الرئيسية » مقالات » العراق من الوحشيةِ إلى الانتخابات الحُرة

العراق من الوحشيةِ إلى الانتخابات الحُرة

لا يمكن إعطاء تقييم دقيق وموضوعي لما يحدثُ الآن في العراق من تطورات سياسية وتحولات كبيرة، بما فيها الانتخابات ومدى أهميتها، لما ترسمهُ من أفق للتغيير، لا يقارنُ مع المرحلة الوحشية السابقة.

التي أحدثت تحولات عميقة في بنية وتكوين المجتمع بفعل استمرار الدكتاتورية المنفلتة لأكثر من أربعة عقود مضت. تمكن فيها البعثيون من تأسيس نظاماً دموياً وحشياً مارسَ التخريب الاجتماعي المنظم والمخطط له في كافة المجالات. ابتداءّ من الإنسان وإذلاله وسحقه واعتباره وقوداً للحرب، ومروراً بالثقافة والفن وكل ما لهُ صلة بالبناء الفوقي، ناهيك عن التدمير اللامحدود للبنية التحتية وعسكرت الاقتصاد وسياسة هدر الأموال في مشاريع لا تمت بصلة للناس، مكرسة لإشباع نزوات الحكام السفلة، أو نهبها، وجعل الاستحواذ على ممتلكات الغير سياسة رسمية للدولة، تبيحُ وتتيحُ للحكام وذويهم السيطرة المطلقة على مقدرات الناس، في المجالات الزراعية والصناعية والمالية والتجارية، ومن لا يرضخُ لمشيئتهم يكون مصيره الموت والفناء سواء أكان تاجراً أم سياسياً..

بهذا السلوك وهذه الممارسات تمكن البعثيون من أحداث تغيرات عميقة وخطيرة في بنية المجتمع العراقي لا تقف عند حدود ما نسمعهُ من أرقام فلكية بخصوص ضحايا القمع والإرهاب في تلك المرحلة.. أو تعداد حجم الخراب الاقتصادي والمالي وما لحق بالبنية التحتية من دمار..

لقد تعدتْ ذلكَ لتشمل المفاهيم واللغة والعادات والسلوك والعلاقة بين مكونات المجتمع العراقي.. لا بل يمكن الحديث دون خوف أو ترددٍ على حدوث متغيرات في طبيعة الشخصية العراقية تتجاوز ما تطرق إليه الدكتور علي الوردي في تحليله لحالة وصفة الازدواجية في الشخصية العراقية و ميولها ونزوعها للنهل من الثقافة البدوية.

إلى حدٍ يمكن فيه القول أن الانتهازية أصبحت جزءً من مكونات الشخصية العراقية اليوم.. أيْ بصريح العبارة يمكن التأكيد على أن البعثيين تمكنوا من إعادة إنتاج المجتمع العراقي في تلك العقود التي تحكموا فيها بمقدرات الوطن والشعب بالحديد والنار..

وفي التفاصيل يمكن الحديث عن متغيرات بنيوية خطيرة أدت لإعادة الاصطفاف الطبقي في المجتمع ابتداء من تدمير الطبقة الوسطى وزيادة الفقر والخراب الذي حل في الزراعة ناهيك عن حجم الجرائم المرتكبة داخل الوطن وخارجه، الذي أسفر عن فرز المزيد الفقراء والمعدمين الذي ترافق مع نشوء طبقة طفيلية تحتكر الاقتصاد وتتحكم بالتجارة ورأس المال.. تنتجُ مفاهيمها” الجديدة” في المجالات الثقافية والاجتماعية التي تبررُ الإرهاب وتمجد الدكتاتور وحروبه.. تعيد بالناس إلى عهود وحشية تسبق مرحلة ما قبل الإنسانية..

بهذه الرؤية ونحن نستذكرُ شيئاً من مرارات الأمس القريب للعهد المقبور يمكننا القول اليوم ونحن نتوجه إلى صناديق الاقتراع.. إنّ بوادر ثورة اجتماعية حقيقية قد بدأت تمارس في بلاد الرافدين بلا تردد. رغم اختلافنا في المفاهيم حول محتوى الديمقراطية ونتائج الانتخابات أو الموقف من الاحتلال والتحرير والإرهاب..

أن ما يحدث الآن من تطورات يتعدى حدود الشكل والتصورات السطحية لطبيعة الحدث.. هذه ليست انتخابات مجردة.. يمكننا الحديث عن تجاوزاتها ونواقصها عن عيوبها بلا حدود..

نحن العراقيين سُكان هذه الأرض وهذا البلد المسمى بالعراق.. نعلنها لأول مرة.. خطوة أولى للأنفكاك من عصر الوحشية والقمع.. نعلنُ براءتنا من مرحلة مشبعة بالعنف والقسوة والموت المجاني..

نعلن اختيارنا طريق المنافسة السلمية الحرة، وقبول المشاركة بالسلطة لا الاستحواذ عليها بقوة الدبابات.. لقد ولى عصر الدبابات، وحان عصر الانتخابات..

الانتخابات وليس الدبابات.. اسمعوا يا عربان الجزيرة وما وراء الحدود… الانتخابات وليس الدبابات…

هذا انجازٌ لنا.. وليس لأمريكا أو غيرها.. نحن من يختار..

للديمقراطية مفعولها.. قوانينها فاعلة حية…لانتخاباتها قوة تجذب تستقبلُ وتستقطبُ.. وأخرى تنفرُ وتدفعُ لتطردُ وتبعد.. كما للجدل والمنافسة الحرة مساحة وميداناً.. ميدانها ليس سيركاً.. حريتها ليست فوضى.. الكلام المباح يجب أن لا يسبب لأحدٍ الألم أو جراح .. هنا يسقط .. يطرد.. يبعد.. من لا يجيد أو يحسن الكلام.. كأنه ما زال في المنام.. لا يميط عن وجهه اللثام.. ينفخُ متمنياً عودة العهد المقبور لا يصدق انه بات من الركام.. ولا مكان عند اليقظة للأوهام…

ونقولها ضاحكين.. اشدُ ما يضحكنا في هذا الزمن الجديد.. ما حلّ ببعض أزلام العهد المقبور.. فقد أضاعوا المشيتين.. مرة يقولون نحنُ ضد أمريكا.. ضد الاحتلال.. لكنهم يتسابقون نحوها.. نحو الأخت أمريكا .. نحو العم أوباما ونائبه بايدن يستصرخونهم..

أنْ يفسحوا لهم المشاركة.. فقط المشاركة في الانتخابات..!!

تناسوا أن للديمقراطية قوة رفض لا تستطيع أمريكا سبر غورها.. وباتوا كالببغاوات.. يسبونَ ويلعنون يوماً مجلس القضاء وهيئة النزاهة ومحكمة التمييز.. وآخر يمدحونها يبجلونها ويثمنون قراراتها.. لقد أصبحوا لا يفقهون ماذا يقولون؟!!..

بعدَ أنْ أستنزفهم قانون المنافسة الحرة، وجعلهم يهذون مرة وينصاعون للقرارات الدستورية ثانية.. التي لا تبيح لمن يحمل فكراً متطرفاً ولغة متأزمة للتحدث باسم الشعب والمواطنين.. ناهيك عن مشاركته في الانتخابات..

هنا في هذا البلد الجديد.. نعلن باسم الدستور.. أن لا مكانة لكم أيها العنصريون البعثيون بيننا.. نعلن أن لا مستقبل لكم في هذه الأرض وهذا الوطن الجديد… العراق الفيدرالي.. عراق الانتخابات.. عراق الإنسان الحر..

باختصار لقد انتهت مرحلة التوحش وعبث البعث.. بدأنا مرحلة جديدة لا مجال فيها للتهاون معكم..

الديمقراطية تحمي المجتمع.. وحماية الناس تتطلب أن لا يفسح للقتلة ودعاة العنصرية وشراذم البعث بالتواجد في صفوف البرلمان القادم..

وهي دعوة للتدقيق في قوائم مازال يختبأ فيها البعض من القتلة..

بالتصويت الحر نشطب بقية الأسماء..

من أجل وطن يوفر لأبنائه الكهرباء والماء..

سنجعل عجلة الديمقراطية تناطحُ السماء..

وطريقاً يقذف إلى المزبلة دعاة الأفكار السوداء..

من البصرة الفيحاء حتى الموصل الحدباء..

سيكون وطناً للكبرياء..