الرئيسية » مقالات » وفاء (الأصدقاء) .!.

وفاء (الأصدقاء) .!.

يلتقي أحد أعظم فلاسفة اليونان والذي كان يحتل مكانة محترمة في مجتمع أثينا –يلتقي بأحد معارفه في الشارع، ويبادر الرجل الحديث مع الفيلسوف:
– تريد أن تعرف ما سمعته عن أفضل أصدقائك؟
+ انتظر لحظة! -قالها الفيلسوف باستهجانٍ- وبادر هو بطرح الأسئلة. قبل أن تقول أي شيء، أريد أن تجاوبني على ثلاثة أسئلة أو كما يقال مصفاية ثلاثية..
الفلتر الأول هو عن الحقيقة: أنت متأكد بشكل كامل بأن الذي تريد قوله عن صديقي صحيح؟
– لا، فقط سمعت ذلك، و…
+ طيب .. طيب، يعني ليس بالتأكيد أن ذلك صحيح وموثوق، يمكن أن يكون صحيح ويمكن أن يكون كذب..
والآن لنجرب الفلتر الثاني، ويتناول الخير: ما تريد قوله لي هو شيء جيد، ويحمل الخير؟
– لا، بالعكس من ذلك…
+ يعني، تريد قول شيئاً سيئاً لا يحمل الخير عن صديقي.
لا مشكلة، لنرى الفلتر الثالث، المنفعة: الشيء الذي ترغب إخباري به عن صديقي، يجلب لي منفعة؟
– لا، أبداً، لكنه…
+ المختصر من كل هذا الحديث، -يقول الفيلسوف مقاطعاً- هو أنك تريد أن تقول لي شيئاً عن صديق عزيز عليّ، شيئاً ليس صحيحاً وليس جيداً ولا يحمل منفعة لي، إذاً لماذا تقوله؟

هذا الفيلسوف العظيم والذي مازالت تدرس علومه حتى اليوم في جامعات العالم كلها بما فيها الجامعات السورية، ومن بينها ما يتعلق بالأخلاق والحكمة. ورغم ذكائه وعلمه الواسع المتنوع، لم يخطر في باله أبداً أن أقرب أصدقاؤه كانت تربطه علاقة حميمة مع زوجته (زوجة الفيلسوف). ومات بعد ذلك مقتولاً بالسم ليس بسبب زوجته وصديقه بل بسبب فكره وعِلمه. مات بعيداً عن دمشق، أو ربما غير ذلك؟. الحكيم العظيم أيضاً يحتاج أحياناً إلى الحكمة وإلى مصفاية وغربال للأصدقاء، لأن بعض “الأصدقاء” ربما هم بعض “أعداء”، باستثناء بعض الخدماء الظرفاء”..
………
ومن أثينا نذهب إلى دمشق عبر بوابة النصر في باريس، تاركين هناك حكيم أثينا الكبير، و”روبسبير”-نا الصغير، وكمشة آلاف من السنين نصف القمرية، والتي يربطنا بها ورقة الروزنامة المصنوعة من ورقة توت ورقة بن نوفل. وحيث يعيش المساعد أبو محمود -الشريك السابق لنائب النائب صاحب السلوك المحمود، والذي يتحول التشبيح على “الأصدقاء” عنده إلى أخلاق وثقافة بلا حدود..
يدخل أبو محمود إلى غرفة ابنه الصغير مساءً ليطمئن على نومه ويغطّيه جيداً كي لا يبرد، ويجده يتقلب خائفاً قلقاً لا يستطيع النوم، فيسأل الوالد ابنه الصغير:
– شو المشكلة يا ابني، يا حبيبي؟
+ حلمت في النوم إنو جدتي ميتة.
يحتضن أبو محمود ابنه ويجلس بجانبه ليهدئه ويقول:
– جدتك صحتها كويسة، وما تقلق يا حبيبي، الصبح راح تلعب معك، حاول تنام وفكّر باللعب. وبعد فترة من تهدئة الطفل يعود ويغط في نومٍ عميق حتى الصباح.
من عادة الجدة الاستيقاظ مبكراً، وفي ذلك الصباح يستيقظ الجميع باستثناء الجدة، وبعد الدخول إلى غرفة نومها لاستجلاء الأمر يجدون الجدة متوفية..
تنقضي الأيام، وبدأ الطفل يتأقلم مع غياب جدته. وفي أحد الليالي يدخل الأب أبو محمود كعادته إلى غرفة الولد الصغير مساءً للاطمئنان على نومه، ونفس المشهد السابق عشية وفاة الجدة، خوف ورعشة في أطراف الطفل، وبالكاد يستطيع نطق الكلمات.. رأيت جدي ميتاً في الحلم–قالها ببكاء وارتباك.. وبعد تهدئة الأب أبو محمود للطفل والبقاء بجانبه حتى ينام من جديد، يخرج الوالد متعباً وقلقاً على صحة طفله، ثم يذهب للنوم.
وفي الصباح –وكان نهاية الأسبوع- يستيقظ أبو محمود وزوجته في وقت متأخر، حيث اعتادت الأسرة النهوض على صوت قرقعة حركات الجد (والد أبو محمود) وهو يحضّر القهوة، ويُجهّز “عدة” المتي كعادته. لكن هذا السكون لم يكن مريحاً، بل ازداد تخوّف أبو محمود من أن يكون والده أصابه مكروه، أو ربما حلم ابنه الصغير… قطع حبل التفكير، وهرع إلى غرفة الجد ليجده ميتاً..
ازداد قلق أبو محمود، وازداد خوفه على ابنه، والخوف من أحلام أخرى تسبب مشاكل نفسية للطفل، أحلام غير مفهومة وحزينة، دعت أبو محمود لزيادة اهتمامه بمواظبته على تأدية فرائضه الدينية..
من المعروف لزملاء المساعد أبو محمود أنه لا يهمل واجباته الدينية حتى في مكان العمل –وغالباً كان يقطع الاستجواب والتحقيق مع “ضيوفه” من أجل فروض العبادة بموعدها. وبعد تلك الأحداث صار اهتمامه الديني أكثر ولا ينسى التوكل عند أي عمل أو نشاط يقوم فيه، وصارت البسملة والحوقلة لا تفارق شفتيه.
وبدأ أبو محمود يتعايش مع الوضع الجديد بعد أن فقد والديه خلال فترة قصيرة. وازداد اهتمامه بابنه الوحيد أكثر لتعويض الرعاية التي فقدها بوفاة الجدة والجد..
وكان الحلم قبل الأخير للطفل، أنه شاهد العم نائب النائب للنائبة يقشّر التين ويأكل القشر في غرفة الغسّالة، وفي الصباح يجد أبو محمود في حديقة البيت جواز سفر مجهول الهوية وفيه ختم طلياني و”بولصة” شحن لمنظفات كيماوية وبجانبه حفارة كوسا. وقد أراحه أن حلم ابنه كان بريئاً ولا يحمل غير الأكل والنظافة والغسيل وملحقاته..
وبعد فترة من الزمن، يتكرر نفس موضوع الخوف والتوتر والبكاء عند الطفل في الليل، حيث كان حلم الطفل هذه الليلة عن وفاة الوالد بالذات. لقد حلم الطفل في نومه بجنازة والده.. وطبعاً يحاول أبو محمود تهدئة الطفل حتى ينام.. لكن أبو محمود نفسه بعد ذلك الحلم لم يستطع النوم! لقد ثبت حلم الطفل عن وفاة الجد والجدة، ثم مشاهدة نائب النائب نصف عارياً يأكل بقايا التين ويحفر الكوسا، وربما فعلاً تكون هذه الليلة هي آخر أيامه –جالت الخواطر في ذاكرة أبو محمود وبقي منزوياً في المطبخ حتى صلاة الفجر..
في الصباح، يذهب الرجل باكراً للعمل بقلق وتوتر، وخوف من كل شيء. لا يأكل، خوفاً من أن يتسمم. لا يجلس مع أحد، خوفاً من أن يقتله.. لا يستطيع إنجاز أي شيء خوفاً من الموت.. وصار يرى أبو محمود في كل شيء شبح الموت حقيقة يتخيلها ويعيشها..
بعد انتهاء دوام نصف يوم كان أطول يوم عاشه أبو محمود، يعود للبيت مع ساعات الظهر مُرهقاً ويقول لزوجته أن يومه كان تعيساً جداً وأنه تعبان … وأنه…. وتقاطعه الزوجة بأنها في وضع أسوأ بكثير، وأنها تعيش كابوساً مرعباً منذ الصباح، وتصرخ مفجوعة من الخوف:
ونحن شو منقول، الصبح لقينا أعزّ أصدقاءك اللي كنت تشتغل معه بتنشيف الفراطة – نائب كابتن الباخرة الطليانية قدام الباب الخلفي للبيت ميت.؟!…
ملاحظة حسابية ملونة: هل من علاقة بين جهاد الملكة زنوبيا ضد الاغتصاب والنهب من قبل حكماء صقلية، وبين رحلتها في الباخرة الإيطالية لأصبغة الشَعر، مِن – أو إلى تدمر؟!..

بودابست، 20 / 2 / 2010.