذ زمن قديم حين مرّ على انطفاء تلك الحضارة والثقافة الملهمة والمتألقة ما يزيد على ثمانمائة سنة غرقت فيها هذه الامم والشعوب في عالم الجهالة والتخلف، وهجرت الكثير الكثير من قواعد السلوك والتفكير التي انتجتها تلك المرحلة، بل وانقلبت على غالبيتها لتحل محلها نزعات من العصبية والخرافة والهرطقة والاباطيل والبدع ، إذ صارت هذه العناوين ثقافة جمعية سائدة وشكلت هوية هجينة مترسخة ، وفي الاخير انتهت الى عامل معرقل للتطور واللحاق بالمستقبل.

ويحتل حُسن التنافس بين الافراد والجماعات ركنا اساسيا في لوازم التحضر، فان ثقافة البداوة والقرية تدس نزعات الجاهلية والاحتقان والرغبة بالتنكيل واستخدام اساليب القهر والاحتيال واللصوصية في عملية التنافس، ويعبر ذلك عن نفسه في عالم التجارة ومنافسات السوق .. اما في السياسة، وفي فصلها الدرامي الموصول بالانتخابات فان التنافس يُظهر الفارق بين المتحضر حقا، وبين من يدعي.

* لكن قبل الخوض في موضوع الانتخابات علينا ان نرصد حقيقة ان التنافس ميلٌ متأصل في نشاط جميع المخلوقات، وهو رديف الصراع الكامن في ذلك النشاط، لكن ما يميزه لدى الانسان، عن غيره من الدواب، يتمثل في انضباطه وتطور قواعده واصوله وقيمه، وباختصار فان التنافس بين البشر ينطلق من الوعي، ولاينفي عنصر الوعي ان يكون التنافس ينطلق من المصلحة، بل ان المصلحة نفسها تقف وراء مشغل الوعي وتناميه وتراكم عناصره ومعارفه.
ومنذ الازل كان ثمة خيط اخلاقي (قبل ان يصبح حقوقيا) بين ما هو مشروع، مقبول، مبرر، من التنافس بين الافراد والمجموعات وبين ما هو غير مشروع، مرفوض، مستهجن، وغير مبرر، وكان هذا الخيط يبرز في مجتمعات تتحضر، حتى في اشكاله البسيطة، مثل مباريات القوة والسيف وسباقات الخيول ومصارعات الثيران، الامر الذي اسس ما اطلق عليه مفردة “الفروسية” بالمعنى الاخلاقي للتنافس المتحضر.
ولاشك ان في تاريخ وتجارب التنافس، طرحت الكثير من الامثلة والحالات التي نزل فيه التنافس بين الناس منزلة الوحوش، وبخاصة في ما تعلق بالتنافس على الثروة والسلطة، قبل ان تتمدن المجتمعات، وتزداد معارف الحقوق، وقد اورد الشهرستاني المؤرخ كيف أهدرت دماء المسلمين، في احتفالات “ذبح جماعية”نظمها “علية القوم” خلال تنافسهم على الحكم “ما لم تُهدر لأي سبب آخر” كما اوردت تقاويم الحروب في التاريخ وقائع المجازر التي طالت ملايين من الناس وامم كاملة في نطاق التنافس غير المشروع بين الدول وحكامها.
مقابل ذلك، يحتفظ التاريخ بامثلة كثيرة عن سيادة حكمة العقل وروح الفروسية واحتقار الغش والغدر في التنافس بين المتبارين او المرشحين للحكم او العاملين في السوق والتجارة، او المقاتلين في ساحة المعركة (العفو عند المقدرة).
وفيما كانت قواعد التنافس المشروع بين البشر تتجلى بالممارسة والحِكم والشفاهية، وفي ما يسمى بالاعراف العامة، وفقا لكل مجتمع، فانها غدت، في هذا العصر، مدونة في وثائق تتسم بالطابع الانساني، وفي معاهدات توقعها الدول، في اطار الامم المتحدة، ويشار لها في قيم والتزامات تحميها مؤسسات عالمية (منظمات حقوق الانسان) وتتحول ثقافة التنافس المتحضر، في هذا المجرى، الى مفردات في مناهج التعليم والتربية لتحبيبها وممارستها كأحد لوازم الحياة الانسانية الجديدة، في حين تزداد على نطاق واسع مصدات التنافس اللامشروع، الغادر.. ويُحتقر اصحابه في مفردات قادت الكثيرين منهم الى سوح العدالة.. الى مزابل التاريخ.

على ان التنافس بين المرشحين الى الرئاسة او البرلمان يحتفظ بخصوصيات وقواعد متمايزة عن مجالات التنافس الاخرى، لصلتها بالسياسة والارادات، والصراع على السلطة، وفي ساحة هذا التنافس، حصرا، تظهر مناسيب تحضر المجتمعات، ومصداقية التزام النخب السياسية بالسباق الانتخابي الحر كطريق لاختيار الشعب النظام السياسي الذي ينشده.

*على ان ثمة ثلاثة تأثيرات تفرض نفسهما على مجرى التنافس الانتخابي، اول هذه التاثيرات يتصل بحالة الامن، فان اجواء العنف والتهديد والحروب الاهلية والصراعات الطائفية تحول دون ضمان تحقيق تنافس حقيقي ومتحضر بين المرشحين، والثاني، يتعلق بشرط التعددية السياسية لضمان التنافس، فلا تنافس في اجواء هيمنة النوع الواحد، والكيان الاوحد، والثالث، ذي صلة بطبيعة النظام السياسي وشكل ادارته.

ففي عهد الدكتاتورية العراقية لم يكن ثمة تنافس بين الخيارات والافراد والجماعات.. هناك إملاء.. في حين يجري تصريف التنافس السياسي والاجتماعي في اقنية هامشية تخدم قبضة الدكتاتورية، التي تتحجج بوجود ظروف حساسة او “معارك قومية” او اخطار خارجية داهمة لتحريم حق التنافس في المجتمع، وليس من دون مغزى ان يخوض صدام حسين انتخابات الرئاسة، مرشحا وحيدا للمنصب، فيما تبارى اعضاء حزبه مع بعضهم البعض للوصول الى مقاعد البرلمان في لعبة اثارت ازدراء العالم.

والآن، منذ سقوط الدكتاتورية، خاضت الملايين العراقية تجارب انتخابية رائدة(تجربتان عامة وتجرتان في اقليم كردستان) بالاضافة الى استفتاء على الدستور، كان التنافس مفتوحا بين الاحزاب والمكونات السياسية، تكفي الاشارة الى تنافس الاف المرشحين(من خيارات سياسية متنوعة) على مئات قليلة من المقاعد النيابية، الامر الذي سُجل كرصيد في تجربة البناء الديمقراطي على الرغم مما شاب عملية التنافس بين الفر قاء والاحزاب والافراد من طعون ومخالفات وتعديات واعمال تزوير واستخدام السلطة والنفوذ والمال العام والاستقواء بالقوى الخارجية ، في هذه الساحة او تلك.

وفي الحصيلة، يبدو ان امام التنافس الحضاري بين الجماعات السياسية طريق وعر، وان ثمة مسافة منه قطعت.. لكن الاصعب في ما يأتي.

فان عناصر التنافس الحضاري بين المرشحين الى البرلمان تمت بصلة وثيقة الى مفاهيم وقيم وممارسات الديمقراطية، وتدخل في صلب اللوازم الاساسية لبناء مجتمع العدالة، لكنها الى جانب ذلك، تتوزع على ضوابط ولوائح مكتوبة ومعلنة تلزم المتنافسين على احترامها، تحت طائلة القانون، هذا عدا عن وجوب ممارستها كقيم اخلاقية وثقافية.

وتمايز التنافس الانتخابي عن المحددات الاخرى يأتي من حقيقة ان الانتخابات (الحرة طبعا) هي السبيل العصري الموثق لتمثيل الشعب وصياغة ارادته واشواقه، وتشكيل السلطة التشريعية بوصفها الركن الثالث من اركان الدولة الحديثة، وبمعنى ما، فان التنافس الانتخابي الجسر الذي تعبر من فوقه اللوازم الاخرى لصناعة عهد الدولة الديمقراطية المدنية، وبعكس ذلك، فان غياب هذا التنافس لاختيار ممثلي الشعب، وتغييب شروطه المتحضرة، يعني ان النظام السياسي القائم قد فقد شرعيته التاريخية، عدا عن ان ذلك يعرض الدولة الى سلسلة من الانشقاقات والحروب.

والتنافس الحضاري يقوم على قاعدة رئيسية، تتضمن الحقوق المتساوية للمتنافسين(افرادا او جماعات) في استخدام المنابر العامة لعرض برامجهم، وتوفير ضمانات (قانونية واضحة) لممارسة هذه الحقوق، وحمايتها، وتجريم التعدي عليها، ولا يمكن(طبعا) تحقيق هذه البيئة المنتجة من دون التزام السلطة التنفيذية(الحكومة وهيئاتها وقواتها وموظفيها) بالحياد بين المتنافسين، وهي المفردة الرئيسية في تكافؤ الفرص امام المتسابقين الى قبة البرلمان.

والحق ان ثمة الكثير من التطور و”التحسن” طرأ على اداء الهيئات الحكومية وتعاملها مع المتنافسين(بالمقارنة مع الانتخابات السابقة) لكن ثمة مخاوف من حدوث اختراقات في هذه الحيادية الهشة مع اقتراب موعد الانتخابات، وبالاخص حين تميل “اهواء” التصويت على وفق معايير الشفافية، ولهذه المخاوف ما يبررها في الطعون الكثيرة التي رافقت آخر انتخابات جرت للمجالس البلدية قبل اكثر من عام، فوق طعون بدأت تُعلن عن تدخل حلقات من السلطة في التعبئة الانتخابية واستخدام المال العام والنفوذ الحكومي في الدعاية للمترشحين، اخذا بالاعتبار حقيقة ان نفوذ الحكومة وثقلها موزع على احزاب قليلة تتقاسم النفوذ والسلطة والمال والاعلام، وإن بنسب متفاوتة، الامر الذي يشكل اول تحد للتنافس الحضاري المنشود.

نحن في حيّز تاريخي يجدر ان نبني فيه معارف وسلوكيات بديلة.. فنقول:

لا تنافس حضاري من غير حرية تعبير يتمتع بها المتنافسون، كافراد او مجموعات، وكمجتمع، وهذه الحرية ليست منّة ، او متبرع بها من احد. انها ثمرة كفاح البشرية والشعوب المضطهدة في المقام الاول، إذ كفلت هذه الحقوق بميثاق الامم الامم المتحدة (المادة 19 من الميثاق الدولي) التي اعطت “لكل فرد حق حرية التعبير عن الرأي” ثم “ان لكل فرد حق حرية إبداء الرأي دون تدخل خارجي” وحين خرج القائد الوطني الافريقي نلسون مانديللا من السجن خاطبه مبعوث دولي في احتفال حضره مليون من الملونين قائلا “يا صانع حرية هذه البلاد” فرد عليه مانديللا، متضايقا، بالقول مشيرا الى الجماهير الغفيرة بالقول:”هم الذين حرروا انفسهم” .

وفي حزمة الالتزامات الخاصة بممارسة حقوق حرية التعبير قضت المواثيق والتشريعات الدولية بتثبيت حقوق الحماية، للافراد والمجموعات والشعوب والعقائد والاديان، حيال ممارسة هذه الحرية، وجري التركيز، خلال التنافس الانتخابي، على تحريم وتجريم استخدام الاعلام وسبل الدعاية الاخرى في التعدى على المنافس او الاساءة الى سمعته او الحيلولة دون وصوله الى الناخبين، وهي جميعا من حشوات التنافس الحضاري.

لكن الاكثر اساءة الى فروض التنافس الحضاري يمكن ملاحظته في اللجوء الى تزوير ارادة الناخب عبر ممارسات وتقنيات محرمة، وفي استخدام المال العام والسلطة ومنافذ الدولة في الدعاية والعلاقات، من قبل الحكومة او الفئات المتنفذة فيها.

واللافت، ان الاعتراضات الوفيرة التي قدمتها مجموعة المراقبين الدولية والمحلية والصحافة لانتخابات العام 2005 ثم انتخاب مجالس المحافظات، تشير الى انتهاكات صارخة لقيم التنافس الانتخابي، ولم يكن ليخفف من اثر تلك الانتهاكات ما ذكرته المفوضية العليا في خلاصاتها وتحقيقاتها من ان حالات التزوير”القليلة” لم تؤثر على النتائج المعلنة النهائية، فان وجود حالة واحدة من التزوير سُجل على جهة نافذة كانت قد مارسته، لا يمنع الطعن في سلامة التزام تلك الجهة بالتنافس الحضاري، كما لا يمنعها من ممارسة هذا التعدي على حقوق الناخبين كاما سنحت الظروف لذلك.

وعندما يقال ان الانتهاكات لقيم التنافس الحضاري جرت في اطار مخالفات فردية محدودة، فان الامر لايعدو عن كونه محاولة لاعطاء الانتهاكات ترخيصا، يساوي الموافقة على قتل انسان برئ بذريعة انه شخص واحد من ملايين من المواطنين لم يتعرضوا الى القتل..

فان الجريمة، جريمة، بصرف النظر عن عدد ضحاياها.

ـــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:

“ما لا تفعله قد يكون اكثر اهمية مما تفعله”.

حكمة مترجمة